«داخلية الاحتلال» تماطل منذ 5 سنوات في تسمية شوارع المدينة بأسماء عربية

«أم الفحم».. 60 ألف فلسطيني يقطــنون في أحياء بلا أسماء وعناوين

صورة

القادم إلى مدينة «أم الفحم» لا يمكنه أن يتعرف إلى مكان أو عنوان ما، ينوي الوصول إليه، فهذه المهمة تكون شبه مستحيلة في مدينة يسكنها 60 ألف نسمة يعيشون في أحياء لا عناوين لها، وشوارع بلا أسماء خاصة بها.

أوصاف معقّدة

من بين الأزمات التي يواجهها أهالي «أم الفحم»، الاضطرار إلى استخدام أوصاف معقّدة للتدليل على عناوين منازلهم أو محالّهم التجارية، كقربها من مسجد ما أو متجر كبير، الأمر الذي يخلق صعوبات لزوار المدينة من القرى المجاورة، كون «أم الفحم» من كبريات مدن الداخل، إضافة إلى أنها تُعد مركزاً تجارياً مهماً لأهالي القرى العربية المحيطة بها، الذين يقصدونها بشكل يومي.

تلك هي الصورة في مدينة «أم الفحم»، كبرى المدن الفلسطينية في الداخل المحتل أو ما يعرف بالخط الأخضر منذ خمس سنوات مضت، إذ تعرقل السلطات الإسرائيلية تسمية الشوارع في مدينة «أم الفحم»، ويعود السبب إلى اعتراض وزارة الداخلية الإسرائيلية على إطلاق أسماء علماء ومشاهير وقادة عرب ومسلمين على الشوارع.

وأبلغت وزارة الداخلية الإسرائيلية بلدية «أم الفحم» التي يديرها فلسطينيون في نهاية فبراير الماضي، رفضها بشكل نهائي مشروع تسمية الشوارع الذي قدمته بلدية «أم الفحم» في عام 2013، لتسمية الشوارع وترقيم البيوت في المدينة، إذ تقدمت آنذاك بقائمة مكونة من 301 اسم إلى وزارة الداخليّة الإسرائيلية لإطلاقها على شوارع المدينة، ومنذ ذلك الوقت تماطل الوزارة في الموافقة عليها، ليكون الرد متأخراً برفض 40 اسماً، وإضافة تعديلات على غالبية الأسماء المقدمة.

وللحديث عن ذلك، يقول رئيس بلدية مدينة «أم الفحم»، خالد حمدان: «إن البلدية عينت عام 2013 لجنة لاختيار أسماء شوارع في المدينة، وأقرت 301 اسم ضمن مشروع الشوارع وترقيم البيوت في (أم الفحم)، ثم قدمتها لوزارة الداخلية، لعرضها على دائرة الإحصاء لإقرارها بشكل رسمي، ومنذ ذلك الحين هناك مكاتبات بين البلدية ووزارة الداخلية، وفي كل مرة كانت تبلغنا بالموافقة على مجموعة أسماء، وستبحث الأسماء الأخرى، حتى أبلغتنا في نهاية شهر أكتوبر برفض 40 اسماً، فيما وافقت على 247 اسماً، اضافة إلى 14 اسماً طلبت إضافة تعديلات عليها، وأجرينا محادثات معهم حتى أبلغتنا رفضها بشكل نهائي في نهاية فبراير الماضي».

ويضيف: «على الرغم من أن وزارة الداخلية الإسرائيلية وافقت على 247 اسماً، إلا أن بلدية (أم الفحم) تحتاج إلى موافقة الوزارة بشكل كامل على أسماء الشوارع وترقيم البيوت، حتى تبدأ بالعمل على الأرض، فنحن في البلدية جاهزون لترقيم البيوت وتسمية الشوارع، لكننا لن نبدأ إلا بعد الموافقة الكلية من (داخلية) إسرائيل».

ويذكر حمدان أن الأسماء التي رفضتها وزارة الداخلية الإسرائيلية تمثل شخصيات وطنية وسياسية فلسطينية، على رأسها الرئيس الفلسطيني الراحل ياسر عرفات، والشاعران الراحلان راشد حسين ومحمود درويش، وكذلك أسماء قرى ومدن مهجرة منها، قرية صابرين وخبيزة والطنطورة وأم حنون، بالإضافة إلى أسماء قادة الثورة الفلسطينية.

ويوضح أن سبب معارضة إسرائيل تسمية الفلسطينيين الشوارع بأسماء الزعماء والشخصيات الوطنية وقراهم الأصلية، لأن ذلك قيمة ثقافية ووطنية تدل على تمسك الفلسطينيين بهويتهم وتاريخهم، فيما تعتبره إسرائيل جزءاً من التحريض على العنف.

ويشير حمدان إلى أن أسماء ياسر عرفات ومحمود درويش، وغيرها من الشخصيات الوطنية، لا تروق للسلطات الإسرائيلية، مضيفاً «لذلك تعوق تسجيلها وإضافتها إلى أسماء الشوارع».

ويقول: «إذا ما أصرت (الداخلية) الإسرائيلية على رفض الأسماء، سيتم تشكيل لجنة من البلدية للبحث في الأمر، وعندئذ ستقرر إما أن تصر على الأسماء، وترفع قضية ضد وزارة الداخلية في المحاكم الإسرائيلية، أو تقرر تغييرها بأسماء أخرى».

من جهته، وجّه مركز «عدالة» القضائي في أراضي الداخل المحتلة، في بداية شهر مارس الجاري، رسالة إلى وزير الداخليّة الإسرائيلي أرييه درعي، والمستشار القضائي للحكومة آفيحاي مندلبلت، مطالبة بالعمل فوراً على المصادقة على قائمة بأسماء شوارع مدينة «أم الفحم»، كما قدمتها البلدية، وإلغاء شطبها عشرات الأسماء المقرة من قبل البلدية لشوارعها.

وتقول المحامية سوسن زهر من مركز «عدالة»، إن صلاحية اختيار أسماء الشوارع تابعة للبلدية فقط، ولا صلاحية لوزارة الداخلية بالتدخل في هذا الإجراء، والمماطلة في تنظيم أسماء الشوارع يضر بميزانيات المدينة، كما أن هناك أضراراً أخرى يتكبدها أهالي المدينة.

وتؤكد أن القانون يلزم البلديّة بتسمية الشوارع والطرق والأزقة، كما يلزمها بإعلام وزارة الداخليّة بهذه الأسماء.

وتضيف: «إلا أن القانون لا يعطي الوزارة أي صلاحية لرفض أو قبول قرار البلدية بشأن تسمية الشوارع، وليس هناك مانع قانوني من تخليد أسماء القيادات والشخصيات الوطنية التي اختارتها بلدية (أم الفحم)».

أزمات معقّدة

ويُعد عدم إطلاق عناوين للأحياء والمنازل، وعدم تسمية أسماء الشوارع في «أم الفحم»، من أعقد الأزمات التي تواجه الأهالي في المدينة التي تعد أكثر المدن اكتظاظاً بالسكان داخل الخط الأخضر، إذ أثر ذلك سلباً في حياتهم اليومية بشكل كبير، كونهم يعانون عدم وصول البريد إليهم، وعدم مقدرتهم على إرسال المخاطبات الرسمية، مثل إصدار أو تعديل بطاقة الهوية وجواز السفر، وغيرها من المعاملات.

وتقول المحامية زهر: «إن مستندات ورسائل رسمية كثيرة موجهة إلى سكان المدينة، إما أنها لا تصل إلى المرسل إليه أو أنها تتأخر في الوصول، حتى لا يكون بها حاجة أو تنفد صلاحيتها»، وتشير إلى أنه في بعض الحالات «لا يتلقى المواطن حتى رسائل رسمية من جهات حكومية مختلفة، مثل بطاقة هوية من وزارة الداخلية، أو رخصة قيادة أو ترخيص السيارة من وزارة المواصلات أو جوازات السفر».

من جهة أخرى، يقول شادي جبارين، من مدينة «أم الفحم» لـ«الإمارات اليوم»: «إن غياب أسماء لشوارع المدينة يعني حرمانها من آلاف صناديق البريد، الأمر الذي يتسبب في أزمة مستمرة، ينجم عنها عدم وصول نحو ثلث البريد الذي يصل إلى المدينة، بسبب تشابه الأسماء بين الآلاف من السكان، وعدم القدرة على إيصال البريد والطرود إلى المواطنين، فعلى سبيل المثال قد يحصل مواطن من (أم الفحم) على مخالفة مرورية يستوجب دفعها، ويتم إرسالها إليه بالبريد، لكن عدم وصولها يؤدي إلى تراكمها وفرض متأخرات عليها تصل إلى عشرات آلاف الشواكل بسبب عدم دفعها».

ويضيف: «تعرضتُ لمخالفات سير، ولم تصلني هذه المخالفات، وتضاعفت دون علمي، وفي مرات كثيرة توقفني شرطة المرور الإسرائيلية وتسحب مني رخصة القيادة بسبب تراكم المخالفات غير المدفوعة».

طباعة