متغيرات عدة تفرض ضغوطاً متزايدة على الخرطوم

السودان يواجه صعوبات تعيق محاولاته تجاوز الاحتجاجات في 2019

صورة

شهد العديد من المدن السودانية، منذ 19 ديسمبر 2018، احتجاجات شعبية بسبب نقص الوقود والخبز في الأسواق وارتفاع أسعارهما، وسط تصاعد القيود على سحب النقود من البنوك، يأتي ذلك على ضوء تراجع النقد الأجنبي في البلاد، ما ترتب عليه ضعف العملة المحلية، وارتفاع أسعار السلع الأساسية بوتيرة سريعة في الأشهر الماضية، على نحو يزيد أهمية التحرك بشكل عاجل، من أجل تبني برنامج اقتصادي، يستهدف تلبية الاحتياجات الأساسية، بجانب تحقيق التوازن المالي والنقدي في مرحلة لاحقة.

أوضاع مضطربة

تصاعدت حدة الصعوبات الاقتصادية، التي يواجهها السودان في الآونة الأخيرة، نتيجة نقص النقد الأجنبي في البلاد، والذي تسبب بدوره في ضعف العملة المحلية وارتفاع وتيرة التضخم، خلال الفترة الماضية، ما ترتب عليه تدني المستويات المعيشية للمواطنين، وشح السلع الأساسية في الأسواق.

ومنذ أن انفصل جنوب السودان عام 2011، خسرت الحكومة السودانية قسماً كبيراً من الإيرادات النفطية والصادرات، حيث تتركز معظم الحقول النفطية في الجنوب. وفي العام الماضي، أنتج السودان نحو 86 ألف برميل يومياً من النفط الخام، أي ما دون 81% من مستوياته قبل عقد، عندما بلغ 457 ألف برميل يومياً في عام 2008.

فضلاً عن ذلك، لاتزال الولايات المتحدة الأميركية تُصنف السودان كإحدى الدول الراعية للإرهاب، ما يعرقل فعلياً استعادة علاقاتها التجارية مع دول العالم، وجذب الاستثمارات الأجنبية وهيكلة ديونها، وذلك على الرغم من رفع بعض العقوبات الأميركية عليها في أكتوبر عام 2017، والتي دفعت اتجاهات عدة إلى ترجيح إمكانية انتعاش النمو الاقتصادي في المستقبل.

وعلى ضوء النقص الشديد في النقد الأجنبي، اضطر البنك المركزي، منذ عام 2016، إلى خفض قيمة الجنيه، ما أدى بدوره إلى وصول معدل التضخم في البلاد إلى أكثر من 60%، على نحو يضعه ضمن أعلى المستويات في العالم.

وفي نوفمبر 2018، وصل التضخم إلى ذروته، حيث بلغ نحو 68.93%، مقارنة بـ68.44%، في شهر أكتوبر من العام نفسه. وفي هذه الأثناء، كانت السلع الغذائية من بين أكثر السلع ارتفاعاً في الأسعار. وبالتوازي مع ذلك، تواجه السودان أيضاً ضغوطاً اقتصادية أخرى تتمثل في تراكم الديون المستحقة عليها مع عدم القدرة على سداد أقساطها وفوائدها.

ووفق صندوق النقد الدولي، بلغت قيمة الديون الخارجية بنهاية عام 2017، نحو 54 مليار دولار، منها 85% متأخرات مستحقة لدى دول نادي باريس، ومؤسسات متعددة الأطراف والقطاع الخاص، ومن المتوقع أن ترتفع إلى أكثر من 56 مليار دولار، بنهاية عام 2018.

أزمات معيشية

شهدت الفترة الماضية أزمات متكررة، نتيجة شح الخبز في الأسواق، ويعود ذلك إلى توقف معظم مطاحن القمح في البلاد عن الإنتاج، نظراً لمحدودية توريد القمح إليها، ما أدى بدوره إلى رفع سعر رغيف الخبز إلى ما بين ثلاثة وخمسة جنيهات، مقابل جنيه واحد في السابق.

وفي الأشهر الماضية، لم تتمكن الحكومة، بحسب اتجاهات عدة، وفي ضوء نقص العملات الأجنبية، من استيراد احتياجاتها من القمح، وذلك في الوقت الذي تحتاج فيه إلى توفير أكثر من نصف مليون دولار يومياً، كدعم للمطاحن لتقديم الخبز بسعر مدعم. فيما يبدو أيضاً أن خطوة فتح المجال أمام القطاع الخاص لاستيراد القمح، في الأشهر الماضية، لم تثبت فاعليتها إلى الآن في توفير جزء من احتياجاتها من القمح من الخارج.

على صعيد آخر، تزايدت الصعوبات التي تواجه عمليات سحب الأموال لدى البنوك في الفترة الماضية، وعلى الرغم من أن البنوك لم تعلن قيوداً محددة على سحب النقود بحسب الترجيحات، إلا أن مبالغ السحب هبطت في بعض الحالات، خلال الفترة الماضية، إلى 500 جنيه (ما يعادل 10 دولارات يومياً)، وذلك في ظل شح السيولة لدى النظام المصرفي، وسط ارتفاع وتيرة التضخم، وتباطؤ عمليات طبع نقود البنكنوت.

كما برزت، في الآونة الأخيرة، مشكلة تراجع الوقود المتوافر في الأسواق، ما أدى إلى التزاحم الشديد على تزويد السيارات بالوقود في المحطات، وذلك لعدم قدرة الحكومة على استيراد احتياجاتها من المنتجات النفطية من الخارج. ورغم وجود أربع مصافي نفط، فإنها لا تعمل بكامل طاقتها الإنتاجية.

برامج عاجلة

وتفرض هذه المعطيات، في مجملها، ضرورة تبني إجراءات عدة: يتمثل أولها، في مواصلة إجراء مباحثات مع الولايات المتحدة الأميركية، من أجل رفع السودان من قائمة الدول الراعية للإرهاب، وقد يدعم هذا الاتجاه بدء المرحلة الثانية من الحوار مع الإدارة الأميركية بهذا الشأن في نوفمبر الماضي، على نحو ربما يساعد السودان على الاندماج مجدداً في الاقتصاد العالمي، واستعادة علاقاتها التجارية والاستثمارية مع دول العالم.

وينصرف ثانيها، إلى توفير الاحتياجات الأساسية من الوقود بالأسعار المناسبة في الأسواق. وقد يعزز ذلك توقيع السودان على اتفاقيات خاصة بالتزود بالنفط، وبناء مصفاة على البحر الأحمر.

ويتعلق ثالثها ببذل مزيد من الجهود، من أجل توفير الخبز في الأسواق المحلية بأسعار مناسبة، وتعزيز توفير دقيق الخبز وضمان انسيابه بالأسواق، وهو ما قد يتطلب منها، بجانب تحسين مدخلات منظومة الخبز، إبرام اتفاقات مع شركائها الاقتصاديين، للحصول على تسهيلات ائتمانية لاستيراد القمح من الأسواق العالمية، وتدشين مخزون كافٍ، لتلبية احتياجات الأسواق لفترة طويلة.

كما تتزايد أهمية الاتجاه نحو تعزيز القيمة المضافة، للقطاعات التي تتمتع بتنافسية عالية، خصوصاً التعدين والزراعة، وبما قد يدعم النشاط الاقتصادي في الفترة المقبلة. خصوصاً أن البلاد تتمتع بإمكانات عالية في إنتاج الذهب وتصديره، بما قد يوفر قسماً من احتياجاتها من النقد الأجنبي.

وفي عام 2017، بلغ إنتاج السودان من الذهب نحو 107.3 أطنان، بصادرات وصلت إلى 37.5 طناً، بعائدات بلغت 1.5 مليار دولار، بيد أنها تعاني مشكلات واسعة في هذا القطاع، تتمثل في التعدين غير الرسمي، والتهريب للسوق السوداء.

فضلاً عن ذلك، تتمتع السودان بإمكانات زراعية كبيرة، تتمثل في وجود مساحات شاسعة للزراعة، بجانب توافر المياه وتنوع المناخ، على نحو قد يوفر لها مناخاً مناسباً لزراعة محاصيل عدة من بينها القمح، وبما قد يقلل استيراد المحصول من الخارج، وربما يساعدها على ذلك أنها تمكنت في الفترة الماضية من تأسيس شراكات مع المستثمرين الأجانب، للعمل في القطاع الزراعي.

وأخيراً، يمكن القول إن هذه التطورات تفرض ضرورة تنفيذ برنامج الإصلاح الاقتصادي، الذي أقرته الحكومة في أكتوبر الماضي، لمدة 15 شهراً، ويتضمن مزيداً من إجراءات التقشف، بغرض تحقيق الاستقرار المالي والنقدي في البلاد، بشكل تدريجي، حتى لا يؤدي إلى حدوث صدمات معيشية لدى قطاعات واسعة من المواطنين، بالتوازي مع تبني برنامج فعّال للحماية الاجتماعية، بهدف دعم ومساندة الفئات المتأثرة من هذه الإجراءات.


- عام 2017، بلغ إنتاج السودان من الذهب نحو

107.3 أطنان، وبصادرات وصلت إلى 37.5 طناً

بعائدات بلغت 1.5 مليار دولار، بيد أنها تعاني

مشكلات واسعة في هذا القطاع، تتمثل في

التعدين غير الرسمي، والتهريب للسوق السوداء.

- تتزايد أهمية الاتجاه نحو تعزيز القيمة المضافة،

للقطاعات التي تتمتع بتنافسية عالية، خصوصاً

التعدين والزراعة، وبما قد يدعم النشاط الاقتصادي

في الفترة المقبلة.

طباعة