نشر صواريخ «إس ـ 300» في سورية يجبر تـل أبيب على تغيـير سلوكـها - الإمارات اليوم

تأثيرها سيكون فورياً في عمليات سلاح الجو الإسرائيلي

نشر صواريخ «إس ـ 300» في سورية يجبر تـل أبيب على تغيـير سلوكـها

صورة

السؤال الذي يطرح نفسه بقوة على الساحة السياسية هذه الأيام هو: هل تستطيع إسرائيل منع روسيا من نشر منظومة الصواريخ المضادة للطائرات الأكثر تقدماً في العالم (إس - 300) في سورية؟. للإجابة على هذا السؤال نسوق أولاً بعض الوقائع التي حدثت في الماضي، ففي أكتوبر 2007، بعد شهر واحد فقط من قصف إسرائيل للمفاعل النووي الذي كان الرئيس السوري، بشار الأسد، ينشئه سراً في شمال شرق سورية، اتصل رئيس الوزراء الإسرائيلي في ذلك الوقت، إيهود أولمرت، بالرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، للحديث معه في هذا الشأن. وكانت وزيرة الخارجية الأميركية في ذلك الوقت، كوندوليزا رايس، ووزير الدفاع الأميركي في ذلك الوقت، روبرت غيتس، في موسكو لإجراء محادثات مع بوتين حول نشر أنظمة الدفاع الصاروخية لحلف شمال الأطلسي (ناتو) في أوروبا الشرقية. كان أولمرت خائفاً من أن كبار المسؤولين الأميركيين سيبلغون بوتين خلال اجتماعهم بآخر المستجدات حول الضربة الإسرائيلية للمفاعل النووي السوري، مثلاً: كيف تم التأكد من المفاعل، وما هي أبعاده بالضبط، ولماذا تم اتخاذ إجراء عسكري ضده؟ كان أولمرت يريد الحديث مع بوتين قبل أن يتحدث إليه الآخرون في هذا الشأن.

عندما التقط بوتين الخط، سأله أولمرت ما إذا كان يمكنه الاجتماع به. وتابع حديثه «من المهم أن نتحدث وجهاً لوجه في أقرب وقت ممكن»، ورد عليه بوتين «تعال غداً». ورد عليه أولمرت بأنه لا يستطيع ذلك، لأن ترتيب رحلة الطيران والتفاصيل الأمنية الضرورية سيكون من المستحيل إنجازها في يوم واحد فقط. وأجابه بوتين بأنه في هذه الحالة عليه الانتظار بضعة أيام أخرى، حتى يعود إلى روسيا من زيارة مقررة له إلى إيران. وحدد الاثنان موعداً معيناً، لكن أولمرت لم ينته بعد من مطالباته، فقد كان يريد الحديث على الهاتف مع بوتين في قضايا أخرى تؤرقه قبل إجرائه محادثاته مع المرشد الأعلى لإيران، آية الله علي خامنئي.

في ذلك الوقت، كانت إسرائيل قلقة للغاية من العلاقة المتنامية بين روسيا وإيران، فقد أعلنت موسكو عن خطط لإمداد إيران بنظام صواريخ أرض-جو المتقدم من طراز «إس -300»، إضافة إلى الوقود اللازم لتنشيط مفاعلها النووي في بوشهر. ويمثل «إس -300» كابوساً لسلاح الجو الإسرائيلي، لأنه يعد أحد أكثر أنظمة الصواريخ المضادة للطائرات متعددة الأهداف تطوراً في العالم، حيث يتمتع بقدرة على تتبع ما يصل إلى 100 هدف في وقت واحد، في حين يتعامل مع ما يصل إلى 12 هدفاً في الوقت نفسه على بعد مئات الكيلومترات.

وقد حذر كبار ضباط سلاح الجو الإسرائيلي من نشر هذا النظام في إيران، لأن ذلك من شأنه أن يقوض أي عملية إسرائيلية مستقبلية محتملة لتدمير المنشآت النووية في إيران، وكانوا يحثون أولمرت على بذل كل ما في وسعه لوقف تسليم نظام «إس -300» لإيران، إلا أن المسؤولين الإسرائيليين الآخرين كانوا أقل قلقاً بعض الشيء، وزعموا أنه إذا تم تسليم «إس-300» لإيران، فإن إسرائيل ستتكيف، وتطور أساليب وتكتيكات جديدة لتحييد هذا النظام أو العمل حوله. وخلال حديثه مع بوتين على الهاتف عشية زيارته لإيران، حاول أولمرت وقف الصفقة. وتحدث رئيس الوزراء الإسرائيلي مع بوتين، قائلاً له إن الدولة التي تملك مثل هذه الأنواع من الصواريخ، ستشعر بالجرأة، وأنها محصنة من الضغوط الدولية، وإن نظام «إس-300» سيكسب إيران الثقة لتصبح أكثر عدوانية تجاه البلدان الأخرى في الشرق الأوسط. وطلب أولمرت من بوتين قائلاً له «لا تقدموا لهم هذه المنظومة». ومع أن بوتين غير ملزم بهذا الطلب، لكنه وعد أولمرت بإعطاء هذه الفكرة بعض التفكير الدقيق.

وقف الصفقة

جرت هذه المحادثة قبل 11 عاماً، في أكتوبر 2007، لكنها في ذلك الوقت نجحت في أهدافها، فمع ضغوط من جانب الولايات المتحدة، نجحت إسرائيل في وقف الصفقة، إلا أن هذا النجاح كان له حدود، فبعد توقيع الاتفاق النووي التاريخي مع إيران في عام 2015، المسمى بـ«خمسة زائد واحد»، رفع بوتين الحظر المفروض على تسليم نظام «إس-300» لإيران، وأعلنت إيران أنها تلقت جميع المكونات التي تحتاجها، وبعد مرور عام، قال الحرس الثوري إن المنظومة تعمل بكامل طاقتها.

فهل هذا يعني أن إسرائيل لن تكون قادرة على مهاجمة إيران إذا شعرت في يوم من الأيام بأن الأمر يحتاج إلى ذلك؟ على الأغلب لا، وفقاً لبعض المصادر الأجنبية، التي ذكرت أن سلاح الجو الإسرائيلي قد تدرب على كيفية التعامل مع الدول التي بحوزتها هذا النظام، وطور طرقاً للتغلب عليه، إضافة إلى ذلك، فإن هذا النظام على الرغم من تهديده المقاتلات، لكنه لا يوفر حماية محكمة 100٪.

هذه قضية مهمة بالنسبة لإسرائيل، بعد أن أعلنت روسيا هذا الأسبوع أنها تخطط لإمداد سورية بنظام «إس ــ 300»، بعد إسقاط طائرة استطلاع روسية الأسبوع الماضي فوق سورية من قبل المضادات الأرضية السورية، بعد وقت قصير من ضرب سلاح الجو الإسرائيلي أهدافاً إيرانية على طول الساحل السوري. واتهمت روسيا إسرائيل باستخدام الطائرة الروسية كحاجز كي لا يكشف الرادار السوري الطائرات الإسرائيلية، ما دفع سورية لإسقاط الطائرة الروسية عن طريق الخطأ. إن ادعاءات إسرائيل بأن طائراتها لم تعد موجودة في المنطقة عندما أطلقت سورية صاروخها لم يكن له تأثير يذكر في موسكو.

وعلى الرغم من أن روسيا قد تستخدم ببساطة إسقاط طائرتها ذريعة لدعم الجيش السوري بأنظمة أسلحة متقدمة، كما هي الحال في قضية إيران، فإن هناك بعض التدابير التي تستطيع إسرائيل فعلها حيال ذلك، لكن المشكلة بالنسبة لها هي أن سورية مختلفة عن إيران. وتتمثل المعضلة الأساسية في قربها من سورية. ففي حين أن نظام «إس ــ 300» في إيران سيشكل مشكلة لسلاح الجو الإسرائيلي فقط إذا خططت إسرائيل لضربة جوية مستقبلية ضد المنشآت النووية الإيرانية، فإن سورية تمثل قصة مختلفة تماماً لسلاح الجو الإسرائيلي. فمع مدى يصل إلى 250 كيلومتراً، يمكن لبطارية من طراز «إس ــ 300» في سورية أن تهدد أي طائرة تقترب من إسرائيل للهبوط في مطار بن غوريون. وفي حين أن من غير المحتمل أن تقدم سورية على إسقاط طائرة مدنية، فإنها ستواجه انتقاماً غير متناسب من إسرائيل إن هي فعلت ذلك، لقد حدثت أمور من هذا القبيل في الماضي، وتعد رحلة الطيران الماليزية 17، التي أسقطت بواسطة صاروخ روسي في شرق أوكرانيا في عام 2014، أحد الأمثلة الحديثة.

سيكون هناك تأثير فوري على نشر منظومة «إس-300» على عمليات سلاح الجو الإسرائيلي المستمرة على سورية في حال إصرار إسرائيل على أن لها الحق في مهاجمة المواقع الإيرانية في سورية، والأسلحة في طريقها إلى «حزب الله» في لبنان، حيث يصر «حزب الله» على أنه سيواصل تهريب الأسلحة. ولكن ماذا ستفعل إسرائيل في المرة المقبلة التي تتلقى فيها معلومات استخبارية حول شحنة أسلحة تتحرك بالقرب من القوات الروسية؟ وهذا من المتوقع أيضاً، وفي هذه الحال سيكون هناك درس في الإذلال على إسرائيل أن تتعلمه.

حرية العمليات

منذ أن بدأت روسيا نشر قواتها العسكرية في سورية في عام 2015، ظلت إسرائيل حريصة في الحديث عن عملياتها عبر الحدود، وسافر رئيس الوزراء، بنيامين نتنياهو، مراراً إلى موسكو لإجراء محادثات مع بوتين، ونجح في إقناع الزعيم الروسي بالسماح لإسرائيل بالاحتفاظ بحرية العمليات في سورية ضد أهداف إيران أو «حزب الله».

وأنشأ الجيش الإسرائيلي والجيش الروسي آلية للتنسيق، وتم إنشاء خط ساخن خاص في مقر القيادة العسكرية في تل أبيب، ليربط الضباط الإسرائيليين مباشرة مع نظرائهم الروس، الذين يتمركزون في اللاذقية. وبالنسبة لمعظم السنوات القليلة الماضية، بدا أن المشكلات يتم حلها بسرعة وفعالية. وفي وقت سابق من الشهر الماضي، أعلن الجيش الإسرائيلي أنه ضرب أكثر من 200 هدف في سورية، وأطلق أكثر من 800 صاروخ وقذيفة هاون عليها في العام ونصف العام الماضي.

خلال معظم السنوات القليلة الماضية، ظلت إسرائيل صامتة عندما يتعلق الأمر بهجومها على سورية، نافية مسؤوليتها عما حدث من ضربات أو إنكار تورطها، ولا تصرح بشيء إلا إذا لم يكن أمامها خيار سوى ذلك، مثل ما حدث عندما تم إسقاط طائرة «إف 16» إسرائيلية بعد ضربها أحد المواقع السورية. أما الآن فإسرائيل مسؤولة عن تنفيذ 200 تفجير في غضون 18 شهراً فقط، وكانت هذه الأخبار مفاجئة. وتعلم روسيا بكل هذه الضربات، لكن إسرائيل لم تعلن عنها رسمياً من قبل، لأن ذلك يمكن تفسيره على أن موسكو ضعيفة، ولا تستطيع حماية الأسد أو المصالح الروسية الخاصة في سورية. فهل أسهم هذا الإعلان الأخير في إثارة الأزمة الحالية؟ من المحتمل، لكن من المؤكد أن إسرائيل ستكون مغلولة الأيدي أكثر مما كانت عليه في الماضي إن هي مضت قدماً في هذا الطريق، وينبغي أن تكون هادئة، لأن الاختبار التالي في سورية سيأتي سريعاً دون شك.

- وجـود بطــارية «إس ــ 300» في سـورية يُمكـِّـنها من تهديد أي طائرة تقترب من إسرائيل للهبـــوط في مطار بن غوريون.

- يمثل «إس - 300»

كابوساً لسلاح الجو

الإسرائيلي، لأنه

يعد أحد أكثر أنظمة

الصواريخ المضادة

للطائرات متعددة

الأهداف تطوراً

في العالم، حيث

يتمتع بقدرة على

تتبع ما يصل إلى 100

هدف في وقت

واحد، في حين

يتعامل مع ما يصل

إلى 12 هدفاً في

الوقت نفسه

على بعد مئات

الكيلومترات.

- خلال معظم السنوات القليلة الماضية، ظلت

إسرائيل صامتة عندما يتعلق الأمر بهجومها

على سورية، نافية مسؤوليتها عما حدث من ضربات،

أو مُنكرة تورطها، ولا تصرح بشيء إلا إذا لم يكن

أمامها خيار سوى ذلك، مثل ما حدث عندما

تم إسقاط طائرة «إف 16» إسرائيلية بعد ضربها

أحد المواقع السورية.

طباعة