إيران.. تاريخ دموي طويل فــــي الإرهاب والتجسس على أوروبا - الإمارات اليوم

لاتزال تنجو من العقاب في كل مرة يثبت تورطها بجريمة

إيران.. تاريخ دموي طويل فــــي الإرهاب والتجسس على أوروبا

صورة

عملت شبكة النظام الإيراني للتجسس والاغتيالات في أوروبا من دون انقطاع منذ الثورة الإسلامية عام 1979. وقامت الحكومات الأوروبية باعتقال وسجن العديد من الإرهابيين العاملين لإيران، إلا أنها عجزت عن ردع طهران لأنها كانت تقوم بمعاقبة مرتكبي تلك الأعمال فقط، وليس النظام الذي كان يعطي الأوامر لتنفيذها.

وقدم المدّعون العامون الألمان اتهامات بالتآمر للقتل ضد الدبلوماسي الإيراني الذي يعمل لمصلحة وزارة الأمن، أسد الله أسدي. وقام أسدي بتجنيد بعض العملاء لتفجير مؤتمر كان يعقد في باريس، لكن الشرطة تمكنت من اعتقال العملاء قبل التفجير. ويبقى السؤال الآن ما إذا كانت الحكومات الأوروبية ستعتبر إيران مسؤولة عن الحادث، بحيث توضح أنه لن يكون هناك أي تسامح مع الإرهاب الذي ترعاه الدولة، وحتى الآن لم تقطع أي دولة أوروبياً علاقتها مع إيران، أو توقف عقود الأعمال معها.

ويبدو أن أسدي قام بتجنيد بلجيكيين من أصول إيرانية لزراعة القنبلة في تجمع يضم نحو 25 ألف شخص في باريس، نظمته مجموعة معارضة إيرانية في المنفى. واكتشفت الشرطة البلجيكية المنفذَين وبحوزتهما القنبلة والصاعق. وكان من بين المتحدثين في المؤتمر الباريسي، محافظ نيويورك السابق رودلف جيلاني، ورئيس البرلمان الأميركي السابق نيوت غنغريش.

ودفعت خطورة هذه الادعاءات الحكومة النمساوية، التي يعد أسد معتمداً لديها، إلى مطالبة السفير الإيراني في فيينا بـ«رفع الحصانة عن الدبلوماسيين الإيرانيين» وبعد ذلك بفترة قصيرة أعلنت هولندا أنها طردت دبلوماسيين إيرانيين لأسباب لم تفصح عنها.

ومن المحتمل أن مثل هذه الخطوات الصغيرة لن تؤثر في حسابات إيران، عندما ستصدر أوامرها بالقيام بالهجوم التالي. وبالمقارنة، إذ هددت حكومات الاتحاد الأوروبي بفرض عقوبات على إيران في هذا الوقت، الذي يعاني اقتصادها صعوبات قاسية، فإن طهران يمكن أن تعيد النظر في استراتيجيتها.

وعلى الرغم من أن هجوم باريس الفاشل هو أحد أكثر الأمثلة وقاحة لجريمة الإرهاب الإيراني، في القارة الأوروبية خلال الأعوام الأخيرة، إلا أن الحكومات الأوروبية ذكرت العديد من الأنشطة غير المشروعة التي قامت بها إيران. وفي أكتوبر 2017، أرسل وزراء الدفاع والخارجية والتجارة، رسالة إلى برلمان بلدهم تنص على أن «التقنيات الهولندية يتم استخدامها في برامج أسلحة التدمير الشامل، إضافة إلى الصواريخ في كل من إيران وباكستان وسورية.

وفي مارس2017، أصدرت محكمة ألمانية في برلين حكماً بالسجن لمدة أربع سنوات على سيد نقفي، باكستاني الجنسية، بتهمة التجسس لمصلحة وكالة الأمن الإيرانية ضد ألمانيا وأعضاء آخرين في حلف «الناتو»، وتعتبر السلطات الألمانية أن أفعال سيد نقفي كانت «مؤشراً واضحاً إلى محاولة اغتيال»، وقبل اعتقاله تجسس سيد نقفي على البروفسور الإسرائيلي من أصول فرنسية، ديفيد راوخ، المتخصص في الأعمال والتجارة، كما أنه قام بمراقبة منظمات يهودية مؤيدة لإسرائيل في ألمانيا.

تحقيقات جنائية

وتعكس عمليات التجسس ومحاولات الاغتيال، التي تمت العام الماضي، ما حدث أيضاً في العقد الماضي. وفي الفترة بين 2007 و2017 واستناداً إلى تقرير الحكومة الألمانية، قامت السلطات بتحقيقات جنائية في 22 حالة تجسس إيرانية. وخلال الفترة ذاتها، تم التحقيق في 27 نشاط تجسس روسي.

ويوضح أحد أكثر الهجمات الإيرانية فتكاً في ألمانيا كيف أن طهران كانت تنجو من الحساب، ففي عام 1992 أمرت الحكومة الإيرانية بإعدام المنشقين الأكراد في مطعم ميكوونوس اليوناني في ألمانيا، واعتبرت إحدى المحاكم الألمانية أن النظام الإيراني كان مسؤولاً عن مقتل ثلاثة من قادة الأكراد الإيرانيين ومترجمهم. وأعلن القاضي، فريثيوف كوبش، في ختام المحاكمة أن «القيادة الإيرانية أمرت بارتكاب هذه الجريمة»، مضيفاً: «لقد اتخذتْ قراراً بإسكات صوت مزعج بالنسبة لها، وهذه تصفية رسمية صدر أمر بها من دون أمر محكمة».

وألقى المدعي العام في برلين باللائمة، حينها، على عاتق الرئيس الإيراني آنذاك، علي أكبر هاشمي رفسنجاني، والقائد الأعلى علي خامنئي. وفي الفترة بين 1979 و1994 حاولت إيران، حسب ما ذكرته وكالة المخابرات المركزية الأميركية، اغتيال نحو 60 شخصاً في أوروبا، بمن فيهم أشخاص عديدون في ألمانيا. ومع ذلك اقتصرت ردة فعل برلين على استدعاء سفيرها في طهران للتشاور، وطردت أربعة دبلوماسيين إيرانيين. وقامت إيران بالرد على ذلك بالمثل.

وأفرجت المستشارة الألمانية، أنغيلا ميركل، عن قتلة مطعم ميكوونوس عام 2007، على الرغم من أنهم تلقوا عقوبة السجن مدى الحياة، ولدى عودتهم إلى ديارهم تم الترحيب بهم من قبل كبار مسؤولي وزارة الخارجية. وقدم النظام جوائز مالية، وسيارات مرسيدس لآخرين كانوا قد شاركوا في الجريمة لكنهم هربوا قبل اعتقالهم. وفي تلك الفترة قامت دول أوروبية عدة بقطع علاقاتها الدبلوماسية مع إيران، ولكنها سرعان ما استأنفت هذه العلاقات بعد بضعة أشهر. ويبدو أن ألمانيا لم تتابع مذكرة الاعتقال الدولية التي أصدرتها، والتي لاتزال قائمة حتى الآن، بحق وزير المخابرات آنذاك، علي فلاحيان، لأنه أمر بتنفيذ الهجوم.

وبعد المؤامرة الأخيرة التي هدفت إيران من ورائها تفجير مؤتمر المعارضة الإيرانية في باريس، علق مسؤول فرنسي قائلاً «إذا كانت إيران تستطيع التخطيط للتفجير في فرنسا، فإنها قادرة على تنفيذ هجماتها في أي مكان بالعالم»، وفي حقيقة الأمر فإن إيران تقوم بهجماتها غالباً وبحصانة مطلقة.

استرضاء إيران

وشاركت النمسا أيضاً في استرضاء إيران والتزلف لها بصورة مماثلة لما قامت به ألمانيا، ففي عام 1989 قام عملاء المخابرات الإيرانية في فيينا بقتل القائد الكردي المعارض، عبدالرحمن قاسملو. وعلى الرغم من وجود أدلة واضحة تقود إلى السفارة الإيرانية، إلا أن النمسا أطلقت سراح المتهم بالاغتيال، الذي نفذ جريمته التي جاءت في أعقاب صفقة أسلحة اشترتها إيران من النمسا.

وإثر المحاولة الإيرانية الجديدة لتفجير قنبلة في باريس، اغتنمت النمسا أفضل فرصها لإرسال رسالة إلى طهران، فبعد ثلاثة أيام من إطلاق سراح أسدي، رحب قادة النمسا بالرئيس، حسن روحاني، في فيينا، وبدلاً من إلغاء زيارة الرجل رحبوا به بحفاوة بحضور حرس الشرف، وإضافة إلى ذلك قدمت غرفة تجارة النمسا منبراً لروحاني لتعزيز العلاقات التجارية بين البلدين.

وإذا بقيت الحال هكذا، فإن إيران ستنفذ مزيداً من الاغتيالات على أراضي أوروبا، إذ لابد أن تكون مؤامرة التفجير الإيرانية الأخيرة إشارة تنبيه تدفع أوروبا نحو سد خلافاتها مع الولايات المتحدة، والعمل على تصعيد حملة ضغط دولية شاملة تجبر إيران على إغلاق شبكاتها المتخصصة في الإرهاب والتجسس والاغتيالات.

توبي درشوفيتز محامٍ أميركي وضالع في الدفاع عن الحقوق المدنية


خلال الفترة بين 2007 و2017، واستناداً إلى تقرير الحكومة الألمانية، قامت السلطات بتحقيقات جنائية في 22 حالة تجسس إيرانية، وخلال الفترة ذاتها تم التحقيق في 27 نشاط تجسس روسي. إثر المحاولة الإيرانية الجديدة لتفجير قنبلة في باريس،

اغتنمت النمسا أفضل فرصها لإرسال رسالة إلى طهران، فبعد ثلاثة أيام من إطلاق سراح أسدي، رحّب قادة النمسا بالرئيس، حسن روحاني، في فيينا، وبدلاً من إلغاء زيارة الرجل رحبوا به بحفاوة بحضور حرس الشرف.

طباعة