بتطبيق سيناريو العصا والجزرة بصورة جدية وقوية.. واستغلال الانقسام الفلسطيني

إسرائيل وأميركا تناوران لإفراغ القضية الفلسطينية من مضمونها السياسي

أطفال فلسطينيون يحملون بعضاً من أثاث بيتهم بعد أن دمره الاحتلال في غزة. أ.ف.ب

يبدو أن إسرائيل ترغب في تغيير قواعد اللعبة بصورة كلية في غزة، وبدعم مشروط من إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب ترى إسرائيل فرصة ذهبية لإعادة تعريف ما كان يشكل منذ عقود عدة الأساس القانوني والسياسي لما يعرف بـ«الصراع الفلسطيني الإسرائيلي».

وعلى الرغم من أن السياسة الخارجية للرئيس الأميركي دونالد ترامب غريبة الأطوار، ولا يمكن التنبؤ بها، إلا أن رؤية إدارته في ما يتعلق بإسرائيل وفلسطين تبدو منهجية وثابتة، ويبدو أن هذا التنسيق جزء من رؤية أكبر تهدف إلى تحرير الصراع من قيود القانون الدولي وحتى من رعاية الولايات المتحدة السابقة لعملية السلام.

وفي واقع الأمر، فإن هذه الاستراتيجية الجديدة استهدفت حتى الآن وضعية القدس الشرقية كمدينة فلسطينية محتلة، وحق عودة اللاجئين الفلسطينيين، وهي تهدف إلى إيجاد حقائق جديدة تستطيع إسرائيل من خلالها إنجاز أهدافها الاستراتيجية في حين تجعل الحقوق الفلسطينية مقتصرة على القضايا الإنسانية.

وتستخدم إسرائيل والولايات المتحدة أسلوب التقسيم بين الفصيلين الفلسطينيين «فتح» و«حماس»، وهو أمر لا يدعو إلى الاستغراب، إذ تسيطر حركة فتح على السلطة الفلسطينية، في حين تسيطر «حماس» على قطاع غزة المحاصر. ويجري تطبيق سيناريو العصا والجزرة بصورة جدية وقوية، ولسنوات عدة تلقت «فتح» العديد من الامتيازات المالية والسياسية من واشنطن، في حين أن «حماس» كانت ترزح تحت حصار صارم وحالة حرب طويلة الأمد، ويبدو أن إدارة ترامب وبرعاية كبير مستشاري الرئيس وصهره جاريد كوشنر، قلبت الطاولة.

والسبب الذي غير السلطة الفلسطينية من القيادة المعتدلة والطيّعة التي تخدم الأجندة الأميركية هو أن الرئيس الفلسطيني محمود عباس قرر مقاطعة واشنطن لاعترافها بالقدس الشرقية كعاصمة لإسرائيل، وصحيح أن خضوع عباس تعرض لحالات اختبار في الماضي ونجح فيها، إلا أنه في إدارة ترامب كان المطلوب منه أكثر من طاقته على الخضوع.

وأمّا «حماس» التي تعيش حالة حصار خانق في غزة، فقد أجرت مفاوضات غير مباشرة مع إسرائيل عن طريق مصر، وأسفرت هذه المفاوضات عن هدنة قصيرة الأمد، في حين أنه لم يتم البحث في أمر هدنة طويلة الأمد.

والسؤال المطروح الآن لماذا أصبحت غزة الآن وهي التي كانت معزولة حتى من قبل السلطة الفلسطينية ذاتها، وبصورة مفاجئة، هي الباب الجديد الذي يستخدمه كبار المسؤولين الأميركيين والإسرائيليين لإعادة تنشيط الدبلوماسية في الشرق الأوسط؟ الأمر المثير للسخرية أن غزة لاتزال محاصرة بإحكام هذه الأيام، حيث يغوص القطاع الآن في أزمة إنسانية قاسية، إذ إن شهر أغسطس كان أسوأ الأشهر التي مرت على غزة، وكانت سلسلة من التخفيضات للمساعدات المالية الأميركية استهدفت البنية التحتية الاجتماعية والاقتصادية التي سمحت لغزة بالاستمرار، على الرغم من الفقر المدقع والحصار الاقتصادي المتواصل.

وذكرت مجلة «فورين بوليسي» في 31 أغسطس، أن الإدارة الأميركية تنوي قطع المساعدات عن وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين «أونروا» التي تعرضت حتى الآن لتخفيضات كبيرة من المساعدات الأميركية منذ يناير الماضي، وبات الآن مستقبل المنظمة الدولية على مهب الريح.

وجاءت الأخبار المقلقة بعد أسبوع واحد على ما ذكرته «فورين بوليسي»، حيث قررت الولايات المتحدة قطع جميع المساعدات المخصصة للفلسطينيين هذا العام، التي تقدر بنحو 200 مليون دولار تذهب معظمها لمشروعات تطوير في الضفة الغربية والمساعدات الإنسانية في غزة.

وبناء عليه لماذا تريد الولايات المتحدة خلق أزمة إنسانية كبيرة في غزة، وهو الأمر الذي يتلاءم مع مطالب الحكومة الإسرائيلية اليمينية التي يقودها بنيامين نتنياهو، وفي الوقت ذاته تنخرط في مناقشات تتعلق بالحاجة إلى إنهاء المعاناة الإنسانية في غزة؟

يكمن الجواب في حاجة الولايات المتحدة إلى المراوغة بموضوع المساعدات الفلسطينية لدفعهم إلى تقديم تنازلات سياسية لمصلحة إسرائيل، وقبل أشهر عدة من جولات التفاوض غير المباشر بين «حماس» وإسرائيل برعاية مصرية، كان هناك تغير واضح في المواقف الإسرائيلية والأميركية إزاء مستقبل غزة، وفي 31 يناير قدمت إسرائيل لمؤتمر رفيع المستوى في غزة «خطة المساعدة الإنسانية» لغزة بتكاليف تقدر بمليار دولار، وتركز الخطة على تحلية المياه، والكهرباء والغاز وتطوير المناطق الصناعية المشتركة عند معبر إيريز (بيت حانون) بين غزة وإسرائيل، ومن حيث الجوهر، فإن الخطة الإسرائيلية تعتبر أساس المناقشات المؤدية إلى الهدنة طويلة الأمد المقترحة. وحضر المؤتمر جاريد كوشنر المناط به تنفيذ رؤية ترامب الضبابية، التي أُطلق عليها اسم غير ملائم هو «صفقة القرن» وبعد مرور شهرين على المؤتمر استضاف كوشنر مسؤولين كبار من 19 دولة لمناقشة الأزمة الإنسانية في غزة، ومما لا شك فيه أنه ثمة رابط مشترك بين جميع هذه الأحداث. ومنذ أن قررت الولايات المتحدة تحدي القانون الدولي ونقل سفارتها من تل أبيب إلى القدس الشرقية المحتلة في شهر ديسمبر الماضي، كان هناك بحث عن استراتيجية جديدة تهدف إلى تطويق السلطة الفلسطينية في رام الله.

وفي واقع الأمر، فإن الرئيس الفلسطيني، الذي يعتمد جهازه السياسي برمته على التنسيق الأمني مع إسرائيل، والمساعدات المالية والدعم السياسي الأميركي، لا يملك الكثير من الخيارات التي تمكنه من المساومة.

وربما أن «حماس» تمتلك قدرة سياسية أكبر من السلطة الفلسطينية، نظراً إلى أن اعتمادها على المعسكر الغربي الأميركي الإسرائيلي كان أقل، ولكن نظراً إلى خضوعها لسنوات من الحصار الصارم لسنوات عدة وقع خلالها عدد من الحروب الإسرائيلية المدمرة، تعاني غزة أزمة إنسانية مستمرة.

وعلى الرغم من أن الهدنة المؤقتة بين إسرائيل والفصائل الفلسطينية التي تقودها «حماس» في غزة دخلت حيز التنفيذ في 15 أغسطس، إلا أن الهدنة الطويلة الأمد لاتزال في طور التفاوض. وحسب صحيفة «هآرتس» الإسرائيلية التي أوردت تصريحات مسؤولين إسرائيليين، فإن هذه الهدنة يمكن أن تتضمن وقف إطلاق نار شاملاً، وفتح جميع المعابر الحدودية، وتوسيع المنطقة المسموح للغزيين صيد الأسماك فيها، وإصلاح البنية التحتية الاقتصادية المدمرة في غزة.

وكان رد المسؤولين في السلطة الفلسطينية غاضباً، إذ اتهم أمين سر اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية صائب عريقات «حماس» بأنها تحاول «تدمير المشروع الوطني الفلسطيني»، عندما تقوم بالتفاوض للتوصل إلى اتفاق مع إسرائيل بصورة منفصلة. والمفارقة أن منظمة التحرير الفلسطينية التي تهيمن عليها حركة فتح والسلطة الفلسطينية تفعل تماماً ما قاله عريقات منذ نحو 25 عاماً، ولكن فصل مستقبل غزة عن مستقبل بقية الفلسطينيين يمكن في واقع الأمر أن تسفر عنه نتائج خطيرة جداً.

وبصرف النظر عما إذا كان قد تم إنجاز الهدنة الدائمة بين إسرائيل وغزة التي تقودها «حماس»، فإن الحقيقة المحزنة هي أنه مهما كانت الأوهام التي تساور إسرائيل وواشنطن كبيرة في الوقت الحاضر، فإنها تستند بصورة كاملة إلى استغلال الانقسام الفلسطيني التي تتحمل القيادة الفلسطينية مسؤولية استمراره بشكل كامل.

رمزي بارود : كاتب وصحافي فلسطيني في «كاونتربانش»