الإمارات اليوم

إضافة إلى تداخل المصالح الدولية والإقليمية

الجغرافية النفطية المتشابكة فـي العراق تعقد «الاستقلال الكردي»

:
  • ترجمة حسن عبده حسن عن «كاونسل أون فورين ريلاشن»
  • قوات البشمركة في الباشقة بعد أن طرد منها «داعش». رويترز
  • العبادي طالب أن تكون كل حقول النفط العراقية تحت سيطرة حكومته. رويترز
  • الزعيم الكردستاني مسعود البرزاني دفع ثمناً كبيراً لقاء الاعتماد الكلي على تركيا. رويترز
  • تغير المشهد السياسي داخل تركيا جعل من الصعوبة بمكان على أردوغان الاستمرار في دعم إقليم كردستان. أ.ب

منذ نحو عقد من الزمن، واجهت جهود الولايات المتحدة الرامية إلى حفظ الاستقرار في الشرق الأوسط العديد من التعقيدات، وكان الاستفتاء الأخير الذي أجرته حكومة إقليم كردستان العراق من ضمن تلك التعقيدات، ومثل كل من التوقيت المفاجئ للاستفتاء، وبعض المناورات الجيوسياسية ذات الصلة المتعلقة به، تحدياً جديداً للولايات المتحدة في المنطقة، وتذكير بالفشل المتكرر للدبلوماسيين الأميركيين الذين يحاولون حل الصراعات المتعلقة بالتوزيع النهائي والسيطرة على ثروات النفط والغاز الموجودة في المنطقة.

الاستثمار في الدبلوماسية

في الحقيقة فإن الاستثمار في الدبلوماسية، وبذل الجهود والمثابرة من شأنه أن يقدم الفوائد على المدى الطويل، ليس لشعب العراق وإقليم كردستان فحسب وإنما إلى المناطق الأخرى في الشرق الأوسط، التي لايزال فيها موضوع تقاسم عائدات النفط وملكية حقول النفط موضع نزاع. وإذا قيض للحل الدبلوماسي المتعلق بمستقبل كركوك النجاح، فإن ذلك سيقدم طريق بناء للعديد من المناطق الأخرى المنتجة للنفط. وهذا لا يعني أن هذه المهمة هائلة وكبيرة، ولكنها تستحق المضي بها حتى النهاية.

تقسيم

قسّمت اتفاقية سايكس بيكو لعام 1916 البلاد العربية، كما تم أيضاً تقسيم شمل الأكراد الذين كانوا ضحية صراع بين الإمبراطورية الفارسية والدولة العثمانية، لقرون عدّة. وكانت أرضهم جزءاً من مساومات تاريخية بينهما، اشتملت عليها معاهدات مثل أرضروم الأولى 1823 وأرضروم الثانية 1848 وبروتوكول طهران عام 1911 واتفاقية القسطنطينية عام 1913 وصولاً إلى معاهدة سيفر ما بعد الحرب العالمية الأولى. وهكذا حكمت الجغرافيا السياسية كردستان، إضافة إلى المصالح الدولية.


- قامت روسيا، ببسط نفوذها على الجدل الدائر حول من يجب أن يسيطر على كركوك على المدى البعيد، عن طريق شركة النفط الحكومية روزنفت التي يديرها ايغور سيشين وهو صديق للرئيس الروسي فلاديمير بوتين.

ويبدو أن الفكرة التي مفادها أن منطقة كردستان كافية لتشكيل الدولة الكردية باتت مقنعة، وفي حقيقة الأمر فإن كردستان المستقلة، كانت مرسومة في خريطة «اتفاقية سيفريس» قبل نحو قرن من الزمن أي عام 1920. ولكن كما هي الحال دائماً، فإن الشيطان يكمن في التفاصيل المتعلقة بكيفية حل الوضع البعيد الأمد لكردستان، وهناك العديد من المتغيرات المعقدة، التي ينبغي نقلها إلى معادلة ما بعد الاستفتاء. وسيعمد الخبراء المجربون إلى دراسة السياسات المعقدة التي أدت إلى استفتاء كردستان العراق، وكيف ينبغي للولايات المتحدة معالجتها. وتهدف هذه المقالة إلى التركيز وبصورة خاصة على أن أية جهود وساطة في هذا الصراع الناجم عن الاستفتاء، بحاجة الى النظر بصورة معمقة، خصوصاً السمات الجيوسياسية للنفط محور هذه الأزمة. والقضية ليست في خسارة محتملة لسوق النفط العالمي لـ500 أو 600 ألف برميل يومياً، من صادرات نفط كردستان العراق عن طريق تركيا، إذ يتم استبدال هذه الكمية من النفط بسرعة في السوق، بسبب كثرة المعروض. وإنما المشكلة في السابقة الخطيرة المتمثلة في السماح لأحداث سياسية وعسكرية كبيرة، وحلفاء جيوسياسيين محليين بتحديد الشكل النهائي لتوزيع حقل نفط مدينة كركوك، التي تقع في منطقة متنازع عليها تاريخياً.

تاريخ كركوك

تضم المنطقة المحيطة بحقل كركوك النفطي مجموعات سكانية من قوميات مختلفة بمن فيهم العرب والأكراد والتركمان، الذين يشكلون 8% من إجمالي سكان العراق حسب بعض التقديرات، وخلال حكم الرئيس الراحل صدام حسين أدت حركة فرض الصبغة العربية على المنطقة، الى تغيير هذا المزيج المعقد، وسط جهود بذلها نظام البعث الحاكم في حينه إلى ضمان وصول أسهل إلى المنطقة النفطية، التي كانت تنتج في ثمانينات القرن الماضي مليون برميل يومياً، من إجمالي ناتج نفط العراق البالغ نحو 2 إلى 2.5 مليون برميل.

ويحوي حقل كركوك احتياطياً نفطياً بقيمة نحو تسعة مليارات برميل. وبدأ تنظيم «داعش» الاإرهابي، الاقتراب من منطقة الحقل في عام 2014 وعندما انهارت دفاعات الجيش العراقي في المنطقة في شهر يناير من العام ذاته، تدخلت القوات الكردية «البشمركة» وسيطرت على معظم منطقة انتاج النفط. وبلغ إنتاج النفط من الحقول الموجودة في كركوك ومحيطها نحو 400 ألف برميل يومياً، من ضمنها 160 ألف برميل تأتي من ثلاثة حقول هي بابا دوم، وجامبور، وكاباز، التي كانت تديرها حكومة العراق المركزية في بغداد. ومع وجود كركوك تحت السيطرة الكردية، فليس من الواضح كيف ستكون حالة إنتاج النفط على المدى البعيد.

مطالب واضحة

ومنذ أربع سنوات باتت مطالبة حكومة كردستان المحلية بأحقيتها بمدينة كركوك واضحة، من خلال الكلام والأفعال، ويبدو أن شركات النفط الأميركية بمن فيها اكسون موبيل مقتنعة بمطالب كردستان، ولذلك قامت بتوقيع اتفاقات عدة على التنقيب عن النفط مع حكومة كردستان المحلية، في أماكن متنازع عليها، بما فيها مناطق داخل كركوك ومحيطها. وأهم هذه المناطق المنطقة التي تعمل فيها اكسوموبيل بالاتفاق مع كردستان، المسماة «الباشقة» التي كانت تحت سيطرة تنظيم «داعش». ومنذ تلك الفترة أحجمت الشركة عن العمل في العديد من مناطق التنقيب في شمال العراق، بالنظر الى الصعوبات السياسية والجيولوجية.

وتواصل حكومة بغداد المطالبة بوضع حقول النفط في شمال العراق تحت سيطرة الحكومة العراقية المركزية، خصوصاً حقول كركوك، واضطر رئيس الحكومة حيدر العبادي الى وضع سمعته على المحك، عندما طالب بسيطرة حكومته على نفط العراق، مشيراً إلى العواقب الوخيمة التي ستنعكس على وحدة العراق، اذا لم يتمكن من دفع حكومة كردستان المحلية، لإخضاع حقول النفط تحت سيطرة الحكومة الاتحادية، إضافة إلى حقول النفط الأخرى مثل الأنبار والبصرة إذ إنها لا يمكن ان تعمل حسب رغبتها. ويطالب البرلمان العراقي العبادي بنشر قوات الأمن الوطنية في المناطق المتنازع عليها. وأخيراً طلب وزير النفط العراقي من شركة النفط العراقية المعروفة باسم «نورث اويل كومباني» أن تتخذ خطوات سريعة لإعادة تأهيل حقول نفط نينوى، التي احترقت نتيجة هجمات تنظيم «داعش» المتكررة عليها، بهدف السيطرة على النفط في المنطقة.

الدور التركي

وقامت تركيا خلال السنوات الماضية بدعم صناعة الغاز والنفط مالياً، ومن خلال تأمين طريق التصدير لحكومة كردستان المحلية. ولكن تغير المشهد السياسي المحلي داخل تركيا، جعل من الصعوبة بمكان على الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، الاستمرار في هذا الدعم. وفي شهر مارس الماضي، قال رئيس حزب الحركة القومية التركي داوود باسيلي، إن وحدة الأراضي العراقية تعتبر أمراً مصيرياً بالنسبة للأمن القومي التركي، وطالب بإعادة كركوك إلى تركيا. وقال باسيلي «تاريخياً كركوك كانت تركية، وستظل جزءاً من تركيا، وحتى الآن ستصبح واحدة من أكثر المدن التركية المجيدة في المستقبل».

وكان أردوغان يقظاً تماماً بشأن الاستفتاء في كردستان العراق وأبلغ حكومة كردتسان أنها ستدفع ثمناً غالياً إذا أجرت استفتاء بشأن الاستقلال، وهدد بفرض عقوبات اقتصادية ضدها، وأجرت تركيا تدريبات عسكرية مع الجيش العراقي الوطني على الحدود. وحتى الآن لم تنفذ أنقرة تهديدها بشأن إغلاق خط تصدير نفط كردستان، إذ إنه يمثل ضرورة كبيرة للاقتصاد التركي.

دخول روسيا

وأخيراً، قامت روسيا، ببسط نفوذها على الجدل الدائر حول من يجب أن يسيطر على كركوك على المدى البعيد، عن طريق شركة النفط الحكومية روزنفت التي يديرها ايغور سيشين وهو صديق للرئيس الروسي فلاديمير بوتين، وعززت «روزنفت» في الأسابيع الأخيرة من مفاوضاتها، من أجل اتفاقية تعاون كبيرة بشأن الطاقة مع حكومة كردستان. ويقال إن هذه الاتفاقية ستتضمن حصة محتملة في حقول النفط في كركوك، واستثمارات في توسعات كركوك إلى أنابيب سيحان لتصدير النفط، وربما الاستثمار في أنابيب الغاز الطبيعي من إقليم كردستان إلى تركيا وأوروبا. وفي شهر يونيو الماضي حصلت «روزنفت» على أربع مناطق للتنقيب عن النفط في إقليم كردستان، ووقعت مذكرة تفاهم تمهيداً لاتفاق بيع 300 ألف برميل نفط يومياً. وتفيد التقارير بأن حكومة إقليم كردستان ناقشت وضع مناطق افانا، وبابا، وخرمالا دومز باعتبارها جزءاً من الاتفاقية، التي تتضمن مناطق كانت تعمل فيها سابقاً شركة «نورث أويل» التابعة لحكومة العراق.

الفارس المنقذ

وظهرت شركة «روزنفت» باعتبارها الفارس المنقذ للوضع المالي الكردي، حيث عرضت ضخ مبلغ ثلاثة مليارات دولار لإعادة تمويل الديون البالغة مليار دولار، الناجمة عن تمويل صفقات نفط تم بيعها إلى تجار دوليين. وكانت شركات دولية مثل غلينكور، وفيتول، وترافيغورا، وبيتراكو قد قدمت قروضاً لحكومة إقليم كردستان بضمانة مبيعات النفط مستقبلاً، وكان يتم بيع نفط كردستان إلى العديد من الدول مثل إسبانيا واليونان وألمانيا وإيطاليا وكرواتيا، وبلغ إجمالي عائدات النفط السنوية في إقليم كردتسان نحو ثمانية مليارات دولار، وعلى الرغم من أن العديد من الأطراف تأثروا بقرار إيقاف تصدير النفط من إقليم كردستان، إلا أن أردوغان يجد نفسه محاطاً بالمخاوف المحلية والدولية.

ويضيف تورط «روزنفت» في الشؤون النفطية لإقليم كردستان، ابعاداً شائكة إضافية للتفاوض بشأن مستقبل إقليم كردستان، وبصور مقصودة، وقدم الاستفتاء الكردي للكرملين فرصة ملائمة للتأثير في الأكراد السوريين. كما أنه سمح لروسيا بمواجهة تركيا التي رأت في التعاون بمجال الطاقة مع إقليم كردستان وسيلة للتخلص من المتاعب التي سببتها موسكو لإمدادات الطاقة لتركية، وخلال السنوات الماضية كانت أنقرة تقدم تمويلاً تركياً ودعماً تقنياً لتشجيع طرق تصدير النفط والغاز الكردستاني إلى تركيا، وتمنت أنقرة أن تنوع في إمداداتها من الطاقة الروسية، إضافة الى إيصال الطاقة إلى أوروبا عن طريق ارتباطاتها مع إمدادات الطاقة الكردية. ولكن التكاليف التي دفعها الزعيم الكردستاني مسعود البرزاني في الاعتماد الكلي على تركيا كانت تقيده بصورة كبيرة جداً. ومن الناحية الفعلية بالنسبة للأكراد، فإن عرض بيع نفطهم إلى روسيا، من شأنه أن يزيد من صلابة المساعدة الروسية في مجلس الأمن الدولي، هذا إذا قررت بغداد أو أي قوة محلية إن تطلب من الأمم المتحدة فرض عقوبات على إقليم كردستان.

وبناء عليه فإن ما يحدث من فوضى جيوسياسية ستحتاج إلى مهارة وصبر للتمكن من حلها، وربما يتمخض عن ذلك نتائج محتملة تثير حفيظة إيران، الأمر الذي سيدفعها إلى دعم الميليشيات الشيعية المحلية لمواجهة قوات البشمركة في منافسة هدفها السيطرة على كركوك.

مخاوف إيرانية

وإيران لها مخاوفها أيضاً، بالنظر إلى أن سكانها من الأكراد صعاب المراس، الذي يبلغ تعدادهم نحو 6.7 ملايين نسمة، الذين يشكلون أقل بقليل من 10% من سكان إيران. ولذلك كانت طهران هي الدولة الأولى التي تحركت ضد استفتاء إقليم كردستان، حيث قامت بإغلاق حدودها ورحلاتها الجوية الى الإقليم، وبعبارة أخرى، ومن خلال نشاطات شركة روزنفت تمكنت روسيا من اكتسابها نفوذاً يتفوق على مصالح ايران وتركيا في القضية الكردية، وربما تزداد سيطرتها على تصدير النفط ليس الى تركيا فحسب، وإنما إلى دول ذات اقتصادات ضخمة في جنوب أوروبا.

النفط والمصالح الأميركية

أدى العنصر الجيوستراتيجي الذي تتمتع به مدينة كركوك، باعتبارها منتجة للنفط وقريبة من تركيا وإيران والصراع السوري، إلى جعل الصراع على هذه المدينة أكبر من مجرد صراع اقتصادي، تسبب في حرب عسكرية محلية من قبل مجموعات متحاربة كما حصل في السودان وليبيا. ولابد من القول إن مصير مدينة كركوك سيراقب عن كثب من قبل أطراف أخرى متنافسة على مناطق النفط، حيث سينظر هؤلاء إلى كيفية تجاوب الولايات المتحدة والأمم المتحدة مع إقليم كردستان، للوقوف على ما يمكن أن تؤول إليه طموحاتهم.

وتوقفت الولايات المتحدة منذ زمن طويل عن الخوض في المهمة الصعبة، المتمثلة في التركيز على التفاصيل الدقيقة لتقاسم عائدات النفط، بين الدول الفاشلة، عبر الدبلوماسية المكوكية، وانعكست نتائج هذا التوقف بصورة سلبية على العديد من الأماكن بما فيها ليبيا، والآن وفي حالة طموحات إقليم كردستان، حان الوقت لمضاعفة الجهود بغية إنشاء حالات غير مسبوقة ومستدامة. وتم رفض مبدأ تقاسم عائدات النفط جغرافياً استناداً إلى الإجماع الشعبي، في الأيام الأولى من فترة إعادة إعمار العراق، وربما يرجع ذلك إلى الضرر الناجم عن تجربة محاولة إعادة صياغة هوية وطنية، ولمساعدة إقليم كردستان وبغداد لفتح طريق مقبول للتقدم نحو الأمام، ينبغي إيجاد حل جذري ودائم لقضية السيطرة على موارد النفط وتقاسم العائدات، بصورة سلمية وعبر مفاوضات ملزمة يمكن أن تتضمن دفع تعويضات او تقاسم العائدات الجارية استناداً إلى المداولات النهائية.

وتكون نتائج فشل المفاوضات الدبلوماسية في تحديد توزيع الموارد النفطية مدمرة على سكان المنطقة، وتعلمت الميليشيات في منطقة الشرق الأوسط جيداً، أنها تستطيع الإطاحة بسلطات القيادات السياسية عن طريق الاستيلاء على المناطق التي تحوي الموارد النفطية. وحتى الآن، ومن خلال حمأة الصراعات التي تدور في المنطقة، تعرضت صناعات النفط والغاز في كل من سورية واليمن، وإلى حد كبير في ليبيا للتدمير الكامل.

ويتعين على الولايات المتحدة النظر في دبلوماسية أكثر فعالية ونشاطاً من أجل مستقبل مدينة كركوك، على أمل أن تعمل المثابرة والإصرار على تحقيق نتائج أفضل من الجهود التي بذلت سابقاً.

آمي مايرز جاف : مديرة برنامج أمن الطاقة وتغير المناخ