الإمارات اليوم

كما يفعل دائماً في صفقاته التجارية

ترامب «لا يُتقن تأدية دوره» في الملف النووي الإيراني

:
  • ترجمة: عوض خيري عن «الفورين بوليسي»
  • ترامب يسعى جاهداً لإلغاء الاتفاق النووي خلافاً لأوروبا. إي.بي.إيه
  • الأوروبيون يفضلون التعامل مع روحاني في النواحي الاقتصادية من أجل تليين سلوك إيران العدواني. رويترز
  • الحرس الثوري الإيراني يمثل الجانب المتطرف من النظام ما يخشاه الأميركيون والأوروبيون هو ميل إيران لتصدير ثورتها خارج الحدود. أ.ب

ذكر الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، في كتابه «فن الصفقة» أنه من أجل إبرام صفقة جيدة، فإنه يضطر أحياناً أن يمثل دور «الرجل السيئ». وبالنسبة لاستراتيجيته في ما يتعلق بالاتفاقية النووية مع إيران، فهو بالتأكيد يلتزم بمبدأ الرجل السيئ. وقد أعلن، الجمعة الماضية، أن الولايات المتحدة لن تصادق بأن إيران ملتزمة بالاتفاقية النووية، لأن ذلك «سيمثل السير على طريق تتمثل احتمالاته في مزيد من العنف والإرهاب والتهديد النووي الحقيقي للبرنامج الإيراني».

• عندما يتعلق الأمر بإيران، سوف يجد ترامب أن أوروبا - الشرطي الجيد - هي أفضل رهان لتقديم الجزرة في الوقت الذي يتولى فيه التهديد بالعصا.

الشرطي السيئ بحاجة إلى شرطي جيد

إذا كانت تهديدات ترامب وسيلة للحصول على تنازلات إضافية، فإنه سرعان ما سيدرك أن كل شرطي سيئ يحتاج إلى شرطي صالح. وعندما يتعلق الأمر بإيران، سوف يجد ترامب أن أوروبا - الشرطي الصالح - هي أفضل رهان لتقديم الجزرة، في الوقت الذي يتولى فيه التهديد بالعصا. بيد أن ازدياد البصمة الأوروبية في الاقتصاد الإيراني هي أفضل جهة متاحة لتغيير سلوك إيران. وعلى الرغم من تذبذب النظام في طهران، فإن حالة الاقتصاد تمثل له كعب أخيل، أو بالأحرى نقطة ضعفه، إذ لا يرغب الإيرانيون في رؤية الشركات الأوروبية تتخلى عنهم مرة أخرى. ويتمثل مفتاح إدارة ترامب لمعالجة موضوع إيران في إقناع الأوروبيين بأن من مصلحتهم الخاصة الضغط على إيران.

من أوروبا إلى روسيا وانتهاءً بالصين، لا يوجد عملياً أي شهية للتخلص من الاتفاق النووي، الذي يتمثل في مهمة محددة ضيقة، وهي حرمان إيران من القدرة على دعم برنامجها النووي. ومع ذلك، قد يجد ترامب التعاطف بين حلفاء أميركا الأوروبيين في ما يتعلق بتكتيكاته بشأن إيران.

وتنتاب الولايات المتحدة وأوروبا مخاوف مشتركة بشأن جدول أعمال طهران الإقليمي، بما في ذلك تدخلاتها العسكرية في العراق وسورية، ومعارضتها الشرسة لحق إسرائيل في الوجود، وسجل طهران في ما يتعلق بسياساتها القمعية في الداخل. وببساطة، تقول إيران إنها قوة قائمة على الوضع الراهن، لكنها غالباً ما تعمل كقوة متمردة تقوّض بأفعالها مصالح الدول الغربية وحلفائها في الشرق الأوسط. وفي حين أن إدارة ترامب والأوروبيين لا يتفقون على تفاصيل كل نقطة، هناك تداخل كافٍ بين الجانبين لصياغة «قائمة المهام» المراد من إيران تنفيذها، شريطة أن لا تتجه واشنطن لإلغاء الاتفاق النووي لعام 2015.

الانسحاب المتسارع من الاتفاق النووي سينظر إليه في معظم أنحاء أوروبا بمزيد من الرعب، وبالتالي سيجعل من الصعب ممارسة الضغط المتعدد الأطراف اللازم لتغيير السلوك الإيراني. ويتعين على الولايات المتحدة بدلاً من ذلك أن تتعاون بصبر مع الأوروبيين.

وينبغي أن تتمثل الرسالة الأميركية - الأوروبية المشتركة إلى طهران في أن اللعبة المزدوجة التي تلعبها الآن في سياساتها الخارجية - السعي لإنشاء اقتصاد مرتبط بالنظام الدولي وتمسكها في الوقت ذاته بمبادئ الثورة الإسلامية - غير مقبول، وقد يؤدي في نهاية الأمر الى تضارب. إلا أن صياغة مثل هذه الرسالة تتطلب من واشنطن الاعتراف بحقيقة أن طبيعة ومدى المشكلة التي تمثلها إيران يمكن تسويتها، فالأوروبيون، على سبيل المثال، أكثر ميلاً من واشنطن للنظر إلى برنامج الصواريخ الإيرانية كجزء من عقيدة عسكرية دفاعية مشروعة، لكنهم في الوقت ذاته لا يقرون سعي طهران الحثيث لتصدير نموذجها الثوري الإسلامي إلى أماكن أخرى، مثل العراق وسورية. وتعتقد أوروبا أن رعاية إيران للميليشيات في تلك البلدان ليست عملاً للحفاظ على الوضع الراهن في تلك البلدان، وإنما محاولة لإلغاء ما تبقى من النظام السياسي في الشرق الأوسط، ويجب أن يضمن ترامب هذه الفكرة في جهوده الدبلوماسية حيال نظرائه الأوروبيين.

حتى بعض القادة في طهران حذروا بشكل صريح من العسكرة غير المتناسبة للسياسة الخارجية الإيرانية. ولم يعترض الرئيس حسن روحاني على ذلك عندما قال في مارس 2014 إن «إطلاق الصواريخ وتنظيم مناورات عسكرية لتخويف الجانب الآخر ليس ردعاً جيداً». وكان روحاني يوبّخ خصومه في النظام، المشرفين على فيلق الحرس الثوري المتطرف، الذي يعوق شعاره، المتمثل في المقاومة العسكرية، باستمرار أي جهد إيراني لنقل البلاد نحو حالة الحياة الطبيعية.

وينظر الأوروبيون إلى أصوات معتدلة مثل روحاني في هذا الصراع داخل النظام. وتتطلع أوروبا في نهاية الأمر إلى انطلاق جولات متعددة في ما وصفته بـ«الحوار النقدي» مع إيران، والذي يعود إلى أوائل تسعينات القرن الماضي. ولم تثمر محادثات أوروبا مع إيران، في السابق، لتحقيق تقدم ملموس سوى القليل من المردود. ولكن إذا كان ترامب جاداً في تغيير السلوك الإيراني، فإنه يمكن أن يتبنى نهج أوروبا لتحقيق أغراضه الخاصة.

تقديم عرض لإيران لا يمكنها رفضه

من المحتمل أن يلعب ترامب دور «الرجل السيئ» في الجولة المقبلة من هذه المحادثات. وفي مثل هذا السيناريو، فإن وضع الاقتصاد الإيراني هو النقطة التي يستطيع ترامب أن يحقق من خلالها نجاحاً في مسعاه.

إذا كانت إدارة ترامب تأمل في الانطلاق من ملف الاقتصاد الايراني فإن عليها أن تعترف بواقع الموقف الأوروبي تجاه إيران. ويريد الأوروبيون التعامل مع طهران بإيجابية لأسباب أمنية وتجارية. وتجدر الإشارة الى أن إيران، وهي دولة يبلغ عدد سكانها 80 مليون نسمة، تتمتع باستقرار نسبي فى المنطقة التي انهارت فيها عدد من الدول في السنوات الأخيرة. ومازالت أوروبا، بعد كل شيء، تتعافى من توابع الصراعين السوري والعراقي، اللذين أدّيا الى دخول موجات من اللاجئين إلى شواطئها. ولهذا فإن «تفجير» الموقف مع إيران والأمل في الوقت ذاته في وضع أفضل، كما صرح أحد المسؤولين الأوروبيين، ليس خياراً جيداً. وفي الوقت نفسه، فإن العديد من كبار الشخصيات الذين سافروا إلى طهران منذ الاتفاق النووي أكدوا أيضاً شهية أوروبا العميقة للفرص التجارية هناك.

ولكن بما أنه لا توجد شهية لدى أوروبا لإلغاء الاتفاق النووي مع طهران لايزال في إمكان القادة الأوروبيين المحافظة على مستوى التعامل مع إيران، ولهذا فإنهم لن يتخلوا عن الحد الأدنى من التعاون المطلوب بموجب الاتفاق، لكنهم في الوقت ذاته يستطيعون أن يوضحوا لنظرائهم في طهران أن أي خطوات للارتقاء الحقيقي بالاقتصاد الإيراني تتوقف على سياسة خارجية إيرانية أقل تدميراً. فعلى سبيل المثال، يمكن للمسؤولين الأوروبيين أن يوضحوا لإيران أنها اذا أرادت أن ترى المصارف الدولية الكبيرة تدخل أسواقها - وليس المصارف الصغيرة ولا المتوسطة فقط - فإن عليها التخفيف من قلق أكبر اللاعبين إسهاماً على الساحة الدولية، وهو الولايات المتحدة الأميركية، وإلا فإن عقوبات شديدة من الكونغرس الأميركي يمكن أن تتكرر مرة أخرى.

ويعلم الإيرانيون أنه إذا ما قررت أميركا اتخاذ مثل هذه الخطوة فإن الأوروبيين سيقفون بلا شك مع حليفهم التاريخي، كما حدث أكثر من مرة، ويجب أن تكون الرسالة الأوروبية إلى إيران: «من فضلك لا تجعلينا نضطر الى الاختيار».

التدخلات العسكرية الإيرانية في سورية والعراق قد تعطي انطباعاً بأن طهران لا تقهر، ولكن الضائقة الاقتصادية على الجبهة الداخلية تمثل النقطة الضعيفة للبلاد. وتحسن الاقتصاد الإيراني منذ رفع العقوبات الدولية التي كانت مفروضة عليها، حيث عادت صادرات النفط إلى مستويات ما قبل العقوبات، وتتجه التجارة والاستثمار الأجنبي المباشر صعوداً. يضاف الى ذلك أن إيران حصلت على ما يقرب من 40 مليار دولار على شكل استثمار أجنبي مباشر في السنوات الـ20 الماضية، ثمانية مليارات منها جاءت بعد توقيع الاتفاق النووي في 2015. ونما الاقتصاد بنحو 6٪ في عام 2016، ومن المتوقع أن ينمو، حسب تقديرات البنك المركزي الإيراني، بنسبة 5٪ إضافية هذا العام.


الإيرانيون يتوقعون النمو قريباً

يعتبر خلق فرص عمل هو الأولوية القصوى لروحاني، وتركزت أكثر الجهود الاقتصادية في ضخ الاستثمار في قطاعات النفط والغاز، وعلى الرغم من أنها قطاعات مربحة، لكنها لا تخلق فرص عمل. ويأمل مسؤولون إيرانيون في خلق نحو مليون فرصة عمل جديدة سنوياً، وتمثل هذه الفرص هدفاً طموحاً بعد أن تحقق في أوقات سابقة خلق نحو 35 ألف فرصة عمل سنوياً. وأكد وزير العمل الإيراني صراحة أن عدد العاطلين في بلاده وصل الى 3.4 ملايين عاطل، وتستطيع البلاد أن تخلق أقل من نصف الوظائف الجديدة المطلوبة كل عام، نظراً لمصادر التمويل المحلية المحدودة.
هناك توافق في الآراء بين الأحزاب الإيرانية، على الرغم من انقساماتها، يتمثل في أن تسريع نمو الوظائف يجب أن يحظى بالأولوية، إذ لا يرغب النظام أن يستيقظ يوماً ما ليكتشف انتفاضة تسببت فيها الظروف الاجتماعية والاقتصادية السيئة بسبب الفساد المستشري. ووفقاً لوزير الداخلية الإيراني، فإن نسبة البطالة وصلت إلى 60% في بعض المدن. لا يمكن لأوروبا أن تساعد إيران في مشكلة الفساد، لكنها يمكن أن تساعدها على العودة إلى تيار الاقتصاد العالمي. ومنذ الأيام الأولى لروحاني في منصبه، كان مصب اهتماماته جذب الشركات الأوروبية من أجل إنعاش الاقتصاد الإيراني، وتفادي ضائقة اقتصادية عميقة، ويتضح ذلك من خطابه في الأمم المتحدة هذا العام.
وجنى روحاني فوائد جمة على هذه الجبهة، حيث ارتفعت وتيرة التجارة بين أوروبا وإيران لتصل إلى 94% في النصف الأول من عام 2017 مقارنة مع الفترة نفسها من عام 2016، إلا أن حكومته تسعى للحصول على فوائد أخرى، مثل الاستفادة من التكنولوجيا المتقدمة الضرورية للقطاعات النفطية والغازية ضعيفة الأداء. كما أن لدى الأوروبيين القدرة على تمويل مشروعات في إيران، ففي سبتمبر من هذا العام أصبح بنك نمساوي وآخر دنماركي أول مؤسستين ماليتين أوروبيتين توفران التمويل للمشروعات في إيران منذ 15 عاماً.
وزادت هذه النجاحات أيضاً من توقعات الشعب الإيراني بأن الازدهار الاقتصادي أصبح قريباً جداً منذ التوقيع على الاتفاق النووي. وأشار مستشار اقتصادي لروحاني، أخيراً، إلى أن الفشل في الإيفاء بهذه التوقعات يمكن أن يهز قبضة النظام على السلطة، وأضاف أنها «مثل باب يفضي إلى مستودع متفجرات ساكن يمكن أن ينفجر في أي وقت».
وهذا من شأنه أن يوفر لإدارة ترامب والمسؤولين الأوروبيين فرصة لوضع العقبات الاقتصادية الإيرانية على الطاولة في أي مباحثات مستقبلية. والكرة الآن في ملعب طهران فإذا ما أرادت أن تصبح قوة رجعية فستجد أن اهتمام الأوروبيين بالحوار وتعاونهم الاقتصادي معها سيتلاشى سريعاً، ولكن إذا وضعت الاستقرار الاقتصادي في صميم تعاملها مع العالم، فإن أوروبا ستصبح شريكاً لها. وفي الوقت نفسه، يجب على ترامب أن يستفيد من فكرة أنه حتى إذا أراد أن يلعب دور الرجل السيئ، فإن استخدام النفوذ الاقتصادي الأوروبي للحصول على تنازلات من إيران يبقى أفضل من أي شيء آخر يُقدم عليه.