واشنطن «الحربية» تنسحب من اتفاقية الصواريخ النوويـة المتوسطة المدى - الإمارات اليوم

آخرة مناورات «الحرب الباردة»

واشنطن «الحربية» تنسحب من اتفاقية الصواريخ النوويـة المتوسطة المدى

ريغان وغورباتشوف وقعا الاتفاقية عام 1987. أرشيفية

قررت إدارة الرئيس، دونالد ترامب، الانسحاب من «اتفاقية الصواريخ النووية المتوسطة المدى»، وهي أكثر الاتفاقيات شمولاً التي تم التوصل إليها بين واشنطن وموسكو. وأبلغ مستشار الأمن القومي الأميركي، جون بولتون، المعروف بمعارضته الشديدة للحد من التسلح، الرئيس الروسي فلاديمير بوتين قبل ساعات بأن الولايات المتحدة ستنسحب من الاتفاقية. وستقوم إدارة ترامب بإبلاغ حلفائها الأوروبيين الرئيسين بهذا القرار، الامر الذي يمكن أن يعقد العلاقات بين ألمانيا وفرنسا التي ترغب ببقاء هذه الاتفاقية. وهذه الخطوة الأخيرة في سلسلة الخطوات التي قامت بها الولايات المتحدة خلال العقدين الماضيين، التي وضعت روسيا في موقف الدفاع والتي دفعت الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، لأن يكون أكثر تشدداً في حماية مصالح موسكو في أوروبا الشرقية.

وبموجب هذه الاتفاقية، تم إلغاء طبقة معينة من الصواريخ النووية المتوسطة المدى من الولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي، بزعامة ميخائيل غورباتشوف عام 1987. وعارضت وزارة الدفاع الأميركية (البنتاغون) هذه الاتفاقية، وعمد وزير الدفاع في حينها، كاسبر واينبرغر، ونائبه لشؤون الحد من التسلح ونزع الأسلحة ريتشارد بيرل، إلى تقديم استقالتيهما احتجاجاً على قرار الرئيس رونالد ريغان المضي قدماً في تلك الاتفاقية. ورفضت «البنتاغون» جميع القرارات الرئاسية لمتابعة عملية نزع الأسلحة، على الرغم من أن الاتفاقية كانت تقضي بقيام السوفييت بالتخلص من أكثر من ضعفي ما ستتخلص منه الولايات المتحدة من هذه الصواريخ، كما أن المشهد الأوروبي أصبح أكثر أمناً بالنسبة للقوات الأميركية المرابطة هناك. وأسفرت هذه الاتفاقية عن تخفيض الإنفاق على التسلح لدى الدولتين، إضافة إلى التحسن الذي طرأ على العلاقات بين الطرفين.

وفي عام 2002، ارتكب الرئيس الأميركي السابق جورج بوش الابن، أسوأ ما يمكن أن يحدث في عالم الردع الاستراتيجي، عندما قام بإلغاء «المعاهدة المضادة للصواريخ البالستية»، التي تعتبر العمود الفقري للردع الاستراتيجي، وواحدة من ألمع سياسات الحد من الأسلحة بين الاتحاد السوفييتي والولايات المتحدة. وارتكب بوش الابن هذا الخطأ الدبلوماسي، المتمثل في إلغاء هذه الاتفاقية دون سبب، ليتحمل نفقات الانتقال إلى نظام الدفاع الصاروخي الدولي، دون وجود أي ضمان من أن هذا النظام يمكن أن يعترض الصواريخ المارقة. وليس هناك مثال على خلق انعدام أمن وطني أفضل من الاعتقاد الأحمق للرئيس بوش أنه يمكن بناء مظلة لا يمكن للصواريخ النووية اختراقها.

ويتحمل الرئيس الأميركي، بيل كلينتون، مسؤولية كبيرة عن تدهور العلاقات الروسية الأميركية، نظراً لدعمه توسع حلف شمال الأطلسي، ما يعتبر خيانة لالتزامات واشنطن بعدم القفز فوق ألمانيا الشرقية، لضم أعضاء آخرين في أوروبا الشرقية للحلف، إذا سحب الاتحاد السوفييتي 340 ألف جندي في أوروبا الشرقية. ودعا كلينتون أعضاء من حلف وارسو إلى الانضمام لحلف الناتو. وزاد الرئيس بوش الطين بلة، عندما دعا الجمهوريات السوفييتية السابقة للانضمام إلى «الناتو»، حتى إن بوش راقت له فكرة دعوة أوكرانيا وجورجيا إلى الانضمام للحلف، لكن المستشارة الألمانية أنغيلا ميركل أقنعته بالمخاطر الكبيرة المترتبة على هذا القرار. لكن الفكرة المتعارف عليها أن بوتين هو المسؤول عن تدهور العلاقات بين روسيا والغرب، نتيجة الحرب الروسية الجورجية صيف عام 2008، والاستيلاء على القرم في عام 2014، لكن المكائد الأميركية في كل من تبليسي العاصمة الجورجية، وكييف عاصمة أوكرانيا، هي المسؤول الرئيس عن تصرفات روسيا.

وتحدثت صحيفة نيويورك تايمز، في مناقشتها القرار الأميركي الانسحاب من اتفاقية الصواريخ النووية المتوسطة المدى، عن حجج واشنطن بأن تصرفات بوتين في أوروبا الشرقية هي المسؤولة عن كل المشكلات. وعلى الرغم من أن تطوير موسكو لصواريخ «إس إس سي8» ربما تعد انتهاكاً لاتفاقية الصواريخ المتوسطة المدى، إلا أن تصرفات الإدارة الأميركية الأخيرة هي المسؤولة بصورة رئيسة عن تدهور العلاقات بين الولايات المتحدة وروسيا. وكانت جهود بوش والرئيس السابق باراك أوباما لنشر النظام الصاروخي الدفاعي الإقليمي في أوروبا الشرقية، والتي عارضها الأعضاء الأوروبيون في حلف الناتو، هي التي أثارت غضب روسيا، وهي تفسر أسباب الزيادة في تمرينات الجنود الروس على حدود بلادهم مع جمهوريات الاتحاد السوفييتي السابقة. وأدى قيام الرئيس كلينتون بحل وكالة الحد من التسلح ونزع السلاح، إلى تدهور المشكلة المحلية المتمثلة في التفاوض على أي اتفاق لنزع السلاح داخل أوساط الأمن القومي الأميركي، دون وجود خبراء أقوياء في مجال نزع السلاح، يمكنهم التصدي لمعارضة البنتاغون المتواصلة.

ودون قيود اتفاقية نزع الصواريخ المتوسطة المدى، يتوقع أن تواصل الولايات المتحدة تصنيع نسخة جديدة من صواريخ «توماهوك»، التي يمكن إطلاقها من الأرض أو السفن أو الغواصات. إضافة إلى ذلك فإن النسخ المستقبلية من هذا الصاروخ يمكن تزويدها برؤوس نووية، الأمر الذي من شأنه أن يفاقم مشكلة التحقق والتثبت من تطبيق الاتفاقيات بين روسيا وأميركا. والقيام بنشر أي أسلحة نووية على السفن، وهو الأمر الذي منعه الرئيس بوش الابن، ومن شأنه أن يشجع روسيا والصن على فعل الأمر ذاته، وبالتالي فإنه يمثل مجازفة بالتفوق الأميركي الواضح في التسليح البحري.

وفي واقع الأمر، يمثل انسحاب واشنطن من معاهدة الصواريخ النووية المتوسطة المدى انتصاراً كبيراً لحكومة ترامب «الحربية» الجديدة، خصوصاً مستشارها للأمن القومي جون بولتون. ويواصل ترامب الحديث الأجوف عن فكرة تحسين العلاقات الروسية الأميركية، لكن ليس هناك أي مؤشر إلى أن أحداً من أعضاء فريقه للأمن القومي يشاطره مثل هذا الهدف.

- انسحاب واشنطن من معاهدة الصواريخ النووية المتوسطة المدى، يعد انتصاراً

كبيراً لحكومة ترامب «الحربية»، خصوصاً مستشارها للأمن القومي جون بولتون.

- عام 2002، ارتكب الرئيس الأميركي السابق، جورج

بوش الابن، أسوأ ما يمكن أن يحدث في عالم الردع

الاستراتيجي، عندما ألغى «المعاهدة المضادة

للصواريخ البالستية»، التي تعتبر العمود الفقري

للردع الاستراتيجي.

طباعة