المسرح السياسي الأوروبي يتجه إلى معركة عنيــفة حول منطقة اليورو نتيجة الأزمة الإيطالية

صورة

طوال نحو خمس سنوات، ظلت القوة الشعبوية الإيطالية الجبارة في حالة تصادم مع الهدف الثابت للمؤسسة السياسية والبيروقراطية، والمالية والصناعية في الدولة. لكن الآن تقلصت احتمالات خوض الجولة التالية من المنافسة، خلال الانتخابات البرلمانية المقبلة، التي ربما ستتم في أكتوبر المقبل. لكن يبدو أن ساحة المعركة ستكون في عضوية إيطاليا بعملية اليورو.

وفي شتى أنحاء أوروبا، تساور الكثير من السياسيين والمصرفيين المؤيدين للاتحاد الأوروبي الشكوك بأن منطقة اليورو، المؤلفة من 19 دولة، هي اتحاد مالي غير مكتمل، ستنكشف هشاشته بلا رحمة في أزمة مالية أخرى. ويتعامل هؤلاء المخططون الاستراتيجيون مع الأزمة الدستورية والسياسية الإيطالية بخوف. وستكون مخاطر الإصلاح المشتركة التي يعتقد أنها ضرورية لحماية منطقة اليورو ضد الاضطرابات المستقبلية (على شاكلة التغييرات التي طرحها الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون) خارج جدول الأعمال، طالما أن شبح التجربة الاقتصادية الراديكالية يطارد إيطاليا.

وستنكمش ألمانيا وحكومات أخرى في منطقة اليورو جراء تجميع مزيد من الموارد كاحتياطٍ، وسلطة اتخاذ القرار في الاتحاد التي أصبح فيها ثالث أكبر عضو «إيطاليا» يرزح تحت نفوذ القوى السياسية المعارضة للسياسة الاقتصادية والمالية المتشددة للاتحاد. ويمكن القول إن ألمانيا وحلفاءها لم يكونوا متحمسين في البداية للمشاركة في إصلاحات تنطوي على مخاطر أكبر، بيد أن الاضطراب الذي تعيشه إيطاليا جعل تلك الدول تتحرك، لكن بشكل تقدم فيه أقل قدر ممكن من التنازلات. وخلال النقاش حول إصلاح منطقة اليورو، كان ماكرون يغني خارج السرب.

وإذا عادت إيطاليا إلى الانتخابات، فلن يكون هناك أحد أكثر سعادة من حزب حركة الخمس نجوم المعادي للمؤسسة الحاكمة، وحزب الرابطة اليميني المتطرف المعاديين للهجرة. اللذين يشعران بأنهما يعيشان نشوة النجاح، فقد حقق الحزبان الانتصار في انتخابات 4 مارس البرلمانية، كما أنهما لايزالان يحققان نتائج مبهرة في استطلاعات الرأي.

وإضافة إلى ذلك، تشير الاستبيانات إلى أن معظم الشعب الإيطالي العادي، بمن فيهم العديد من الذين لم يصوتوا لحزب الخمس نجوم والرابطة، يعتقدون أن الحزبين يستحقان فرصة الوصول إلى السلطة. وفي نهاية المطاف، فإنهما يشكلان معاً أغلبية المقاعد في غرفتي البرلمان.

ولكن في الوقت الحالي، ثمة رفض لمنح الحزبين المتمردين الفرصة لحكم إيطاليا. ورفض يوم الأحد الماضي الرئيس الإيطالي سيرجيو ماتاريلا، تعيين باولو سافونا مرشح الحزبين لمنصب وزير المالية البالغ عمره 81 عاماً. وقبل بضعة أيام عين رئيس الدولة المدير السابق لصندوق النقد الدولي، كارلو كوتاريلي، وهو غير حزبي كرئيس مؤقت للحكومة. وكما كانت الحال لدى المدن الإيطالية التي كانت تحاصر في العصور الوسطى، فإن المؤسسة السياسية تدعم دفاعاتها ضد القوى المعادية لها والتي تجمعت لمحاصرتها.

ويرى ماتاريلا أن سلطات الرئاسة، وإن كانت محدودة بموجب الدستور الإيطالي، إلا أنها تتضمن التزاماً لحماية مكانة الدولة في منطقة اليورو. وهو يبرر رفضه لسافونا على أساس أن هذا الاقتصادي الثمانيني، ربما يكون قد اتخذ خطوة غير تقليدية يعرض بها عضوية إيطالية في اليورو للخطر. وسواء كان ماتاريلا يقف على أرض صلبة قانونياً أم لا، تبقى الحقيقة الماثلة أنه ليس هناك رئيس سابق للدولة في إيطاليا منذ ما بعد الحرب العالمية الثانية، استخدم سلطاته بهذا الشكل للتدخل في تشكيل حكومة. وهذا ما يجعل ماتاريلا ضعيفاً أمام التهمة الموجهة ضده، بأنه يعيق إرادة الأحزاب التي فازت بانتخابات حرة في مارس. وهي تثير احتمال أن يعمد حزبا الخمس نجوم والرابطة إلى تحويل الانتخابات إلى خيار وجودي بالنسبة لإيطاليا.

وهي من ناحية ستكون سيادة شعبية وتقرير مصير وطني، ومبادئ قوية للإيطاليين منذ الوحدة الإيطالية في القرن التاسع عشر. ومن ناحية أخرى ستكون بروكسل وبرلين وفرانكفورت، وأتباعها المفترضون في المؤسسة الحاكمة الإيطالية هم الذين يواجهون تهمة المسؤولية عن قيادة ربع قرن من الضعف السياسي والانحدار الاقتصادي. وإذا قيض لهذا السيناريو أن يحدث فإنه سيتحول، بطريقة أو بأخرى، إلى قتال حتى الموت.