تجارب الماضي لا تبشر بمستقبل خالٍ من الصعوبات

إيران تتجه لإعــادة بناء شبكـات تــوفير النقد الأجنبي بعد العقوبات

صورة

يبدو أن إيران ستواجه صعوبات شديدة في الحصول على النقد الأجنبي، في إطار العقوبات الأميركية التي بدأت الحزمة الأولى منها في السابع من أغسطس الماضي، وستصل إلى ذروتها في الرابع من نوفمبر المقبل دون أدنى أمل في أن يتراجع الرئيس الأميركي دونالد ترامب عن فرضها أو تخفيفها. ومن المقرر أن تشمل العقوبات الأميركية الأنشطة الاقتصادية كافة بما فيها النفط، وهو ما سيدفع إيران، على الأرجح، إلى إعادة بناء شبكتها المالية الخفية، التي وفرت لها موارد من النقد الأجنبي لتمويل الاستيراد ومواصلة نشاطها بالشرق الأوسط، سواء من خلال شبكات تهريب النقد عبر الحدود أو على متن الرحلات الجوية، أو الشركات الوهمية، أو عبر شبكات مصرفية، بجانب احتمال استخدام العملات الإلكترونية، ورغم أهمية هذه الشبكات للاقتصاد الإيراني، إلا أنها لن تجنب العملة الإيرانية الضغوط المستمرة التي ستتعرض لها في الفترة المقبلة.

تدهور العملة:

انخفض سعر صرف الريال الإيراني بشدة منذ تطبيق الولايات المتحدة الأميركية الحزمة الأولى من العقوبات على إيران في أغسطس الماضي، حيث تراجعت العملة في السوق غير الرسمية لأكثر من 150 ألف ريال مقابل الدولار الأميركي مقابل قيمتها البالغة نحو 106 آلاف ريال في بداية أغسطس الماضي، ولتزيد في الوقت نفسه الفجوة مع السوق الرسمية، حيث تصل قيمتها حالياً إلى نحو 42 ألف ريال مقابل الدولار الواحد.

ومن المقرر أن تفرض الولايات المتحدة الأميركية عقوبات على كل المعاملات المالية والتجارية لإيران بما فيها النفط، وفي إطار الحزمة الأولى من العقوبات، فرضت وزارة الخزانة عقوبات على تجارة إيران للمعادن والذهب وشراء الدولار وإصدار أو تسهيل إصدار الديون السيادية، بجانب عقوبات أخرى على قطاع السيارات.

أمّا في نوفمبر المقبل، فسوف تشمل العقوبات موانئ الشحن الإيرانية بما فيها شركة الشحن الملاحية، إلى جانب بعض الشركات النفطية، وهي شركة النفط الوطنية وشركة ناقلات إيران وشركة نفط إيران للتجارة، بجانب منع المؤسسات المالية الأجنبية من تقديم الخدمات المالية والمصرفية والتأمينية للمؤسسات الإيرانية كافة. وعلى ضوء هذه العقوبات، يتوقع أن يتضرر الاقتصاد الإيراني بشدة في الفترة المقبلة، ويتزامن ذلك مع انسحاب الشركات الأجنبية من مشروعاتها بالسوق الإيرانية في الأشهر الماضية. ومن المرجح أيضاً أن تنخفض صادرات إيران النفطية لأقل من مليون برميل يومياً مقابل نحو 2.5 مليون برميل في الأشهر الماضية، وهو ما يعني فقدانها لجزء كبير من المصدر الرئيس للنقد الأجنبي، على نحو سيؤدي بلا شك إلى مزيد من تدهور العملة الإيرانية.

وسائل مختلفة:

سوف تدفع العقوبات الأميركية إيران إلى تنشيط وتجديد شبكتها المالية الخفية التي شكلتها في الفترة التي فرضت فيها العقوبات السابقة عليها (2012-2015) كغطاء لتوفير جزء من احتياجات البلاد من النقد الأجنبي، وذلك على النحو التالي:

1- شبكات النقد:

بات من الواضح أخيراً أن السلطات الإيرانية تسهل عمل شبكات تجارة العملات الأجنبية عبر حدودها مع بعض الدول المجاورة، وذلك على غرار ما حدث أثناء فترة تشديد العقوبات السابقة عليها، التي وفرت لها وقتها، بحسب بعض التقديرات، ما لا يقل عن مليار دولار نقداً.

وفي الفترة الأخيرة، نشطت تجارة العملة بالفعل على الحدود الإيرانية- الأفغانية، حيث يعبر المهربون الحاصلون على تأشيرات المرور الإيرانية من خلال المعابر البرية المختلفة على طول الحدود لبيع الدولار للتجار الإيرانيين، مقابل الريال الإيراني بأسعار مغرية تتعدى سعر الصرف الرسمي بالسوق الإيرانية بطبيعة الحال.

ويومياً، يتم تهريب نحو خمسة ملايين دولار عبر حدود البلدين، وفق المتحدث باسم البنك المركزي الأفغاني إيمال هاشور، يضاف إليها سبعة ملايين دولار أخرى من خلال المطارات. وبالمثل، تشير بعض الترجيحات إلى أن إيران في الوقت الراهن تعمل على تنشيط تهريب العملات الأجنبية على طول الحدود مع العراق، وذلك بالتعاون مع الميليشيات الموالية لها التي تشارك في السيطرة على المنافذ الحدودية.

وقد تلجأ إيران إلى نقل العملات الصعبة على متن الرحلات الجوية المتجهة إليها من بعض الدول المجاورة، وهذه الوسيلة استخدمتها بالفعل في السنوات الماضية للالتفاف على العقوبات الدولية، ومثلت لها طريقاً آخر لنقل النقد الأجنبي.

2- شركات وهمية:

لا شك أيضاً في أن الشركات الوهمية سيكون لها دور جوهري في الفترة المقبلة، لتوفير العملات الصعبة لإيران خصوصاً الدولار، وذلك مثلما حدث في السنوات الماضية وفق ما أكدته تقارير لمجلس الأمن الدولي، بأن إيران حصلت على مئات الملايين من الدولارات باستخدام شركات وهمية تنشط في بعض الدول المجاورة لها، وتنسق عملها مع البنك المركزي الإيراني والشركات الإيرانية للحصول على النقد الأجنبي اللازم لتمويل واستيراد السلع. وقد دفع ذلك وزارة الخزانة الأميركية لمراقبة الأنظمة المالية في الدول المجاورة، وبناءً عليه وضعت عدداً كبيراً من الشركات الوهمية في قائمة العقوبات الأميركية، وذلك مثلما حدث عام 2013 عندما تم إدراج 37 شركة في تلك القائمة، اعتبرتها تعمل على مساعدة إيران للالتفاف على العقوبات الدولية المفروضة عليها.

3- شبكات مصرفية:

يتكامل مع الآلية السابقة لجوء إيران إلى استخدام شبكات معقدة من المعاملات المالية والمصرفية خارج حدودها، من أجل إجراء التحويلات المالية اللازمة لتمويل الاستيراد، أو لدعم حلفائها في منطقة الشرق الأوسط، وعلى سبيل المثال، أجرت شركات صرافة وبنوك في العراق ودول أخرى تحويلات مالية تحت غطاء تجاري، لتمويل «فيلق القدس» التابع للحرس الثوري إلى جانب حزب الله، وما كان من الإدارة الأميركية إلا أن وضعت مصرف البلاد الإسلامي العراقي تحت طائلة العقوبات الأميركية في مايو الماضي.

وقد يكون من الصعب الآن أن تجد إيران مرونة كافية في إجراء تحويلات مالية من الحسابات البنكية الخارجية التابعة لها، نظراً إلى تشديد الرقابة الأميركية على النظامين الماليين العالمي والإقليمي، لكن هذا لا ينفي أن إيران قد يكون لديها شركات وهمية وحسابات بنكية غير مكشوفة قد تسهم في إجراء هذه المعاملات.

4- عملات بديلة:

طرحت إيران في الآونة الأخيرة إمكانية استخدام عملات بديلة لإجراء معاملاتها المالية مع الأسواق الدولية، وفي هذا الصدد، تخطط وزارة الاتصالات وتقنية المعلومات، بالتعاون مع البنك المركزي، لتدشين عملة رقمية خاصة بها، متداولة في المصارف من أجل الالتفاف على العقوبات، وربما تشجعها تجربة فنزويلا في هذا المجال، حيث استحدثت في الأشهر الماضية عملة رقمية خاصة بها مدعومة باحتياطيات النفط، وذلك للالتفاف على العقوبات الأميركية المفروضة على قطاع النفط.

وفي الوقت نفسه، تكثف إيران من تحركاتها أخيراً لحث شركائها التجاريين على إجراء التعاملات التجارية معها بالعملات المحلية، وفي هذا السياق تم الاتفاق بالفعل مع الصين على استخدام العملات المحلية للبلدين، بدلاً من الدولار في التبادلات التجارية الثنائية، بحسب ما أعلن وزير الاقتصاد مسعود كرباسيان (الذي سحب مجلس الشورى الإسلامي الثقة منه أخيراً) في يونيو الماضي، كما تتواصل إيران مع تركيا وروسيا لاستخدام العملات المحلية في التجارة أيضاً.

حدود الفاعلية

ليس معلوماً على وجه الدقة كم وفرت إيران من شبكتها المالية الخفية في فترة تشديد العقوبات عليها من قبل المجتمع الدولي، لكنها على أقل تقدير أسهمت في سد جزء ولو ضئيلاً من احتياجاتها من النقد الأجنبي المطلوب للاستيراد أو تمويل نشاطها في الشرق الأوسط. وبالتوازي مع ذلك أيضاً، تبدي أطراف دولية عدة، على غرار روسيا والاتحاد الأوروبي، استعدادها لتفعيل نظام مدفوعات آمن يقوم على المقايضة، لكى تتمكن إيران وشركاتها من إجراء التعاملات التجارية دون التعرض للعقوبات الاقتصادية.

ورغم ذلك، فإن هذه الآليات لن تكون كافية لتفادي آثار العقوبات الأميركية، لا سيما أن إيران لديها احتياجات كبيرة من النقد الأجنبي، سواء اللازمة لتمويل الواردات أو الموازنة العامة، وبينما تبلغ وارداتها أكثر من 50 مليار دولار سنوياً، من المتوقع أن تنخفض إيرادات صادراتها بأكثر من النصف إلى 30 مليار دولار أو أكثر قليلاً، على نحو سيضع عملتها تحت ضغوط مستمرة طوال فترة العقوبات الأميركية المفروضة عليها.


طرحت إيران في الآونة الأخيرة إمكانية استخدام

عملات بديلة لإجراء معاملاتها المالية مع الأسواق

الدولية، وفي هذا الصدد، تخطط وزارة الاتصالات

وتقنية المعلومات، بالتعاون مع البنك المركزي،

لتدشين عملة رقمية خاصة بها، متداولة في

المصارف من أجل الالتفاف على العقوبات.