حركة «طالبان» تسـعى «بصعوبة» إلى تغيير سياستسيد مصطفى - دبيها - الإمارات اليوم

البدائل أمامها محدودة

حركة «طالبان» تسـعى «بصعوبة» إلى تغيير سياستسيد مصطفى - دبيها

صورة

تحول الارتباك إلى سمة رئيسة في المواقف التي تتخذها حركة «طالبان» للتعامل مع التطورات الداخلية الطارئة على الساحة الأفغانية، خصوصاً في ما يتصل بعلاقاتها مع القوى والمنظمات المعنية بهذه التطورات. فقد كان لافتاً، على سبيل المثال، إعلان الحركة، في 12 أكتوبر الجاري، عن موافقتها على عودة اللجنة الدولية للصليب الأحمر للعمل في المناطق التي تسيطر عليها، مع توفير الحماية اللازمة لها، وذلك عقب اجتماع بين قادة المكتب السياسي للحركة في الدوحة ومسؤولين في الصليب الأحمر، انتهى بتجديد اتفاق يسمح للمنظمة بمواصلة تقديم المساعدات الطبية لمختلف أطراف الصراع.

وقد توازى ذلك مع اللقاء الذي عقد بين كوادر في الحركة والموفد الأميركي إلى أفغانستان، زلماي خليل زاد، في الدوحة. ورغم أن اتجاهات عدة استندت إلى ذلك، لترجيح احتمال اتجاه الحركة إلى إجراء تغيير في سياستها، إلا أن ذلك لا ينفي في الوقت ذاته أن حدود التغيير ربما لن تصل إلى مستوى يعزز من فرص الوصول إلى تسوية للأزمة الأفغانية خلال المرحلة المقبلة.

تصعيد ملحوظ

جاء قرار حركة «طالبان» بمنح اللجنة الدولية للصليب الأحمر ضمانات أمنية لاستئناف العمل في أفغانستان، وعقد لقاء مع الموفد الأميركي، خليل زاد، في وقت تنشط فيه الحركة على أكثر من مستوى. فقد صعّدت «طالبان» من هجماتها الإرهابية، بهدف توسيع نطاق نفوذها، على غرار الهجوم الذي شنه مقاتلوها على موقعين للجيش الأفغاني في 14 أكتوبر الجاري، ما أسفر عن مقتل ما لا يقل عن 20 جندياً، وذلك بعد يوم واحد من مقتل 13 أفغانياً وسط تجمع انتخابي شمال البلاد، حيث ستجرى الانتخابات البرلمانية في 20 من الشهر ذاته.

كما قامت الحركة، في السادس من أكتوبر، بتدمير أحد الجسور بالقرب من مدينة غزنة بوسط أفغانستان، بهدف إغلاق الطريق السريع الرئيس الذي يربط بين العاصمة كابول وجنوب البلاد، وذلك بالتزامن مع شن هجمات أخرى متفرقة للسيطرة على أجزاء من إقليم غزنة، بعد شهرين تقريباً من قيام قوات أفغانية مدعومة من الولايات المتحدة الأميركية بطرد عناصرها من عاصمة الإقليم.

ويأتي ذلك أيضاً عقب إعلان الحركة عن رفضها إجراء الانتخابات البرلمانية، وتوجيهها تحذيرات للمرشحين من المشاركة فيها، داعية عناصرها إلى استهداف قوات الأمن الأفغانية لعرقلة سير العملية الانتخابية، وهو ما أدى إلى تعرض عدد كبير من مراكز التسجيل لهجمات إرهابية.

أهداف عدة

يبدو أن «طالبان» تسعى من خلال السماح لأعضاء الصليب الأحمر الدولي بمواصلة العمل من جديد داخل أفغانستان، خصوصاً في المناطق التي تسيطر عليها، وتوفير الحماية اللازمة لضمان أمنهم، بالتوازي مع انخراطها في محادثات مع خليل زاد، إلى تحقيق أهداف عدة، يتمثل أبرزها في:

تعزيز الموقع التفاوضي

حرصت الحركة على اتخاذ الخطوة الأولى قبل إجراء المحادثات مع المسؤولين الأميركيين، وذلك من أجل توجيه رسائل إيجابية تشير إلى رغبتها في مواصلة المحادثات مع واشنطن خلال الفترة المقبلة، على نحو يكشف عن سعيها إلى تعزيز موقعها التفاوضي، ربما استباقاً لأية مبادرات جديدة قد تطرح للوصول إلى تسوية للأزمة في أفغانستان، خصوصاً أن إعلان وزير الخارجية الأميركي، مايك بومبيو، في الخامس من سبتمبر 2018، عن تعيين السفير الأميركي السابق لدى أفغانستان، زلماي خليل زاد، مستشاراً لوزارة الخارجية لشؤون أفغانستان، وموفداً إليها، يؤشر إلى أن إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب، تحاول دعم الجهود المبذولة للوصول إلى تلك التسوية خلال المرحلة المقبلة.

مواجهة الانتقادات

تعرّضت الحركة خلال الفترة الماضية لانتقادات قوية من جانب القوى والمنظمات الدولية المعنية بالأزمة الأفغانية، حيث اعتبرت تلك الأطراف أن الإجراءات التي اتخذتها الحركة تعرقل جهودها لاحتواء تداعيات المشكلات الإنسانية والاجتماعية والاقتصادية، التي تعاني منها أفغانستان. ورغم أن مواجهة مثل تلك الانتقادات والضغوط لا تعبر عن ظاهرة جديدة، إلا أن تزامنها مع متغيرات أخرى، مثل اتساع نطاق الخلافات داخلها، دفعها إلى تغيير موقفها باتجاه العمل على احتواء تلك الضغوط.

ويبدو أن ثمة انقساماً داخل الحركة تجاه التعامل مع الأطراف المعنية بالأزمة الأفغانية، بين فريق يدعو إلى مواصلة التصعيد، وتنفيذ مزيد من العمليات الإرهابية، خصوصاً مع إجراء الانتخابات البرلمانية، وفريق يرى أن التطورات الإقليمية والدولية تفرض خيارات محدودة على الحركة، بشكل يدفع في اتجاه إبداء مرونة أكبر، سواء في ما يتعلق بالانخراط في محادثات جديدة مع بعض تلك الأطراف، أو ما يتصل بالإسهام في إعادة تفعيل نشاط اللجنة الدولية للصليب الأحمر، بعد التوتر الذي نشب بين الطرفين خلال الفترة الأخيرة، على خلفية الاتهامات التي وجهتها الحركة للجنة بعدم تقديم مساعدات طبية كافية لسجناء مضربين عن الطعام في سجن كابول، إلى جانب العمليات الإرهابية التي أدت إلى مقتل سبعة من موظفي اللجنة خلال عام 2017.

الضغط على الحكومة

تكشف مسارعة «طالبان» إلى الإعلان عن عقد لقاء مع الموفد الأميركي خليل زاد عن محاولتها ممارسة ضغوط على الحكومة خلال الفترة المقبلة، التي قد تبذل فيها القوى المعنية جهوداً أكبر للوصول إلى تسوية للأزمة، خصوصاً بعد التغير الملحوظ في موقف واشنطن، الذي بدا جلياً في موافقتها على إجراء لقاء مع «طالبان»، بعد أن كانت تصر على ضرورة أن تكون المحادثات بين الأطراف الأفغانية المنخرطة في الأزمة.


لا تغير

لا يمكن القول إن التغير الذي طرأ على موقف «طالبان» قد يعزز جهود تسوية الأزمة، في ظل الارتباك الملحوظ في مواقف الحركة، وحرص كثير من قادتها وكوادرها على الضغط من أجل مواصلة التصعيد عبر رفع مستوى العمليات الإرهابية التي تستهدف مقار الانتخابات، والقوات المحلية والأجنبية على حد سواء، بما يشير إلى أن هذا الهدف يبدو بعيد المنال في المرحلة الحالية.

الحركة منقسمة تجاه التعامل مع أطراف الأزمة الأفغانية بين فريق يدعو إلى مواصلة التصعيد الإرهابي، خصوصاً مع إجراء الانتخابات البرلمانية، وفريق يرى أن التطورات الإقليمية والدولية تفرض خيارات محدودة على الحركة.

«طالبان» حرصت على اتخاذ الخطوة الأولى قبل إجراء المحادثات مع المسؤولين الأميركيين، من أجل توجيه رسائل إيجابية إلى واشنطن، على نحو يكشف عن سعيها إلى تعزيز موقعها التفاوضي، ربما استباقاً لأية مبادرات جديدة قد تطرح للوصول إلى تسوية للأزمة في أفغانستان.

طباعة