الإمارات اليوم

كلفتها تبلغ نحو 200 مليار جنيه إسترليني

سورية تبدأ إعادة إعمار ما دمرته الحرب الأهلية

:
  • ترجمة: حسن عبده حسن عن «إيل باييس»
  • سوريون يعودون إلى بيوتهم بعد 6 سنوات من الحرب. أ.ف.ب
  • حافلة تسير في حي الخالدية الأكثر تدميراً. أرشيفية

يكفي مشهد منطقة السكري في حلب لجعل أي شخص يذرف الدموع على ما حل بهذه المدينة من كوارث، ففي هذه المنطقة التي تعرضت لأشد التدمير في حلب خلال ست سنوات من الصراع الذي حوّل مبانيها إلى هياكل من القضبان المعدنية التي يرتبط بها قليل من الباطون، بعد أن كانت تضج بالحياة.

مظاهر إعادة البناء جليّة في الطرق

تبدو مظاهر إعادة البناء جلية في الطرق التي تربط المدن ببعضها بعضاً، كما أن المناطق العامة والمواقع الأثرية تحظى بالاهتمام أيضاً، لكن 10% من ضمن ستة ملايين شخص نزحوا من بيوتهم داخل الدولة، والذين قرروا العودة إلى منازلهم عليهم أن يدفعوا تكاليف إعادة بناء شققهم.

وهناك خمسة ملايين لاجئ آخرين يعيشون في الدول المجاورة وأوروبا، ويوجد الآن نحو 18 مليون نسمة في سورية مقارنة بـ23 مليوناً قبل بدء هذه الحرب.

• بلغت التكاليف البشرية لهذه الحرب ما بين 320 ألفاً و470 ألفاً، ثلثهم من المدنيين. وتقدر التكاليف الاقتصادية بنحو 200 مليار جنيه إسترليني، حيث دُمر نحو 27% من منازل الشعب السوري، حسب تقديرات صندوق النقد الدولي، حتى نهاية عام 2016.

 

وانقضى نحو عام منذ أن دخلت القوات الحكومية إلى هذه المنطقة المدنية، وقامت بطرد نحو 2000 مقاتل تابعين للمعارضة، والذين كانوا قد حفروا حفراً تحت الشوارع لتفجيرها بأعدائهم، والآن ثمة خطوات تدل على ظهور الحياة من جديد من بين الركام، وعلى سبيل المثال ثمة ألوان على حبل غسيل مثبت على شرفة أحد المنازل يشير إلى أن عائلة على الأقل من اللاجئين عادت إلى منزلها. وتقول نهلة جاتبا (38 عاماً)، وهي أم لسبعة أطفال عادوا جميعاً إلى المبنى الذي كان يضم 15 عائلة في عام 2010: «أمضينا خمس سنوات ونحن نعيش في مدرسة، لكن في هذا الشهر أخبروني أنه يجب علي مغادرة المدرسة، ولم نسمع أي شيء عن جيراننا، فقد ذهب بعضهم إلى تركيا وآخرون إلى دمشق».

وبالنظر إلى أن تعداد سكانها كان يتجاوز خمسة ملايين نسمة، فإن مدينة حلب إحدى أكثر المدن السورية كثافة سكانية حتى تاريخ الحرب التي أدت إلى رحيل نحو مليون شخص من المدينة، وأخيراً عاد نحو 332 ألف شخص إلى ما تبقى من منازلهم.

وطلبت نهلة من شقيقها أن يعطيها قرضاً قيمته 1600 جنيه إسترليني، أي ما يعادل راتب الموظف السوري لمدة عامين، من أجل ترميم شقتها كي تصبح ملائمة للسكن من جديد، وكانت الحجارة البيضاء الجديدة التي تم استخدامها لترميم الشقة متباينة مع جدران المنازل المجاورة التي تميزت بكثرة الفتحات فيها، حيث ظهرت غرفها وحماماتها المكشوفة تماماً كأنها منازل دمى. وكانت مدرسة الأطفال مرئية من شرفة المنزل على الرغم من أنها لم تعد أكثر من مجرد ركام مثل 405 مدارس في أنحاء سورية.

وبعد سنوات عدة من الحرب تمكنت قوات النظام من السيطرة على 70% من الدولة التي يقطن فيها نحو 78% من السكان السوريين، ويسيطر النظام على جميع المدن السورية الكبيرة مثل دمشق وحماة وحمص وحلب، وكانت الرقة هي وحدها التي خرجت عن السيطرة، وبلغت التكاليف البشرية لهذه الحرب ما بين 320 ألفاً و470 ألفاً، ثلثهم من المدنيين. وتقدر التكاليف الاقتصادية بنحو 200 مليار جنيه إسترليني، حيث دُمر نحو 27% من منازل الشعب السوري، حسب تقديرات صندوق النقد الدولي، حتى نهاية عام 2016. وانتقلت صحيفة «إيل باييس» الإسبانية بمرافقة من الحكومة السورية إلى دمشق وحلب وحمص، لمشاهدة المحاولات الأولى لإعادة تأهيل البلاد لتصبح قابلة للسكن من جديد.

حقل ألغام

تقول لما كيالي، من هيئة الصحافة في حلب: «تمثلت الأولوية في تنظيف الأحياء من الألغام والمتفجرات، ومن ثم تنظيف الشوارع من الركام، والآن بدأ تقديم الخدمات الأساسية. ومن الناحية العملية نحن نتحدث عن ست سنوات من العمل المضني لتنظيف 14.9 مليون طن من الركام خلفتها الحرب في هذه المدينة، التي كانت تعرف بمركز سورية الاقتصادي، ولا ننسى أن خزائن الدولة قد تم إفراغها نتيجة التكاليف المباشرة وغير المباشرة للحرب. ومن المعروف أن المصدرين الأساسيين للدخل في سورية هما إنتاج النفط الخام الذي تضاءل بنسبة 93%، والزراعة التي انخفضت بنسبة 40%.

وتقوم البلدية في مدينة حلب برسم خطة إعادة البناء، لكن دون أن تحدد تكاليفها، وعلى الرغم من أن حلب تعد ثانية المدن السورية تدميراً بعد الرقة، فإن هذا التدمير يختلف من شارع إلى آخر.

يكفي مشهد منطقة السكري في حلب لجعل أي شخص يذرف الدموع على ما حل بهذه المدينة من كوارث، ففي هذه المنطقة التي تعرضت لأشد التدمير

وعلى بعد أبنية عدة من منطقة السكري يدخل أحمد هالار (58 عاماً) إلى مبنى يبدو كأنه على وشك الانهيار، وهو يحمل مصباح يد، ووصل إلى الطابق الثالث عن طريق الدرج الذي بدا كأنه معلق في الهواء. ووصل الرجل إلى هذا المبنى بعد أن هجر منزله في الحي الكردي بمنطقة شيخ مسعود في 15 يونيو عام 2014. وقال أحمد «قالت لي الميليشيات الكردية إنه إذا كنت أريد البقاء هنا فيجب أن ينضم أحد أبنائي إليهم، وكان لدي سبعة أطفال أصبحوا الآن ستة لأن أحدهم توفي خلال معارك منطقة الباب».

وأخبرنا الرجل وهو يتحدث إلينا من شقته المؤقتة أن ثلاثة من أبنائه قاتلوا إلى جانب القوات السورية النظامية، وكان أصغر أبنائه مستلقياً على بطانية وهو يشاهد التلفزيون خلال تعافيه من إصابة في ساقه، وتعيش العائلة من دخل يعادل 68 جنيهاً إسترلينيا شهرياً، وهو مبلغ حصل عليه من التعويض الذي دفع إلى أرملة ابنه المتوفى، إضافة إلى الأموال التي يجمعها هالار من ملء براميل النفط في المصنع، وهم لا يستطيعون تحمل دفع ما يعادل 50 جنيهاً إسترلينياً أجراً شهرياً لشقة غير مفروشة، وبناء عليه قرروا السكن في هذا المبنى المدمر، ولحسن الحظ كان مالك المبنى يُظهر لهم التضامن، ولم يطلب أجراً من غرباء ظهروا ذات يوم في مبناه.

ويمكن مشاهدة معظم عمال البناء والسيارات التي تنقل الباطون في كل الأماكن العامة، وتم تدمير نحو 70% تقريباً من سوق حلب القديم في هذا الصراع، لكن في هذا الأسبوع أعاد عدد من مالكي المتاجر فتح متاجرهم، التي أصبحت حية مرة ثانية بالبضاعة والزبائن، ومن بين هؤلاء التجار عبدالرحمن شيزمان (41 عاماً)، وهو من الجيل الثالث من المنتجين لسوق الصابون في حلب. وقال عبدالرحمن «نظراً إلى تدمير معامل حلب، علينا أن نبدأ الإنتاج في عفرين»، ونظراً لتوقف قصف الطيران والمدافع فوق رؤوسهم، بدأ السكان المحليون بالعشرات بزيارة الأحياء القديمة.

وتنطلق رائحة الزفت من الطريق الخارجي الذي يربط بين دمشق وحلب والذي تم تعبيده حديثاً، وليس هناك أي أثر للتدمير الذي حل به. وفي حمص ثمة أدلة كبيرة على المعاناة البشرية أينما جال المرء بناظريه، وكان حي الخالدية هو الأكثر تضرراً، حيث تم تدمير مبانيه الواحدة تلو الأخرى ومسحت من الوجود، وثمة مجموعة من الجنود الودودين كانوا يرحبون بسائقي الحافلات وسيارات التاكسي الذين يدخلون إلى الحي المروع، وتم إنشاء طرق عدة من أجل 25 عائلة عادت إلى الحي.

أرقام

نصف تعداد السوريين الذي عاشوا في الدولة قبل 2011 هربوا من منازلهم، وبقي منهم ستة ملايين ضمن الدولة في حين أن خمسة ملايين هاجروا إلى الدول المجاورة وأوروبا، وأدى الصراع إلى إفراغ المناطق الريفية من سكانها، وتزايد سكان المناطق المدنية من 56% إلى 72% في عام 2016. وعاد نحو 600 ألف شخص كانوا مهجرين داخل سورية إلى بيوتهم في عام 2017، نصفهم إلى منطقة حلب.

وعلى الرغم من أن الحكومة في دمشق تحتفل الآن بالنصر، فإن ثمة مناطق أخرى مثل إدلب ودير الزور وأطراف دمشق وحماة لاتزال في حالة حرب، لكن هذه الجيوب التي لاتزال مشتعلة لن تردع بقية سكان الدولة عن فتح متاجرهم والطلب من الحكومة أن تزودهم بالماء والكهرباء. وكما هي الحال في حلب فإن إعادة بناء السوق في حمص تسير على قدم وساق. وقال بهاء خوزان الذي يشرف على مشروع إعادة البناء والممول من الأمم المتحدة: قمنا ببناء 165 متجراً من أصل 380 متجراً.

هناك أمل

وفي دمشق، حيث كان يعيش نحو 4.5 ملايين نسمة قبل الحرب، يقوم السكان بالاحتفال بعودة الكهرباء، وبالطبع فإن دمشق لم تتعرض للكثير من المعاناة بالطريقة نفسها التي تعرضت لها بقية المدن السورية، إذ إنها عملياً لاتزال سليمة وإن كان سكانها قد تأثروا نتيجة الحرب، خصوصاً أن مليون لاجئ جاؤوها من الأماكن المتضررة جراء الحرب من خارج المدينة.

وعلى الرغم من أن الحياة الطبيعية بدأت بالعودة إلى المدن الرئيسة، كما أن اللاجئين بدأوا يرجعون إلى بيوتهم القديمة، فإن الصراع متواصل، أما الضواحي الدمشقية فتعد مناطق ممنوعاً دخولها من قبل الصحافيين. وفي ضواحٍ مثل جوبر ومليحة وداريا ومخيم اليرموك بقي 25% من سكانها فيها، وحتى الآن لم يعمد أحد إلى تقدير مدى الأضرار التي أصابتها.

ناتاليا سانشا مراسلة «إيل باييس»  في الشرق الأوسط