خلافات جذرية تحول دون التوصل إلى تفاهمات

اجتماعات أستانة تُظهر اتساع الفجوة بين أطراف النزاع السوري

صورة

شارفت مهمة المبعوث الأممي إلى سورية، ستيفان دي ميستورا، على الانتهاء دون أن يتمكن من الإسهام في الوصول إلى تسوية سياسية للأزمة السورية. وانعكس ذلك بشكل واضح في عدم خروج الجولة الحادية عشرة من محادثات أستانة التي عقدت يومي 28 و29 نوفمبر الماضي، وشارك فيها النظام والمعارضة، إلى جانب الدول الضامنة، وهي روسيا وإيران وتركيا، بنتائج بارزة، حيث لم تتوصل الأطراف المشاركة إلى توافق على البنود الرئيسة، وفي مقدمتها اللجنة الدستورية.

وفي الواقع، فإن تراجع نتائج الجهود التي بذلت في الفترة الماضية يطرح دلالة مهمة تتمثل في أن تسوية الأزمة السورية وإنهاء الصراع العسكري يبدو مهمة صعبة، لم تنجح التطورات الميدانية التي شهدتها سورية في التعامل معها، على غرار مبادرات خفض التصعيد ووقف إطلاق النار، التي تم التوصل إليها بين النظام السوري والتنظيمات الإرهابية والمسلحة في بعض المناطق، وهو ما يبدو أنه سيضع عقبات عدة، من البداية، أمام المهمة التي سيتولاها المبعوث الجديد غير بيدرسون.

اعتبارات عدة

من هنا، يمكن القول إن ما تم تحقيقه من نتائج يدخل في إطار الخطوات التكتيكية التي لم تفرض تداعيات إيجابية على المسارات المحتملة لتسوية الأزمة، أو بمعنى أدق على جهود تسويتها. وبعبارة أخرى، فإن تحقيق هذه النتائج يعود في المقام الأول إلى أن القضايا التي حسمتها، كانت محل توافق نسبي بين الأطراف المعنية بالأزمة، خصوصاً أنها لا تمس مصالحها العليا أو أهدافها التي تحاول تحقيقها من انخراطها فيها، عبر مواصلة دعم بعض الأطراف المحلية.

وقد كان عقد الاجتماعات المتتالية للدول الضامنة في أستانة، فضلاً عن التفاهمات التي تم التوصل إليها في سوتشي، مثالاً على التوافق التكتيكي على بعض الملفات الخلافية التي تتراجع أهميتها بشكل كبير، مقارنة بالقضايا الرئيسة التي تتعلق بمستقبل الدولة السورية، وشكل وطبيعة نظام الحكم، والعلاقة بين المكونات المجتمعية المختلفة للشعب السوري.

واستناداً الى هذا الواقع، تبدي بعض القوى الدولية، على غرار الولايات المتحدة الأميركية، شكوكاً في مدى قدرة تلك الجهود على الوصول إلى تسوية للأزمة، وهو ما عبرت عنه واشنطن أخيراً بتأكيدها على أن اجتماعات أستانة وصلت إلى طريق مسدود، خصوصاً أنها لا تدفع النظام السوري إلى الانخراط في جهود فعالة لتنفيذ عملية سياسية بإشراف الأمم المتحدة.

حرص واشنطن على تقليص أهمية اجتماعات أستانة يعود إلى إدراكها عمق الخلافات العالقة بين أطرافها، لاسيما تركيا من جانب، وروسيا وإيران من جانب آخر، التي تضع حدوداً يصعب تجاوزها للتفاهمات التي يمكن أن تتوصل إليها، دون أن تقترب من مرحلة الدفع باتجاه الاتفاق على الخطوط العريضة للتسوية.

ملفات مترابطة

فضلاً عن ذلك، لا يمكن تجاهل تأثير الملفات الأخرى التي تنخرط فيها القوى المعنية بالأزمة السورية، إذ لا تبدو إيران حريصة في الوقت الحالي على تعزيز فرص الوصول إلى تلك التسوية المحتملة، بل إنها قد تحاول عرقلة أية جهود قد تبذل في هذا السياق، لاسيما أنها تصر في الوقت الحالي على الربط بين الأدوار التي تقوم بها داخل دول الأزمات، والضغوط الدولية التي تتعرض لها، بسبب تراجع رهانها على الاتفاق النووي، بعد انسحاب الولايات المتحدة الأميركية منه واتجاهها إلى فرض عقوبات جديدة عليها، من المتوقع أن تنتج تداعيات قوية على اقتصادها.

كما لم تتم تسوية الملفات الخلافية العالقة بين واشنطن وأنقرة، خصوصاً في ما يتعلق بالدعم العسكري الذي تقدمه الأولى للميليشيات الكردية. فرغم توصل الطرفين إلى تفاهمات أمنية وسياسية عدة في هذا الإطار، إلا أن ذلك لا ينفي أن الإدارة الأميركية مازالت ترى أن الدعم الذي تقدمه للأكراد يمثل آلية مهمة لتفعيل سياستها إزاء الأزمة السورية، خصوصاً في ما يتعلق بمواجهة محاولات تنظيم «داعش» العودة من جديد إلى المناطق التي سبق أن سيطر عليها قبل أن يخرج منها بفعل العمليات العسكرية التي قام بها التحالف الدولي والأطراف المحلية، وعلى رأسها ميليشيا «قوات سورية الديمقراطية» (قسد).

ومن دون شك، فإن التوتر الملحوظ الذي طرأ على العلاقات بين واشنطن وموسكو سيلقي بتأثيراته على المسارات المحتملة للأزمة، إذ وجهت موسكو انتقادات لمحاولات واشنطن تقليص أهمية النتائج التي يمكن أن تخرج عن اجتماعات أستانة.

هذا التوتر ربما يتسع نطاقه خلال المرحلة المقبلة، وذلك على خلفية تطورين: أولهما، الأزمة التي أثارها قيام خفر السواحل الروسية، في 25 نوفمبر 2018، باحتجاز ثلاث سفن أوكرانية بالقرب من شبه جزيرة القرم، والتي دفعت الرئيس الأميركي دونالد ترامب إلى إلغاء لقاء كان من المقرر عقده مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين على هامش اجتماعات قمة مجموعة العشرين في الأرجنتين.

وثانيهما، تزايد احتمال اتجاه الإدارة الأميركية إلى تصعيد ضغوطها على إيران، سواء عبر رفع مستوى العقوبات الحالية، أو من خلال محاولة دفع الدول الأوروبية إلى تغيير سياستها تجاه إيران خصوصاً عقب العمليات الإرهابية، التي تورطت فيها الأخيرة واستهدفت بعض عناصر قوى المعارضة الموجودة على الأراضي الأوروبية، أو عبر محاولة نقل ملفها من جديد إلى مجلس الأمن، مستغلة الانتهاكات المتواصلة التي ترتكبها إيران في الاتفاق النووي وقرار مجلس الأمن رقم 2231، خصوصاً في ما يرتبط بمواصلة إجراء تجارب خاصة بالصواريخ الباليستية، وتقديم دعم للتنظيمات الإرهابية الموجودة في بعض دول الأزمات، حيث يتوقع أن تواصل روسيا، في هذه الحالة، دعم الموقف الإيراني، مستندة في هذا السياق إلى تقارير الوكالة الدولية للطاقة الذرية التي تشير إلى التزام إيران ببنود الاتفاق النووي، رغم محاولاتها المستمرة للالتفاف عليه.

وعلى ضوء ذلك، يمكن القول في النهاية إن عدم خروج الجولة الحادية عشرة من اجتماعات أستانة بنتائج بارزة يشير إلى أن الخلافات العالقة بين الأطراف المعنية بها لا تبدو ثانوية ولا يمكن تقليصها بسهولة، على نحو يضفي مزيداً من التعقيد على مهمة المبعوث الأممي الجديد إلى سورية.

• حرص واشنطن على تقليص أهمية اجتماعات أستانة يعود إلى إدراكها عمق الخلافات العالقة بين أطرافها، لاسيما تركيا من جانب، وروسيا وإيران من جانب آخر.

طباعة