الإمارات اليوم

بهدف إيقاعها في حرب أهلية ونهب خيراتها

«الناتو» ساعد على إنشاء أسواق النخاسة في ليبيا

:
  • ترجمة: حسن عبده حسن عن «الترنت»
  • الكثير من المهاجرين الأفارقة تم اعتقالهم بتهمة القتال مع القذافي. أرشيفية
  • غارات «الناتو» أدت إلى مقتل القذافي بوحشية. غيتي

أدى فيلم الفيديو الذي يصور مزاداً على العبيد في ليبيا، والذي بثته محطة «سي إن إن»، أخيراً، والذي انتشر كالنار في الهشيم، إلى ظهور اهتمام كبير بهذه الدولة، إضافة إلى حدوث احتجاجات غاضبة جداً في شتى أنحاء العالم الغربي.

وفي الوقت الذي كانت فيه حرب تغيير النظام التي شنها حلف شمال الأطلسي (الناتو)، عاملاً حاسماً في تشكيل الظروف الاجتماعية لظهور العبودية، قامت شركات الإعلام الأميركية ببث هذه الحقيقة المخجلة، اثر تجدد تغطيتها للازمة الليبية المتصاعدة باطراد.

وحلف الناتو لم يعمد إلى زعزعة استقرار ليبيا عن طريق شن عمليات عسكرية وحشية أدت إلى مقتل الرئيس الليبي معمر القذافي وحسب، وانما استخدم بصورة مقصودة مسلحين مناهضين للسود، كوسيلة لتحقيق أهداف إمبريالية.

ذريعة كاذبة

قصص نهب وضرب

أشارت مقالة نشرتها صحيفة كريستيان ساينس مونيتور في 6 مارس من عام 2011 إلى أنه «خلال الأسابيع القليلة الأولى من الانتفاضة الليبية تم اعتقال المئات من العمال المهاجرين الأفارقة، وتعرضوا للضرب والمضايقات»، ووصف التقرير المهاجرين الأفارقة القادمين من جنوب الصحراء الكبرى، بأنهم» كانوا خائفين من الهرب من الدولة لخشيتهم من التعرض للضرب والقتل من قبل مجموعات من المسلحين المعارضين للقذافي. وذكر التقرير أن غانا أعادت نحو 500 من مواطنيها الذين كانوا يعملون في ليبيا، الذين عادوا وهم يتحدثون عن قصص النهب والتهديد والضرب. وعندما دخل حلف الناتو الحرب كان يعلم جيداً أنه يقدم الدعم لقوى ترتكب أعمالاً وحشية ضد الأشخاص السود.

وعندما غزا حلف الناتو ليبيا، كان ذلك تحت ذريعة إنسانية، حيث ادعى أن طائراته التي هاجمت ليبيا كانت هي الوسيلة الوحيدة لمنع القذافي من ارتكاب مجزرة ضد شعبه. وحسب التقرير الصادر عن البرلمان البريطاني، فإن هذه الذريعة كانت كاذبة، إذ انه كان بالإمكان التوصل عبر المفاوضات إلى تسوية بين المعارضة وحكومة القذافي دون الحاجة إلى تدمير البلاد، وإحداث الانهيار الاجتماعي الذي نجم عن الحرب، وكان أسوأ تجليات ذلك ظهور أسواق النخاسة. وكان حلف الناتو قد رفض جميع احتمالات التوصل إلى اتفاق بالتفاوض، واختار اللجوء إلى الحرب.

ولا تستطيع القوى الغربية الادعاء أنها كانت تجهل ما كانت تقوم به. وثمة تقارير تتحدث عن حالات عنف عنصرية، قام بها معارضو الحكومة في ليبيا، قبل بدء حلف الناتو بقصف ليبيا. وبرر أعضاء من المعارضة هجمات الناتو على السكان السود في ليبيا، الذين كان عدد منهم عمالاً مهاجرين قادمين من دول جنوب الصحراء الافريقية، باتهامهم زوراً وبهتاناً بأنهم مرتزقة للحكومة الليبية.

وفي تقرير لإذاعة «الراديو الوطني العام» الأميركية نشر في 25 فبراير2011، قال أحد عمال النفط الأتراك الذي هرب من ليبيا: «كان لدينا ما بين 70 أو 80 عاملاً من تشاد يعملون في شركتنا. ولكنهم قتلوا جميعاً بالمقصات والفؤوس، حيث تم مهاجمتهم من قبل المعارضة الذين قالوا لهم أنتم تزودون القذافي بالجنود المرتزقة. رأينا ذلك بأم أعيننا»

وكانت القوة الجوية الكندية قد نفذت 10% من الطلعات الجوية التي قام بها حلف الناتو ضد ليبيا. وكما ذكر مواطنون من مدينة اوتاوا قبل بضعة أيام من غزو الناتو لليبيا، فقد أرسل عملاء من المخابرات الكندية الخاصة تقريراً حذروا فيه بأن «ثمة احتمالات متزايدة لأن يتحول الوضع في ليبيا إلى حرب أهلية قبلية طويلة المدى»، وأن ذلك «محتمل بصورة خاصة بالنظر إلى ان قوات المعارضة تلقت أسلحة من جيوش أجنبية».

وبدأت الغارات الجوية التي قام بها حلف الناتو في 19 مارس عام 2011، وفي 23 مارس كشفت صحيفة لوس أنجلوس تايمز عن وجود سجن تديره المعارضة الليبية يوجد فيه نحو «50 ليبياً وافريقياً» فيما بات يشبه «مشهداً من فيلم عن المستعمرات التي كانت سجوناً رهيبة في غويانا الفرنسية»، وكانت الصورة المرافقة لمقال الصحيفة تظهر أن جميع المعتقلين هم من السود. وتحدث المقال عن سجين افريقي يدعى الفوسيني كامبي، اذ أورد على لسانه قوله: «أنا عامل ولست مقاتلاً، اعتقلوني من منزلي واغتصبوا زوجتي». لكن أحد قادة المعارضة عرض جوازي سفر يعودان الى كامبي، أحدهما ممزق والاخر جديد، وقال إن هذا أكبر دليل على أن كامبي كان من مقاتلي القذافي.

وأضاف المقال أنه «لنحو شهر من الزمن ظلت مجموعات من المسلحين تتجول في مدينة بنغازي بحثاً عن الليبيين السود، أو المهاجرين من جنوب الصحراء الكبرى، ويعتقلونهم ويحققون معهم».

اضطهاد السود

وبعد أقل من أسبوعين من أمد الحرب، كان التوصل الى تسوية بالتفاوض ممكناً، وتحدثت صحيفة «غلوب أند ميل» عن أدلة متزايدة على اضطهاد السود في ليبيا، من قبل القوات المدعومة من حلف شمال الأطلسي. وبعد عشرة أيام على بدء قصف قوات الناتو، قدم قائد قوات الحلف، الأدميرال الأميركي آدم جيمس ستافريدي، أول الأدلة على أن تدخل الغرب من شأنه أن يمهد لظهور تنظيم «القاعدة» في ليبيا. وفي شهادته أمام الكونغرس، قال الادميرال: «حصلنا على معلومات استخباراتية بسيطة عن احتمال ظهور (القاعدة)».

وكشف تقرير البرلمان البريطاني عن «علاقات ليبية مع مجموعات ميليشيات متطرفة كانت معروفة قبل عام 2011، لأن العديد من الليبيين شاركوا في الحرب الأهلية في العراق، وكذلك مع (القاعدة) في أفغانستان»، وكان الطيارون الكنديون يتندرون خلال قيامهم بمهمات ضد القذافي، أنهم يشكلون «القوات الجوية لتنظيم (القاعدة)»، لأن المهمات التي نفذوها مهدت الطريق أمام المجموعات المعارضة للقذافي والمتعاطفة مع «القاعدة».

وفي 3 أبريل من عام 2011، طلبت حكومة تشاد من حلف الناتو حماية مواطنيها في المناطق التي يسيطر عليها المعارضون للقذافي، مشيرة الى ان العشرات منهم يتم إعدامهم بتهمة القتال لصالح القذافي. وكان من المعروف جيداً في تلك الفترة، ان القوات المعارضة للقذافي كانت تضم عناصر مناهضة للسود، ومع ذلك فقد استأنف الناتو، الحرب التي أسهمت في تقويتهم. وكان هناك العديد من الفرص لإبرام تسوية عن طريق المفاوضات خلال الأسابيع الأولى من الحرب، ولكن «الناتو» اختار تدمير الدولة بدلاً من استغلالها.

السيطرة على موارد إفريقيا

ولفهم سعي «الناتو» لتغيير النظام في ليبيا، من الضروري أن ننظر إلى الهجوم على هذا البلد في سياق رغبة الولايات المتحدة توسيع قيادة افريقيا (أفريكوم)، وهي منظمة مقرها في ألمانيا والمسؤولة عن العلاقات العسكرية الأميركية مع 53 دولة إفريقية. وأرادت الولايات المتحدة أن تفعل ذلك كوسيلة للسيطرة على موارد قيمة في إفريقيا، لاسيما في سياق النفوذ المتزايد للصين في القارة، كما يظهر ماكسيميليان فورتي، من جامعة كوندورديا في كتابه، «المشي بطيئاً نحو سرت».

وفي عام 2008، قال نائب الرئيس الأميركي السابق، وولتر مونديل، إن أحد أهداف الجيش الأميركي لقيادة افريقيا هو ضمان «حرية تدفق الموارد من إفريقيا إلى السوق العالمية»، وفي عام 2010، كرر القول إن أحد أهداف قيادة إفريقيا «هو الترويج للمصالح الأميركية». وكان فورتي قد ضمّن كتابه برقيات عدة صادرة عن السفارة الأميركية في طرابلس، تظهر أن واشنطن تشعر بالإحباط من الحكومة الافريقية «وبصورة خاصة من ليبيا» التي منعت الولايات المتحدة من تأسيس قاعدة لعمليات قيادة إفريقيا في القارة السمراء.

وبعد الإطاحة بالحكومة الليبية، وقبل أن يتمكن الشعب الليبي من إجراء الانتخابات، أعلنت قيادة افريقيا إنه تم إنشاء علاقات عسكرية بينها وبين الحكومة الليبية التي تم تعيينها من قبل المجلس الوطني الانتقالي، وهي الجسم الرئيس للمعارضة الليبية. وأنشأت الولايات المتحدة مكتب التعاون الأمني في سفارة الولايات المتحدة في طرابلس، بهدف «المساعدة على تنسيق المساعدات الأمنية، والتعليم والتدريب العسكري الدولي، وتعاون أمني آخر».

كتاب توثيقي

وكان اهتمام الدول الغربية بنهب ليبيا على المدى القريب موثقاً في كتاب بعنوان «الناتو العالمي والفشل الكارثي في ليبيا» الذي ألّفه البروفيسور هوراس كامبل من مركز الدراسات الأميركية الافريقية والعلوم السياسية في جامعة سيراكيوز. ويظهر فحص كامبل لبرقيات «ويكيليكس» أن شركات النفط الغربية، مثل شركة أوكسيدنتال الأميركية، قد أُجبرت في عام 2007 ــ 2008 على توقيع صفقات جديدة مع شركة النفط الوطنية الليبية، بشروط مواتية بدرجة أكبر مما كانت تتمتع به سابقاً.

وفي عام 2010 أظهرت البرقيات الدبلوماسية التي كشف عنها موقع ويكيليكس أن شركات النفط والحكومة الأميركية، كانتا متخوفتين من توجهات لحكومة القذافي في عام 2009 تهدف إلى تأميم قطاع النفط. وخلال المرحلة الأخيرة من تدخل «الناتو»، قالت وزارة الدفاع البريطانية إنه يتعين على رجال الاعمال البريطانيين تجهيز حقائبهم للانطلاق الى ليبيا، وقال السفير الأميركي في طرابلس أن ليبيا بحاجة إلى الشركات الأميركية بصورة كبيرة.

لقد كانت القوى الغربية المشاركة في الإطاحة بحكومة القذافي تدرك جيداً، أن قيامها بتلك الخطوات من شأنه أن يعزز من قوة المجموعات المناهضة للسود، والبعيدة جداً عن الديمقراطية، لكنهم فعلوا ذلك بهدف غير نبيل هو السيطرة على قارة إفريقيا ونهبها.