النظــام الاقتصادي العالمي يحاول تجنب أزمة مالية جديدة - الإمارات اليوم

يحاول الاستفادة من نتائج «درس التعافي»

النظــام الاقتصادي العالمي يحاول تجنب أزمة مالية جديدة

صورة

قطع الاقتصاد العالمي أشواطاً طويلة، منذ الأزمة المالية العالمية التي أصابت جميع الأسواق المالية الرئيسة في العالم، مسببة انكماشاً عالميّاً. وقد أسهمت سياسات اﻟدول الاقتصادية الكبرى، بما في ذلك اﻟسياسات اﻟﻧﻘدﯾﺔ ﻏﯾر اﻟﺗﻘﻟﯾدﯾﺔ، في التحسن التدريجي للاقتصاد العالمي، كما نجحت الاقتصادات الناشئة في تجاوز المراحل الأولية من الأزمة بفعل الاستثمارات الصينية.

وعلى الرغم من استقرار عدد من الاقتصادات المتقدمة، وقيام عدد من البلدان بإصلاحات مهمة في أسواق المال والأعمال، إلا أن الاقتصاد العالمي يفتقر لجملة من الإصلاحات الهيكلية التي من شأنها الحيلولة دون تكرار اندلاع الأزمات المالية العالمية، من خلال تعزيز الإنتاجية، وجذب الاستثمارات بشكل دائم.

وفي هذا السياق، تبرز أهمية تقرير «10 سنوات منذ الأزمة المالية العالمية: التقدم المتفاوت والانقطاعات الهيكلية»، الصادر عن برنامج الاقتصاد العالمي والتنمية التابع لمعهد بروكنجز، للكاتبين: «كريم فودا» (الزميل المشارك في المعهد)، و«إسوار براساد» (الأستاذ بكلية دايسون بجامعة كورنيل، زميل معهد بروكنجز، والباحث المشارك في المكتب الوطني للبحوث الاقتصادية). وفي إطاره، قيَّم الكاتبان التقدم الذي أحرزته اقتصادات السوق المتقدمة والصاعدة منذ الأزمة المالية العالمية.


مؤشرات الاقتصاد العالمي

أورد الكاتبان عدداً من المؤشرات، التي تبرز في مجموعها السمات الراهنة للاقتصاد العالمي، وهي المؤشرات التي يُمكن إجمالها على النحو التالي:

أولاً: الناتج القومي الإجمالي:

وفقاً للكاتبين، يتمتع الاقتصاد الأميركي بمكانة متميزة بين الاقتصادات المتقدمة، لكن على الرغم من ذلك، لا يمكن النظر إلى الناتج القومي الأميركي الإجمالي بمعزل عن مثيله في الصين، والهند، واليابان، وألمانيا، في السنوات الأخيرة. وتكمن المفارقة في الفجوة الشاسعة بين الناتج القومي الأميركي الإجمالي من ناحية، ونصيب الفرد من ذلك الناتج من ناحية أخرى.

وبالتوازي مع ما قدمه الكاتبان، يدلل عدد من التقارير الدولية على تزايد الناتج القومي الأميركي الإجمالي. ولعل منها - على سبيل المثال - تقرير السياسة النقدية الصادر عن مجلس محافظي النظام الاحتياطي الفيدرالي، الذي أوضح تزايد ذلك الناتج بما قيمته (2٪) في الربع الأول من عام 2018. كما أشار إلى ارتفاع معدلات النمو الاقتصادي في الربع الثاني من العام الجاري. وعلى الرغم من تباطؤ الإنفاق الاستهلاكي في وقت مبكر من السنة، فإنه سرعان ما عاود الزيادة، بفعل سياسات التوظيف، وزيادة ثروات الأسر، والدخل المتاح، ونمو الاستثمار في قطاع الأعمال.

ثانياً: الانفصال بين سوق الأوراق المالية والاقتصاد الحقيقي:

تفوقت سوق الأوراق المالية الأميركية (البورصة الأميركية) على مثيلتها في الأسواق الاقتصادية الصاعدة والمتقدمة على مدار العِقد الماضي. وجدير بالذكر أن أسواق الأسهم في معظم الاقتصادات المتقدمة شهدت زيادات كبرى في السنوات العشر الماضية، ولم تتأثر كثيراً بالحروب التجارية أو الاضطرابات السياسية، وغيرها من الصدمات التي من شأنها أن تُحدِث تقلبات في تلك الأسواق، وذلك على خلاف أسواق السندات.

وفي السياق ذاته، واتساقاً مع ذلك المؤشر، تؤكد «ليليان هوف»، وغيرها من المؤلفين في كتابهم «الاقتصاد العالمي اليوم: الاتجاهات الرئيسية والتطورات»، أن أسواق الأسهم تدلل بالفعل على تحسن مناخ الاستثمار، وأسفرت عن تضاعف أرباح الشركات بمعدلات مرتفعة في الولايات المتحدة واليابان. كما ازدادت أسواق الأسهم قوة في جميع دول «منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية»، ما يعزز الثقة بتلك الاقتصادات. وتتأثر سوق الأسهم بطبيعة الحال بعدد من المتغيرات، يأتي في مقدمتها: الوظائف، والنفط، والدولار، لكنّ أياً منها لم يحدث بعد تقلبات حادة في تلك السوق.

وقد أحرزت الصين والهند تقدماً ملحوظاً بين الاقتصادات المتقدمة على صعيد معدلات النمو، كما تضاعف الناتج القومي الإجمالي في كلتيهما منذ عام 2007. وتكمن المفارقة - وفقاً للكاتبين - في تفوق سوق الأوراق المالية الأميركية على مثيلتيها في الصين والهند، على الرغم من نمو اقتصاديهما بنسبة (18%) في العقد الماضي. وهو ما أرجعه الكاتبان إلى تراجع أسواق الأوراق المالية الصينية عن مستواها في عام 2007، وهو ما يمكن النظر إليه في إطار معاناة الأسواق المالية في عدد من الاقتصادات الصاعدة، باستثناء سوق الأوراق المالية الأميركية.

ثالثاً: الاستثمارات الضعيفة ونمو الإنتاجية:

على الرغم من النمو الجيد والأداء القوي لأسواق الأوراق المالية في عدد من الدول، يرى الكاتبان محدودية كل من الاستثمار ونمو الإنتاجية، بالنظر إلى المرحلة المتقدمة من دورة الأعمال العالمية. فعلى مدار العقد الماضي، وعلى الرغم من تزايد الاستثمار الحقيقي الثابت بشكل متواضع في معظم الاقتصادات المتقدمة، تراجع ذلك الاستثمار في كل من البرازيل وروسيا. وبالمقارنة بمعدلات ما قبل الأزمة المالية العالمية، شهد الاستثمار الثابت الحقيقي معدلات مرتفعة في كل من الصين والهند، ويرجع ذلك التعافي لنمو الإنتاجية المنخفض، الذي ظل في معظم الاقتصادات أقل من معدلات ما قبل الأزمة.

رابعاً: أسواق العمل:

وفقاً لإحصاءات الكاتبين، تقل معدلات البطالة في الولايات المتحدة عن (4%)، وهي أقل بكثير من مثيلتها في عام 2009، حينما بلغت تلك المعدلات (10%). وعلى الرغم من ذلك، بلغت معدلات التوظيف التراكمية (6.6%)، مقارنة بمستويات ما قبل الأزمة. وتظل معدلات التوظيف - أي نسبة التوظيف الكلية مقارنة بالسكان في سن العمل - أقل من مستويات ما قبل الأزمة. وعلى النقيض من ذلك، تتزايد تلك المعدلات في الاقتصادات المتقدمة، مقارنة بما قبل الأزمة، خصوصاً في كل من اليابان وألمانيا.

خامساً: انتهاء الانكماش وازدياد التضخم:

تبدد خطر الانكماش، الذي خيّم لفترة طويلة، خصوصاً في منطقة اليورو واليابان، وبلغت معدلات التضخم (1-2%) في الاقتصادات المتقدمة، وإن تزايدت تلك النسب بطبيعة الحال في معظم أسواق الاقتصادات الصاعدة.

وفي الإطار ذاته، يهول تقرير «التوقعات الاقتصادية السنوية» الصادر في العام الجاري من مخاطر تزايد التضخم، لما يفرضه من تحديات على السياسة النقدية الأميركية، واللجنة الفيدرالية للسوق المفتوحة. فقد بدأ التضخم يأخذ منحنى صاعداً في عام 2017، خصوصاً في شهر مارس، وواجه صعوبة في الانخفاض منذ ذلك الحين، بل ويتوقع تزايده في عام 2018. وهو ما أرجعه التقرير إلى ارتفاع تكاليف اليد العاملة، وأسعار الطاقة، وتحسن الطلب العالمي على النفط، وارتفاع تكاليف المدخلات في جميع أنحاء العالم. فضعف الدولار لن يُسفر عن ارتفاع أسعار الواردات فحسب، بل سيؤدي إلى إحداث آثار تضخمية في الخارج أيضاً.

آفاق الاقتصاد العالمي:

قطع الاقتصاد العالمي أشواطاً طويلة في السنوات العشر الأخيرة، بعد أن حققت الاقتصادات الأكثر تطوراً معدلات نمو مستقرة، وحافظت الصين والهند على معدلات نمو متزايدة وقوية، وتم احتواء مخاطر الانكماش والتضخم. لكن إجمالاً، وعلى الرغم من إحراز تقدم كبير في إصلاح الأسواق المالية، فإن الطبيعة المحدودة وغير المكتملة للإصلاحات الهيكلية في عديد من الاقتصادات تترك المجال مفتوحاً أمام التقلبات المالية والاقتصادية المرتقبة، خصوصاً في ظل ضعف الإنتاجية، ما يمثل تحدياً لنمو الناتج القومي الإجمالي على المدى الطويل.

فتظل الاقتصادات المتقدمة عُرضة لمخاطر التدفقات المالية والنقدية، بجانب الدين العام الذي تزايد بشدة عقب الأزمة المالية العالمية. أما اقتصادات السوق الصاعدة، فتتشارك جميعها في تراجع مستويات الدين العام، وتزايد احتياطيات النقد الأجنبي، وتكييف سياسات للتعامل مع الصدمات الداخلية والخارجية.

لكن على النقيض، تعاني بعض تلك الدول مستويات ضخمة وغير مسبوقة من الديون الأجنبية، ما يجعلها رهناً بالتقلبات النقدية العالمية، كما توقفت الإصلاحات الاقتصادية في مجالات العمل، والإنتاج، والأسواق المالية في بعض الدول، ما يجعلها معرضة لحزمة من الأزمات والضغوط الاقتصادية والجيوسياسية، التي قد تلوح في الأفق مرة ثانية.

واتساقاً مع رؤية الكاتبين، يؤكد التقرير السنوي لبنك التسويات الدولية (Bank for International Settlements) التحسن النسبي والمطرد في الاقتصاد العالمي في السنوات العشر الماضية، متجاوزاً مرحلة الانهيار التي تسببت فيها الأزمة المالية العالمية. غير أن التقرير يتبنى رؤية متفائلة لمآلات الاقتصاد العالمي على خلاف رؤية الكاتبين المتشائمة. فوفقاً للتقرير، تراجعت أسعار الفائدة، وانخفضت معدلات البطالة لتصل إلى أدنى مستوياتها في عدد من الدول. وعليه، يظل السيناريو المركزي المتوقع للاقتصاد العالمي هو نموه. ومن ثَمَّ، وفي ضوء التحسن المطرد، صارت التنمية المستدامة للاقتصاد العالمي ضرورة حتمية.

وعلى النقيض من تلك الرؤية المتفائلة، يتوقع كل من «ستيفن بريسمن»، و«روبرت سكوت» في دراستهما «عشر سنوات بعد الأزمة: العقد الضائع؟»، ركوداً هائلاً لا تقل خطورته عن الكساد الكبير، وذلك بمجرد توقف الاقتصاد الأميركي عن النمو. إذ يشير التاريخ الاقتصادي إلى إمكانية حدوث أزمات اقتصادية ومالية أخرى. ويدلل على ذلك التاريخ الاقتصادي الأميركي الحافل بالأزمات الاقتصادية المتكررة.

وهناك عدد من الأسباب، التي تدعو للقلق بشأن التعافي الأميركي من الأزمة المالية العالمية، يأتي في مقدمتها انخفاض متوسط دخل الأسر، ذلك أن مستوى معيشة الأسر المتوسطة في الولايات المتحدة يبلغ (6.4%)، وهو أقل من مستواه في عام 2007. وﻋﻼوة ﻋﻟﯽ ذﻟك، ترتفع ﻣﺳﺗوﯾﺎت دﯾون اﻷﺳر، مقارنة بمستويات الدخل الحالية.


انتعاشة تدريجية

شهد الاقتصاد العالمي انتعاشة قوية تدريجية في السنوات العشر الأخيرة؛ إلا أن ذلك لا يعدو كونه مرحلةً من الهدوء النسبي، لإجراء الإصلاحات الهيكلية، التي من شأنها إكساب اقتصادات الحكومات الوطنية المناعة ضد الصدمات، وتحقيق معدلات مرتفعة من النمو الاقتصادي، للحيلولة دون تكرار اندلاع الأزمات المالية العالمية، التي يزخر بها النظام الرأسمالي العالمي.

طباعة