حلفاء الولايات المتحدة شكلوا تحالفات تجارية جديدة تستبعدها

واشنطن تواجه خطر خسارة الشركاء التجاريين بسبب سياسات ترامب الاقتصادية

ترامب جالساً غير مكترث في مواجهة المستشارة الألمانية أنغيلا ميركل ومعها زعماء بريطانيا وفرنسا واليابان. أرشيفية

دائماً ما يروّج الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، أن عهده هو الأفضل اقتصادياً في تاريخ الولايات المتحدة، لا سيما بعد أن وصل نمو الناتج المحلي الإجمالي للربع الثاني من العام الجاري إلى 4.1% بما يخالف توقعات عدد من الخبراء والمحللين الاقتصاديين الذين توقعوا تردي أداء الاقتصاد الأميركي في عهد ترامب.

وعلى الرغم من مؤشرات النمو وانخفاض معدلات البطالة، فإن الاقتصاد الأميركي يواجه تحديات معقدة في ما يتعلق بالنشاط الاقتصادي الخارجي للشركات الأميركية، وتصاعد العجز في الموازنة العامة، وعدم توازن توزيع الأعباء الضريبية على المواطنين، بالإضافة إلى التداعيات الاجتماعية السلبية لتقليص التمويل الذي يتم توجيهه إلى الرعاية الصحية والتعليم والخدمات العامة.

قرارات ترامب الاقتصادية:

تعكس القرارات التي وقّع عليها ترامب منذ توليه رئاسة البيت الأبيض، وفاءه لوعوده التي قدمها خلال حملته الانتخابية، على الرغم من تصاعد الآراء المعارضة لها محليّاً وعالميّاً. وفي ما يلي أبرز هذه القرارات:

1-الحمائية التجارية:

وقّع ترامب أمراً بالانسحاب من المفاوضات الأخرى بشأن الشراكة عبر المحيط الهادئ في يناير 2018، ووعد باستبدالها بسلسلة من الاتفاقيات الثنائية، كما قام في سبتمبر 2017 بإصدار تعليمات لمساعديه بالانسحاب من اتفاقية التجارة الأميركية مع كوريا الجنوبية، كما أعادت إدارته التفاوض على اتفاقية «نافتا» مع كندا والمكسيك في أغسطس 2017، والتي تُعد أكبر اتفاقية تجارية في العالم، وهدد ترامب بالانسحاب منها، وقام بفرض تعريفة بنسبة 35% على الواردات المكسيكية.

كما استمر ترامب في رفع التعريفات الجمركية على عدد من السلع، ففي يناير 2018 فرض العديد من التعريفات الجمركية والحصص على الألواح الشمسية المستوردة والغسالات، كما أعلن في مارس 2018 عن تعريفة بنسبة 25٪ على واردات الصلب و10٪ على الألومنيوم. كذلك أعلن في أبريل 2018 عن فرض رسوم جمركية بنسبة 25٪ على 50 مليار دولار من الإلكترونيات والآلات الصينية المستوردة. كما تريد إدارته من الصين أن تكف عن مطالبة الشركات الأميركية بنقل التكنولوجيا الخاصة بها إلى الشركات الصينية، وردت الصين بعد ساعات، وأعلنت عن تعريفة بنسبة 25٪ على 50 مليار دولار من صادرات الولايات المتحدة إلى الصين، ما ترتب عليه نشوب حرب تجارية داخل الاقتصاد العالمي. وأعلن ترامب في أبريل 2018 عن فرض تعريفة على 100 مليار دولار من الواردات الصينية.

2- الضرائب:

نجح ترامب في تحقيق وعده باعتماد أكبر تخفيض للضرائب، حيث أقر الكونغرس في نهاية ديسمبر 2017 قانون الإصلاح الضريبي الجديد الذي أرسله ترامب، إذ تم تخفيض ضريبة الشركات من 35% إلى 20%، أما عن ضرائب الدخل على الأفراد، فقد وضعت نسبة 10% للفئة التي تتقاضى من 0- 9525 دولاراً، و12% للفئة 9526 – 38 ألفاً و700 دولار، و22% للفئة 38.701-82 ألفاً و500 دولار، ثم 24% للفئة 82.501- 157 ألفاً و500 دولار، و32% للفئة (157.501-200.000) دولار، و35% للفئة 200.001- 500.000 دولار، وأخيراً تم إقرار نسبة 37% للدخول الأعلى من 500.001 دولار.

3- الإنفاق العام:

وفي ما يخص الإنفاق العام، اتخذ ترامب قرارات من شأنها خفضه، فقد خفض التمويل المخصص لإدارة التعليم بمقدار 10.4 مليارات دولار، وقلل ميزانية وزارة الطاقة بمقدار 2.2 مليار دولار. لكنه في المقابل وعد بتنفيذ أكبر خطة إنفاق لتطوير البنية التحتية. من ناحية أخرى، رفع «ترامب» ميزانية السنة المالية 2018 إلى 4.094 تريليونات دولار مقابل 4.037 تريليونات دولار أميركي للسنة المالية 2017.

4- الطاقة:

أعلنت إدارة ترامب في أكتوبر 2017 أنها ستلغي خطة الطاقة النظيفة، ما يترتب عليه إنهاء التزامات الرئيس السابق، باراك أوباما، بشأن انبعاثات الكربون في محطات توليد الطاقة بالولايات المتحدة، ويأتي ذلك بهدف إحياء صناعة الفحم، وهو أحد الأهداف التي تعهد ترامب بتحقيقها أثناء حملته الانتخابية. كما أعلن الانسحاب الأميركي من اتفاقية باريس المناخية في يونيو 2017.

5- الهجرة:

كان ترامب وعد بترحيل ما يراوح بين 2 و3 ملايين مهاجر غير شرعي في الولايات المتحدة، وفي يناير 2017 وجّه أمراً تنفيذياً بحجب الأموال الفيدرالية من «مدن الملاذ الآمن»، ويُقصد بها المدن والإدارات المحلية التي توفر ملاذاً للمهاجرين غير الشرعيين، وتعرقل جهود ترحيلهم، بيد أن محكمة الاستئناف في الولايات المتحدة أمرت بإيقاف هذا القرار في أغسطس 2018 وأعلنت أنه يخالف الدستور.

6- بيئة ممارسة الأعمال:

ذكرت غرفة التجارة الأميركية أن إدارة ترامب أصدرت 29 إجراءً تنفيذياً ضد القيود التنظيمية، وألغت 14 قاعدة تنظيمية من عهد أوباما، من ضمنها تنظيم مكتب حماية أموال المستهلك الذي يسمح للمستهلكين بمقاضاة شركات بطاقات الائتمان، وتسعى إدارته لإلغاء قانون الهواء النظيف وقانون المياه النظيفة.

ووقّع ترامب أمراً تنفيذياً في فبراير 2017 يطلب فيه من وزارة الخزانة الأميركية مراجعة «قانون دود فرانك» الذي كان تم إقراره في عهد أوباما لإصلاح شارع «وول ستريت» ( توجد فيه بورصة نيويورك والكثير من الشركات المالية الأميركية الضخمة) وحماية المستهلكين، وأمر الوكالات بالتخفيف من تطبيق هذه اللوائح. ومن المرجح أنه قد يغير «قاعدة فولكر»، التي تقوم على عدم السماح للبنوك بدخول مضاربات ضخمة قد تهدّد الشركات أو النظام المالي.

تقييم سياسات «ترامب»:

على الرغم من أن الاقتصاد الأميركي حقق أداءً إيجابياً على صعيد بعض المؤشرات، إلا أنه تراجع في جوانب أخرى، وهو ما يمكن الإشارة إليه في ما يلي:

1- النمو الاقتصادي:

ارتفع الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي بمعدل سنوي قدره 4.1% في الربع الثاني من عام 2018، وفقاً للتقديرات الصادرة عن مكتب التحليل الاقتصادي. في حين أنه ارتفع في الربع الأول من العام نفسه بمعدل 2.2%، ومن الجدير بالذكر أن معدل النمو الربع سنوي لم يبلغ هذا المستوى منذ الربع الثالث من عام 2014 حيث وصل إلى نحو 4.8%.

وشدد المكتب على أن هذا التقدير الذي صدر للربع الثاني يستند في مصدره إلى بيانات غير مكتملة، وستخضع لمزيد من المراجعة، ثم يصدر تقدير أكثر دقة في 29 أغسطس 2018، وترجع الزيادة في الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي في الربع الثاني إلى ارتفاع الطلب الكلي، حيث ارتفع الطلب الخاص والطلب على الواردات، والإنفاق الحكومي.

2- سوق العمل:

انخفض معدل البطالة إلى 3.8% في مايو 2018، وهو أدنى مستوى له منذ أبريل 2000، وانخفض معدل «U6» الأوسع الذي يشمل العمال الذين يعملون بدوام جزئي لأسباب اقتصادية بحتة، كما تشير بعض التقديرات إلى أنه نجح في إيجاد نحو 2.06 مليون وظيفة خلال عام 2017، بيد أن جهوده لخدمة الشركات وتسهيل بيئة ممارسة الأعمال لم تحقق الزيادة المرجوة في الدخل الحقيقي للأفراد، الذي انخفض ما بين الربعين الأول والثاني من العام الجاري.

3- القطاع الخارجي:

انخفضت معاملات القطاع الخارجي بشكل عام، وهو ما يعكس خطورة سياسة ترامب الحمائية وخصوماته مع الشركاء التجاريين، كما تراجع الاستثمار الأجنبي المباشر من 146.5 مليار دولار في الربع الأول من عام 2016 إلى 89.7 مليار دولار في الربع الأول من عام 2017، ثم انخفض مجدداً إلى 51.3 مليار دولار في الربع الأول من عام 2018، في حين بلغ إجمالي الإنفاق من قبل المستثمرين الأجانب على شراء أو تأسيس أو توسيع الأعمال التجارية الأميركية 259.6 مليار دولار في عام 2017، وانخفضت المصروفات بنسبة 32٪ بين عامي 2017 و2016.

4- مستوى العجز:

من ناحية أخرى ارتفع عجز الميزان التجاري، وفي يونيو 2018 زاد عجز السلع والخدمات بنسبة 7.2% مقارنة بالفترة نفسها في عام 2017، وتراجع معدل صافي الصادرات بنسبة 0.2% سنويّاً خلال السنوات من 2016-2018. أما الحساب الجاري فقد حقق عجزاً بنسبة 2.4% من الناتج المحلي الإجمالي خلال عامي 2016 و2017، ومن المتوقع أن يرتفع إلى 2.8% عام 2018.

5- المالية العامة:

ترتب على خطة ترامب التي شملت استقطاعات وتخفيضات كبيرة للضرائب بالتوازي مع الإنفاق العام الضخم على البنية التحتية اتساع عجز الميزانية العامة. ففي الأشهر الثمانية الأولى من السنة المالية 2018 بلغ مستوى العجز ما يقدر بنحو 532.2 مليار دولار، مقارنة مع عجز قدره 432.9 مليار دولار في الفترة نفسها من عام 2017.

كما اتخذ مؤشر الدين العام أيضاً أداء سلبياً، حيث تسبب ترامب في إضافة 5.3 تريليونات دولار للدين العام بنهاية عام 2017. ووفقاً لمنظمة التعاون الاقتصادي والتنمية «منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية» الدولية، فإنه من المتوقع أن ترتفع نسبة الدين العام إلى الناتج المحلي الإجمالي من 105.4% عام 2017 إلى 107.1% عام 2018.

تحديات الاقتصاد الأميركي:

ورث ترامب اقتصاداً قوياً من الرئيس السابق أوباما، واهتم بالعمل على تحسين أداء مؤشرات بعينها دون أخرى، فقد انتصر للشركات على حساب الميزانية العامة والمعايير البيئية، كما اهتم بخلق الوظائف أكثر من رفع الأجور، غير أن السمة الأبرز هي حماية الإنتاج المحلي الأميركي من المنافسة الأجنبية، من خلال سياسة الحمائية التجارية، وهو ما ترجم إلى تراجعات في مؤشرات القطاع الخارجي.

وتبقى التحديات أمام ترامب كثيرة خلال المدة الباقية من فترته، حيث يواجه خطر خسارة الشركاء التجاريين، حيث بدأ حلفاء الولايات المتحدة في إنشاء تحالفات تجارية جديدة تستبعد واشنطن، آخرها اتفاقية التجارة الحرة بين الاتحاد الأوروبي واليابان في يوليو 2018، ما يعني إضافة صعوبات جديدة إلى تنافسية المنتجات الأميركية في السوق العالمية. يضاف إلى هذا تحدي تراجع مؤشرات المالية العامة، فقد أثبتت خطة ترامب فشلها في الحد من عجز الميزانية العامة، ولم تفلح التعديلات الضريبية في زيادة الإيرادات العامة، كما أن الدين العام لا يزال في ارتفاع، ما يهدد مستقبلاً بتراجع الثقة في سندات الخزانة الأميركية، وبالتالي قد يحد من قدرة الحكومة على التمويل عبر السندات، ويظل التحدي الأكبر هو تحقيق الرضاء العام، فحقيقة أن الكثيرين قد استحسنوا الأداء الاقتصادي في عهد ترامب، إلا أن ثمة اعتراضات قوية تواجه سياساته المتعلقة باستخدام الطاقة، وتجاه الهجرة بشكل خاص، وهي بالأساس انتقادات حقوقية قد تهدد مستوى الرضاء العام عن خدمات إدارة ترامب.


ترامب ورث اقتصاداً قوياً من الرئيس السابق باراك أوباما، واهتم بالعمل على تحسين أداء مؤشرات بعينها دون أخرى، فقد انتصر للشركات على حساب الميزانية العامة والمعايير البيئية، كما اهتم بخلق الوظائف أكثر من رفع الأجور.

قامت إدارة ترامب بإعادة التفاوض على اتفاقية «نافتا» مع كندا والمكسيك، في أغسطس 2017، التي تُعد أكبر اتفاقية تجارية في العالم، وهدد ترامب بالانسحاب منها، وفرض تعريفة بنسبة 35% على الواردات المكسيكية.

29

إجراءً تنفيذياً ضد القيود التنظيمية، أصدرتها إدارة ترامب وألغت 14 قاعدة تنظيمية من عهد أوباما.