يبتكرون طرقاً سلمية في مقاومة الجنود المنتشرين على السياج الحدودي

شباب «مسيرات العودة» أيقونة النضال السلمي لمواجهة إسرائـيل

صورة

في مشهد يعيد إلى الذاكرة انتفاضة الحجارة الأولى وانتفاضة الأقصى الثانية، يوجد الشباب الغزي من كلا الجنسين على حدود قطاع غزة يومياً، للمشاركة في مسيرات العودة، إلى جانب المئات من كبار السن والأطفال والنساء، فعلى طول الشريط الحدودي بين غزة والجانب الإسرائيلي تبدو ملامح المشهد مغايرة تماماً للواقع السياسي، فبينما فشل طرفا الانقسام الفلسطيني في تحقيق المصالحة، نجح الشباب في تصدر أحداث تلك المسيرات تخطيطاً وتفكيراً.

• كتيبة الكوشوك كانت تتكون من مجموعات متعددة في مناطق غزة من الشمال إلى الجنوب، وكانت مهامها تتوزع على جمع الإطارات المستعملة، من ورش إصلاح السيارات والأسواق، وهناك عدد آخر كانت مهمته نقلها بواسطة العربات و«التوك توك» إلى الحدود، فيما كانت مهمة نقل الإطارات إلى أقرب نقطة إلى الحدود وإشعالها، من اختصاص مجموعة الدعم والإسناد في الكتيبة.

• شباب السوشيال ميديا

مشاركة الشباب الغزّي من كلا الجنسين في تظاهرات مسيرة العودة تاخذ أشكالاً عدة، جميعها تؤدي إلى الهدف ذاته، فبينما يوجد الشباب على الخطوط الأمامية للحدود يتصدون بصدورهم العارية للقناصة الإسرائيليين، هناك من يقف خلفهم ليوصل صوتهم وصورتهم إلى العالم عبر وسائل التواصل الاجتماعي المختلفة.

وائل أبوعمر (30 عاماً)، إعلامي وناشط شبابي من غزة، كان له دور كبير في دعوة الشباب للمشاركة في «مسيرات العودة» وحثهم على التظاهر السلمي على الحدود الشرقية لغزة، للمطالبة بحق العودة، ونشر الأحداث لحظة بلحظة عبر مواقع التواصل الاجتماعي للتفاعل معها.

يقول الناشط الإعلامي والشبابي لـ«الإمارات اليوم: «كان دوري، عبر مواقع التواصل الاجتماعي، دعوة المتابعين، وتحفيز الشباب للمشاركة في فعاليات مسيرة العودة، وحثهم على المطالبة بحق العودة إلى أراضيهم المحتلة بشكل سلمي، كونها وسيلة مهمة في هذه المرحلة لإثبات حقنا في هذه الأرض، ولتفويت الفرصة على العدو الإسرائيلي الذي ينعت الغزيين بالإرهاب».

ويشير إلى أنه يوثق في كل لحظة الجرائم الإسرائيلية التي يرتكبها الجنود على الشريط الحدودي الشرقي، إذ ينشر على كل منصات التواصل الاجتماعي الصور التي يصورها الصحافيون، أو تلك الصور التي يلتقطها بعدسة هاتفه المحمول خلال وجوده في مسيرات العودة، والتي تكشف عن استهداف المتظاهرين السلميين بقنابل الغاز ورصاص القناصة.

ويؤكد أبوعمر أن مشاركته في مسيرات العودة هي من أجل رفع الأعلام الفلسطينية في مخيمات العودة، لتكون راية فلسطين هي الوحيدة التي تمثل الشعب الفلسطيني.

الشابة حنان عياد تتبع النهج ذاته للشاب أبوعمر، ولكن من خلال وجودها الدائم على الشريط الحدودي، إذ تشارك المتظاهرين في رفع الأعلام الفلسطينية، وتلتقط صوراً للمتظاهرين والممارسات التي يتعرضون لها، لتنشرها عبر منصات التواصل الاجتماعي.

فقد تسلحت الشابة عياد بكل الإمكانات اللازمة للتصوير، والنشر عبر مواقع التوصل الاجتماعي، فاشتركت في حزمة انترنت على هاتفها المحمول، وأحضرت بطاريات إضافية ليبقى هاتفها داخل نطاق الخدمة طوال ساعات وجودها في مناطق المواجهة على الشريط الحدودي الشرقي.

كما تنشر الشابة حنان وسائل وأفكاراً يستخدمها المتظاهرون بشكل سلمي، ليقوا أنفسهم من قنابل الغاز ورصاص القناصة، ومنها استخدام أدوات بسيطة للوقاية من الغاز المسيل للدموع، وارتداء الملابس السوداء، وتغطية وجوههم بالأقنعة والكوفيات، حتى لا يكونوا هدفاً لقناصة الاحتلال وقتلهم بدم بارد، فالجنود الإسرائيليون يستخدمون تقنية جديدة لتحديد وجوه الأشخاص المتظاهرين وقنصهم.

ومنذ يوم الجمعة 30 مارس الماضي، شكلت فعاليات مسيرة العودة، التي تستمر حتى 15 مايو المقبل، في ذكرى النكبة السبعين، نقطة مهمة في تاريخ مواجهة إسرائيل، إذ بدأت الفعاليات بإقامة الشباب خيام اعتصام في خمس مناطق قرب الشريط الحدودي لغزة، للمطالبة بحق العودة إلى بلداتهم التي هجّروا منها عام 1948، فيما طرحوا العديد من الأفكار والمبادرات الشعبية السلمية، التي تهدف الى منع سقوط مزيد من القتلى والجرحى على يد قناصة الاحتلال.

أساليب سلمية

من الأساليب التي استخدمها الشبان في تظاهراتهم السلمية، جمع المرايا، بهدف استخدامها في عكس أشعة الشمس باتجاه جنود الاحتلال للتأثير في رؤيتهم، ومنع استهدافهم للمتظاهرين، فيما لجأ الشبان إلى جمع إطارات السيارات المستعملة لإشعالها، والحصول على نتيجة المرايا ذاتها.

الشاب نظمي السوافيري كان يسابق الزمن، هو وعدد من الشبان، لجمع أكبر عدد من الإطارات المطاطية المستعملة، لإشعالها على طول الشريط الحدودي مع الجانب الإسرائيلي في تظاهرة تدشن الجمعة الثانية، التي أطلق عليها «جمعة الكوشوك»، وفي الأسبوع الثالث لمسيرات العودة التي سميت بـ«جمعة رفع العلم الفلسطيني». بذل نظمي أقصى جهده، هو وعدد من رفاقه، بحياكة الآلاف من الأعلام، ونقلها إلى الحدود استعداداً لرفعها على طول السياج الحدودي الفاصل مع إسرائيل.

ويقول نظمي، الذي يتبرع مع عدد من الشبان في كتيبة أطلق عليها كتيبة «الكوشوك»، والتي كانت مهمتها جمع إطارات السيارات وإشعالها، معلقاً «جمعت أنا ومئات الشباب في كل مناطق غزة أكثر من 10 آلاف إطار مستعمل، وتم حرقها على طول الشريط الحدودي، فنحن لم نلوث البيئة، كما قالت إسرائيل، فهم أراقوا دماءنا وسيطروا على أرضنا، وحرقوا الأجساد ودمروا المنازل وحرقوا الدونمات الزراعية، ولم يدّعِ أحد بأنها مضرة للإنسان والبيئة والحيوان».

ويضيف أن «الإطارات كانت وسيلتنا في إطار سلمية التظاهرات، لندافع عن أنفسنا أمام مئات الجنود والقناصة، الذين يتربصون لنا على الحدود، فالهدف من إشعال الإطارات تكوين طبقات سوداء كثيفة تحجب الرؤية أمام القناصة، وتحد من سقوط العديد من الإصابات والشهداء».

ويشير إلى أن كتيبة الكوشوك كانت تتكون من مجموعات متعددة في مناطق غزة من الشمال إلى الجنوب، وكانت مهامها تتوزع على جمع الإطارات المستعملة، من ورش إصلاح السيارات والأسواق، وهناك عدد آخر كانت مهمته نقلها بواسطة العربات و«التوك توك» إلى الحدود، فيما كانت مهمة نقل الإطارات إلى أقرب نقطة إلى الحدود وإشعالها، من اختصاص مجموعة الدعم والإسناد في الكتيبة.

مُسعفة على السياج

الشابة رزان النجار (20 عاماً) توجد يومياً على طول الشريط الحدودي الشرقي بين غزة والجانب الإسرائيلي في مناطق متفرقة من بيت حانون شمالاً، إلى خزاعة في خان يونس جنوباً، ليس للتظاهر، وإنما للمشاركة متطوعة في فرق الإسعاف والطوارئ، لعلاج المتظاهرين الذين تستهدفهم القوات الإسرائيلية بالرصاص الحي وقنابل الغاز، وتقديم الإسعافات الأولية لهم قبل نقلهم إلى المستشفيات لتلقي العلاج اللازم، فهي تعمل ذلك انطلاقاً من مسؤوليتها الاجتماعية تجاه أبناء شعبها والوقوف بجانبهم.

وتعد الفتاة العشرينية، التي تدرس بكالوريوس تمريض في غزة، الوحيدة التي تتطوع لإنقاذ المصابين في المسيرات السلمية؛ لكنها أصرت على المشاركة لإنقاذ أبناء شعبها، ضاربة كلام الناس والنظرة المجتمعية عرض الحائط، فتسلحت بمعداتها الطبية، واجتازت نقطة الصفر للشريط الحدودي، دون أن تلقي بالاً لما سمعته من عبارات مُثبّطة: «كيف تركضين بين الرجال؟».

وتقول المسعفة المتطوعة لـ«الإمارات اليوم»، خلال وجودها في إحدى الخيام المخصصة لطواقم الإسعاف على الحدود الشرقية في منطقة خزاعة: «إن مشاركتي متطوعة في فرق الإسعاف والطوارئ كان قراراً شخصياً نابعاً من داخلي، لأقدم ما يمكن تقديمه لوطني، ولأعالج أبناء شعبي، فأنا أمتلك روحاً مغامرة، وبطبعي جريئة لا أخاف، وهذا أساس مهنتي، فلابد من التعامل مع مشهد الدماء وأصعب الإصابات والجروح».

وتضيف «يوم الجمعة 30 مارس، وهي الجمعة الأولى لمسيرات العودة، حملت المعدات الطبية، وتوجهت إلى المنطقة الحدودية في خزاعة في الساعة السابعة صباحاً، فكنت في مرمى النيران لأقدم الإسعافات الأولية للمصابين، وتعرضت لإطلاق النار ثلاث مرات، ولكن عناية الله حالت دون إصابتي».

وتشير إلى أن مهمتها في إسعاف الجرحى لم تكن صعبة بالنسبة لها، ولكن الأصعب إسعاف من سقطوا في المنطقة الخطرة الأقرب لقناصة الاحتلال، والتي تسمى نقطة الصفر، حيث لا يستطيع أي مسعف الوصول إليها.

ومع ذلك، تجرأت الشابة رزان النجار وركضت لإسعاف ثلاثة شبان سقطوا خلال المواجهات، ونجحت في ذلك، رغم محاولات منعها من زملائها خوفاً على حياتها، فتمكنت من الوصول إليهم وعلاجهم، وسط كثافة الأعيرة النارية التي يطلقها الجنود الإسرائيليون.

ورغم خطورة الأحداث على الشريط الحدودي، وسقوط آلاف المصابين وعشرات الشهداء، إلا أن الشابة النجار مازالت توجد بشكل يومي على الشريط الحدودي في أماكن وجود المتظاهرين، وتستمر بعملها من الساعة السابعة صباحاً، حتى غروب الشمس، فتتلطخ ملابسها الطبية بدماء الجرحى، إضافة إلى تعرضها للاختناق بفعل قنابل الغاز التي يلقيها جنود الاحتلال على المتظاهرين.