بعد عام ونصف العام من دخول ترامب إلى البيت الأبيض

أميركا تطوّر استراتيجية جديـدة لمواجهة خطر إيران

صورة

أعلن وزير الخارجية الأميركي مايك بومبيو، تشكيل «مجموعة عمل إيران» التي يرمز لها بـ«أي جي أيه» في 16 أغسطس الماضي، الأمر الذي يعتبر ابتعاداً جوهرياً عن السياسات الحالية، التي كانت متفرقة، وهذه السياسة ليست تطوراً طبيعياً لرغبة الرئيس الأميركي دونالد ترامب في الانسحاب من الاتفاقية الإيرانية، وإنما كانت مدفوعة من قبل الكونغرس وقانون الترخيص للدفاع الوطني الذي يرمز له بالأحرف التالية «ن د أ أ» الذي تم توقيعه في السادس من أغسطس الماضي.

ويمثل هذا القانون، الذي لم يثر اهتمام كثيرين لدى صدوره في الكونغرس في يوليو الماضي، محاولة أميركا مواجهة العديد من ميزات السياسات الإيرانية في الشرق الأوسط، بما فيها تهديدات الصواريخ الباليستية الإيرانية، ودورها في سورية، والعراق، ولبنان. وكان الكونغرس يهدف من ذلك إلى تقديم الأساس للإدارة كي تقوم بالكثير من الخطوات بما فيها حثها على رسم استراتيجية فعالة. وتشير الفقرة 1237 من قانون «ن د أ أ» إلى أنه «يمكن لوزير الدفاع وبموافقة وزير الخارجية أن يطور استراتيجية مع شركاء أجانب لمواجهة نشاطات إيران المزعزعة للاستقرار»، وهذه اللغة كانت حاضرة في خطاب الوزير بومبيو المتعلق بمجموعة عمل إيران، عندما قال «طهران كانت مسؤولة عن الكثير من أعمال العنف وزعزعة الاستقرار ضد الولايات المتحدة، وضد حلفائنا، وشركائنا، وضد الشعب الإيراني نفسه».

وقام بومبيو بتعيين الموظف في وزارة الخارجية بريان هوك لقيادة وتنسيق الجهود المتعلقة بمجموعة عمل إيران، حيث يدعم قانون «ن د أ أ» عمل بومبيو، وهو يدعو إلى تحديد أي دولة تعمل فيها إيران، وسيتم نقل التقارير إلى الكونغرس بصورة سنوية للاطلاع على مدى التقدم.

وفي اهتمام محدد ركز قانون «ن د أ أ» على التعامل مع دور إيران في العراق بصورة خاصة، وتحاول الفقرة 1234 من القانون حظر تمويل أي مجموعة معروفة بأنها «تابعة لفيلق حرس الثورة الإيرانية»، إذ إن الحرس الثوري وقوات «فيلق القدس» التابعة له التي يقودها الجنرال قاسم سليماني كانت نشطة بصورة متزايدة في المنطقة، وكانت تعمل في العراق من خلال حلفاء تاريخيين مثل رئيس منظمة بدر هادي العامري، ورئيس كتائب حزب الله مهدي المهندس، وكانت وزارة الخزانة الأميركية فرضت عقوبات على المهندس في عام 2009، وتشعر واشنطن بالقلق من أن التمويل الذي تقدمه لتدريب وتجهيز قوات الأمن العراقية يمكن أن يصل إلى قوات الحشد الشعبي أو الميليشيات الشيعية مثل بدر وكتائب «حزب الله».

وتضمنت نسخة مجلس النواب الأميركي من قانون «ن د أ أ» في البداية بنوداً تستهدف «عصائب أهل الحق» وكتائب «حزب الله» وحركة النجباء، إضافة إلى منظمتين من الميليشيات المدعومة إيرانياً في العراق، ويظهر ذلك أن الكونغرس كان مصراً وحريصاً على الدفع باتجاه فرض عقوبات محددة على المجموعات المرتبطة بإيران في العراق.

وتنسجم سياسة الكونغرس الرامية إلى مواجهة إيران مع خطاب بومبيو الذي ألقاه في مارس الماضي حول انسحاب الولايات المتحدة من الاتفاقية النووية الإيرانية، حيث تحدث الوزير عن الكثير من نشاطات إيران في المنطقة التي تريد واشنطن التركيز عليها، وتضمنت جميع القوى الحليفة لإيران. وكان «حزب الله» اللبناني أحدها، حيث هاجمه بومبيو بقوة لكونه يدعم النظام السوري، وثمة حليف آخر لإيران ذكر في قانون «ن د أ أ» وهو ميليشيات الحوثي في اليمن، التي تطلق الصواريخ الباليستية على المملكة العربية السعودية، وفي 22 أغسطس التقى وفد من الحوثيين مع زعيم «حزب الله» حسن نصر الله.

وبالنظر إلى تصريحات بومبيو وقانون «ن د أ أ»، فإن هذا الأخير يمنح مجموعة العمل الخاصة بإيران التي يقودها هوك مزيداً من الأهداف التي تركز عليها، وكان الهدف المركزي هو سورية، لأن هذه الدولة تمثل القطعة الأكثر تعقيداً خلال المواجهة مع إيران. وكان الصراع في اليمن أكثر وضوحاً، وفي لبنان اعتبر «حزب الله» بدوريه السياسي والعسكري تهديداً معروفاً وواضحاً، وكانت المشكلة في إيجاد الطرق المناسبة لمواجهته منذ سنوات عدة، وأما افتقار العراق في التوصل إلى حكومة ائتلاف فإنه يترك مستقبل الدولة في حالة ضياع.

وورثت إدارة ترامب صراعاً مفتوحاً ضد «داعش» في سورية، وهي تنوي الاستمرار فيه شريطة التأكد من أن إيران لن تملأ الفراغ الذي سيخلفه «داعش» خلفها. جاء ذلك، على لسان رئيس القيادة المركزية الأميركية الجنرال جوزيف فوتيل، حيث قال إن الولايات المتحدة تستخدم الآن وسائل «غير مباشرة» لتحجيم نفوذ ايران في سورية، وتتضمن هذه الوسائل دعم القوات المحلية ودعم الحلفاء المحليين. وإضافة إلى ذلك فإن إيران لديها 3000 مقاتل من الحرس الثوري يعملون في سورية، إضافة إلى آلاف من الميليشيات الأخرى مرابطين في 10 قواعد و40 موقعاً آخر.

وكانت وزارة الخارجية الأميركية زادت من وجودها في سورية بأكثر مما تتطلب محاربة تنظيم «داعش»، وكان مستشار الأمن القومي جون بولتون كشف عن مناقشات تمت في إسرائيل لأربعة أيام بدأت في 19 أغسطس. وقال بولتون إن الولايات المتحدة كانت تناقش موضوع سياسة سورية مع موسكو، وركز على أن روسية لم تكن ملتزمة بوجود إيران في سورية، وقالت إنها تفضل مغادرتها هذا البلد.

وقال بولتون إن الولايات المتحدة تعارض محاولة إيران تشكيل «هلال السيطرة الشيعية من إيران فالعراق ومن ثم سورية وصولاً إلى (حزب الله) في لبنان»، وهذا مطلب إسرائيلي أيضاً. وأيد بولتون محاولات إسرائيل منع وصول الأسلحة إلى «حزب الله» عبر سورية من خلال الغارات الجوية التي تقوم بها. وقال إن ايران هي «الممول المركزي للإرهاب الدولي» وإن الولايات المتحدة تريد فرض أقصى أنواع الضغوط على النظام الإيراني لمنعه من الحصول على السلاح النووي، وقال أيضاً إن العقوبات الأميركية تهدف إلى تخفيض صادرات النفط الإيراني إلى أدنى حد ممكن، الأمر الذي سيؤجج التظاهرات الشعبية في هذا البلد.

وبوجه عام، فإنه بعد دعوات قانون «د ن أ أ» إلى وزارة الدفاع لاتخاذ استراتيجية جديدة، وتشكيل مجموعة عمل إيران الجديدة في وزارة الخارجية، والدور الفعال للائتلاف الذي تقوده الولايات المتحدة، وزيارة بولتون لإسرائيل، بدأت تتشكل سياسة واسعة النطاق حول إيران بعد عام ونصف العام من دخول ترامب إلى البيت الأبيض، وهذا كله نتاج عمل فريق بولتون وبومبيو.

ويعتبر وزير الدفاع جيمس ماتيس عنصراً محورياً في هذه السياسة الجديدة، ووصف إيران بأنها «المصدر الرئيس لانعدام الاستقرار في المنطقة»، وقال في مؤتمر صحافي عقده في يوليو الماضي، إنه لم يتغير أي شيء في ما يتعلق بموقف واشنطن من إيران. وأكد أن الحرب ضد «داعش» شاملة. وأضاف أن الولايات المتحدة وحلفاءها في سورية لن يقدموا جيشاً لحفظ النظام، وإنما ستعود الولايات المتحدة إلى جنيف لمتابعة المسار الدبلوماسي.

والسؤال المقبل للولايات المتحدة، الذي يسعى إلى تنسيق الجهود، مفاده: هل يمكن استغلال الوجود الأميركي في شرق سورية لإبعاد إيران عنها؟ إذا حدث ذلك فهل سينقطع نقل الأسلحة إلى «حزب الله»، أو أنه سيستمر تدفقها عبر مطار بيروت أو بوسائل أخرى؟ وأما السؤال الأكبر فهو ما الذي سيحدث في العراق؟ وبصرف النظر عن شكل الحكومة العراقية، فإن تغلغل إيران العميق في البلاد لن يزول، وربما تقوم الميليشيات الشيعية المسلحة بتغيير أماكن وجودها، أو يتم نشرها في أماكن أخرى بيد أنها لن تتخلى عن أسلحتها جميعها، وتملك واشنطن حلفاء آخرين في العراق بمن فيهم الأحزاب الكردية في الشمال، وهي تملك طرقاً عدة للضغط على النظام الإيراني عن طريق تكثيف دعمها للمجموعات المعارضة في إيران. وتمتلك الإدارة الأميركية الحالية الأدوات والدعم المنسق من أطراف أساسية في الحكومة للضغط على طهران.

- الولايات المتحدة تستخدم وسائل «غير مباشرة» لتحجيم نفوذ إيران في سورية.

- بولتون: واشنطن تعارض محاولة طهران تشكيل «الهلال الشيعي من إيران فالعراق إلى سورية ولبنان».