عمادها استخدام الطائرات بدون طيار

الحرب على الإرهاب لاتزال مستمرة في الصومال

غارات الطائرات بلا طيار أصبحت أكثر الأدوات تأثيراً في مواجهة تنظيم الشباب. أ.ف.ب

في 29 أغسطس الماضي نفذت القوات الأميركية غارتها الـ 21 لهذا العام في الصومال، وأعلنت النشرة الصحافية المقتضبة للقيادة الأميركية في إفريقيا «أفريكوم» عن الغارة على تنظيمي «الشباب الصومالي»، و«القاعدة»، اللذين حاولا إنشاء كيان متطرف لهما في البلد. ولم تحدد النشرة الصحافية نوعية الطائرات المستخدمة، والمواقع التي ضربتها بدقة في الغارة، ولا هويات الذين قتلوا. وكما ادعت النشرات الصحافية السابقة، فقد قالت هذه النشرة إن الغارة لم تقتل أي شخص مدني.

وعلى الرغم من أن حرب الطائرات بدون طيار في الصومال اكتنفتها السرية، فإن عدد الغارات الأميركية في الصومال خلال العام والنصف العام الماضي قد تزايدت بشكل ملحوظ، واستناداً إلى العديد من المحللين والمسؤولين الصوماليين، والعديد من الأشخاص المنشقين عن تنظيم الشباب الصومالي، فان هذه الغارات أصبحت أكثر الأدوات تأثيراً في مواجهة تنظيم الشباب. وأسهمت في إعاقة قدرة الشباب على التواصل في ما بينهم، الأمر الذي أوجد حالة من انعدام الثقة والتشكك بين أفرادها وقيد حركة قيادتها.

وظهرت هذه الزيادة الملحوظة في غارات الطائرات بدون طيار في الصومال، بعد موافقة الرئيس دونالد ترامب على تغييرات في السياسة، وإنهاء حظر مثل هذه الغارات من قبل الرئيس السابق باراك أوباما. وفي مارس 2017 اعتبرت إدارة ترامب أجزاء من الصومال «منطقة أعمال عدوانية فعالة»، بحيث تم تخفيف القيود عن ضربها.

تزايد حرية العمل

وبحلول سبتمبر من العام الماضي، وافقت إدارة ترامب على قواعد استهداف جديدة لغارات الطائرات بدون طيار، أطلق عليها «مبادئ ومعايير وإجراءات»، والتي أدت إلى إلغاء العديد من القيود التي فرضتها إدارة أوباما السابقة، وبعد أن تزايدت حرية وزارة الدفاع الأميركية «البنتاغون» في تنفيذ غارات الطائرات بدون طيار على الصومال، قامت المخابرات المركزية الأميركية بالأمر ذاته، حيث شنت حرب الطائرات بدون طيار على شمال إفريقيا. واستناداً إلى تقرير نشرته صحيفة «نيويورك تايمز» خلال نهاية الأسبوع الماضي، فإن المخابرات المركزية ستنفذ غارات سرية بطائرات بدون طيار في شمال إفريقيا، من قاعدة تم توسيعها في منطقة الصحراء الكبرى الإفريقية وبسلطات واسعة، بعد أن كانت مقيدة سابقاً من قبل إدارة أوباما.

وكانت الغارة التي حدثت في الصومال أخيراً في الجزء الجنوبي الغربي من الدولة، قتلت ثلاثة أشخاص غير محددي الهوية من تنظيم الشباب، حسب «أفريكوم»، لكن فكرة أن القوة الجوية الأميركية ضرورية لمحاربة 5000 من المقاتلين الذي يحملون بنادق روسية قديمة، تبدو مثيرة للدهشة، مع أن القوات المحلية التي يتم تدريبها من قبل خبراء أميركيين ثبت عجزها عن مواجهة نمط متهالك من العمليات البرية التي يقوم بها الشباب.

اهتمام بالمصالح الأميركية

لكن ما الذي يدفع الحكومة القوية في مقديشيو إلى الاهتمام بالمصالح الأميركية؟ على الرغم من أن حرب الولايات المتحدة ضد المتطرفين في شمال إفريقيا حظيت باهتمام الصحافة العام الماضي، فإن الفوضى العارمة التي تضرب الصومال كانت هي مركز الحرب الأميركية ضد الإرهاب، وتعهد تنظيم الشباب بالولاء لـ«القاعدة» عام 2012، وخلال السنوات الأخيرة تم إنشاء قاعدة مشتركة للطرفين في شمال الصومال، ما أثار مخاوف واشنطن من أن هذه القاعدة يمكن أن تصبح مركزاً للإرهابيين الدوليين. وعلى الرغم من مناقشات «البنتاغون» الأميركية الحالية حول التخفيض الكبير في تعداد القوات الأميركية، وتقليل عدد قواعدها في القارة الافريقية، فإن الصومال يظل واحدة ضمن دولتين إفريقيتين ستحتفظ فيهما الولايات المتحدة بوجود عسكري قوي.

وعلى الرغم من أن الضربات الجوية والهجمات البرية يمكن أن تخفف من قدرة الشباب على شن الهجمات، فإن الصومال لا يستطيع ترسيخ الأمن من دون مساعدة إنشاء مؤسسات حكومية مستدامة، ولهذا فإن جهود بناء الدولة ستقودها وزارة الخارجية الأميركية ووكالة التنمية الدولية الأميركية، حيث عملتا على دعم المؤسسات الحكومية المحلية والمجتمع المدني الصومالي، كما أنهما تزودان الخدمات الأساسية مثل التعليم والرعاية الصحية، لكن نظراً إلى أن سلطة وزارة الخارجية الأميركية في تناقص مستمر، فإن إدارة ترامب منحت «البنتاغون» فرصة القيام بدور الريادة في الصومال. وقال الخبير في الشؤون الصومالية في كلية «دافيد صن» الأميركية كين مينخوس «إن غارات الطائرات بدون طيار ربما يكون لها هدف، لكن ليس هناك بديل عن استراتيجية سياسية».

وفي أعقاب كارثة طائرة «بلاك هوك» عام 1993 التي قتل فيها 18 أميركياً وجرح 73 آخرين إثر معركة دموية في مقديشو، قرر صناع السياسة الأميركية عدم الانخراط في تدخل مباشر في الصومال، وعندما جاء الرئيس أوباما إلى الحكم زاد من تعداد القوات الأميركية في الصومال، وكذلك الغارات الجوية أيضاً، لكن حسب «المبادئ والمعايير والإجراءات» تمت زيادة الغارات الجوية على الصومال بطائرات بدون طيار. وقالت أوساط «أفريكوم» إن هذه الغارات استهدفت قادة الشباب الكبار والمتوسطين، وكان أحد أهم القادة الذين قتلتهم الغارات هو أحمد عبد الغودان.

وقال منشقون عن التنظيم ــ طلبوا عدم الكشف عن هويتهم لأسباب أمنية ــ إن استهداف الطائرات للقادة جعل هؤلاء في حالة هستيرية، ويرفضون الاقتراب من الهواتف المحمولة خوفاً من استهدافهم من خلالها. وقال منخوس: «كانت الفكرة أن زيادة الغارات أجبرت الشباب على نشر قيادتهم في أماكن متفرقة، واللامركزية في اتخاذ القرارات».

وعمد قادة الشباب إلى تدعيم إجراءات أمنهم الشخصي، وأصبحوا أكثر تشككاً بالمدنيين الذين يعيشون في مناطقهم، وكثيراً ما كانت تندلع معارك بين أفراد الشباب أنفسهم نتيجة التشكك بأن أحدهم نقل معلومات للأميركيين.

وخوفاً من تناقص أعدادهم نتيجة الإصابات التي تكبدوها، وتزايد عدد المنشقين عنهم، قام الشباب بتجنيد مزيد من المقاتلين، خصوصاً في المناطق التي يتواجد فيها الأميركيون، ففي البصرة وهي قرية صغيرة في وسط الصومال بالقرب من مقديشو، ازداد تعداد تنظيم الشباب من 50 في خريف 2016 إلى 600 بحلول فبراير من العام الجاري.

وفي الوقت ذاته تتغير الأمور في مقديشو نفسها، وعلى الرغم من أنها كانت تعد مدينة خطرة جداً، فإنها عاشت فترات طويلة دون هجمات الشباب، ففي الفترة ما بين أكتوبر الماضي ونهاية فبراير الماضي لم تتعرض المدينة لأي سيارات مفخخة. وتقول «أفريكوم» إن الطائرات الأميركية ضربت في هذه الفترة سيارات مفخخة دخلت المدينة.

ووصف مستشارون للولايات المتحدة والأمم المتحدة في الصومال هذا البلد بأنه من أكثر البيئات المعقدة بالنسبة للجهود الغربية الرامية إلى بناء الدولة، إذ إن الصومال متورط في المشكلات والنزاعات القبلية المتغيرة باستمرار. وأدت الحرب طويلة الأمد مع تنظيم الشباب إلى تشكل اقتصاد جعل بعض النخب الصومالية تستفيد من تدفق المساعدات الأجنبية، ولذلك فإنهم كانوا يعمدون إلى الحفاظ على الوضع الراهن.

كريستينا غولدبوم صحافية حرة مقيمة في شرق إفريقيا


استغلال الجهود

لابد من الإشارة إلى أن جهود بناء الدولة الناجحة في الصومال تتطلب استثمارات أميركية كبيرة، لكن وزارة الخارجية الأميركية ليس لديها القدرة على نشر موظفيها في الصومال، فهم عاجزون أصلاً عن التحرك خارج المنطقة الخضراء في مقديشو، وبناء عليه فإن المسؤولين العسكريين الذين يتنقل العديد منهم إلى داخل الصومال وخارجه كل أربعة أو ستة أشهر، أصبحوا يشكلون وجه الدبلوماسية الأميركية. وفي يوليو الماضي عين الرئيس ترامب دونالد ياماموتو هون، وهو دبلوماسي أميركي مخضرم في إفريقيا، سفيراً في الصومال، الأمر الذي يعد إشارة إلى تجديد التركيز على أهمية القيادة الدبلوماسية ضمن البعثات الدبلوماسية الأميركية.

وقالت نائب مدير «معهد أتلانتك كاونسل» الأميركي برونوين بروتون، إن جهود محاربة الإرهاب الأميركية وبناء الدولة تبدو بلا جدوى في الصومال، إذ ليس هناك من يعرف كيف يستغل الجهود الأميركية لوضع الأمور في نصابها، وإنما كل واحد يريد أن يحل المشكلات حسب رأيه، حيث ينتهي به الأمر إلى إضافة مزيد من التعقيد إلى الأمور. وأضافت بروتون أن الصومال عانى «مزيجاً ساماً» من أسوأ ما في غرائز «البنتاغون» ووزارة الخارجية. وأضافت: «أسوأ غرائز وزارة الخارجية هو تخفيض ميزانية بناء الدولة إلى أدنى حد ممكن، أما أسوأ غرائز البنتاغون فهي فكرة (حلول إفريقية لمشكلات إفريقية)، والتي تعني أن أميركا تريد قتل الأشخاص السيئين في الصومال دون المخاطرة بحياة جنودها».

جهود بناء الدولة الناجحة في الصومال تتطلب استثمارات أميركية كبيرة، لكن وزارة الخارجية الأميركية ليس لديها القدرة على نشر موظفيها في الصومال، فهم عاجزون أصلاً عن التحرك خارج المنطقة الخضراء في مقديشو. وبناء عليه فإن المسؤولين العسكريين الذين يتنقل العديد منهم إلى داخل الصومال وخارجه كل أربعة أو ستة أشهر، أصبحوا يشكلون وجه الدبلوماسية الأميركية.