تحول إلى حرب أهلية بسبب انعدام الحكم الرشيد

حلم جنوب السودان بالاستقــــرار والازدهار يتبخر

صورة

في عام 2011، ظهرت دولة جنوب السودان إلى الوجود بمزيج من الأمل والوعود البراقة، وبعد عامين ونصف العام من الاستقلال تحول الحلم إلى حرب أهلية أودت بحياة عدة آلاف من الناس، بينما احتشد عشرات الآلاف في مخيمات قذرة خوفا على حياتهم. وتقول الامم المتحدة إن شهرا واحدا من القتال أعاد البلاد إلى عقد من الزمان.

ظهرت هذه الدولة الوليدة إلى الوجود بفضل جهود الولايات المتحدة، الراعي الرئيسي للاستفتاء من أجل البقاء مع السودان أو الانفصال عنه، والذي صوت لصالحه 99% ممن شملهم الاستفتاء. أميركا أيضا هي الجهة التي منحت جنوب السودان مليارات الدولارات على شكل مساعدات، وربما كان دافعها هو احتياطيات النفط الكبيرة، ولكن في الوقت الراهن فإن الصين وليست الولايات المتحدة هي التي تهيمن على قطاع النفط.

هناك عامل آخر ساعد على انفصال الجنوب وهو جماعات الضغط التي تشكلت من الجمهوريين والديمقراطيين والاميركيين من أصول أفريقية، ونشطاء حقوق الانسان، والمحافظين الدينيين، وأشخاص مثل المبشر بيلي غراهام، الذي شبه وضع الحرب التي دامت 22 عاما على الجنوب المسيحي بأنها كفاح تاريخي ضد مسلمي الشمال، كل ذلك بغرض إغواء واشنطن لفصل الجنوب.

محادثات

http://media.emaratalyoum.com/images/polopoly-inline-images/2014/01/86976.jpg

محادثات السلام في إثيوبيا المجاورة لا تزال تراوح مكانها، والعديد من المراقبين غير متفائل بشأن السلام على المدى القصير والديمقراطية على المدى الطويل. ويبدو أن الصراع القى بكير في أحضان الرئيس السوداني، عمر البشير ورئيس أوغندا، يوري موسيفيني، الذي يقدم الدعم العسكري له.

الآن يعتقد كثير من المحللين أن ما يحدث في جنوب السودان هو افراز لتخبط «الإمبريالية الأميركية» في عملية بناء الدولة، والتي اصبح مصيرها كمصير أفغانستان والعراق. ويدعون أن الولايات المتحدة والتحالف غير العملي من الشركاء الدوليين، الذين مهدوا لاستقلال جنوب السودان، ركزوا كثيرا على « الحلول التقنية » مثل انشاء البنى التحتية وتقديم الخدمات - مع إهمال الحكم الرشيد، وتوزيع الموارد بالتساوي، والمصالحة بين ما وصفته مجموعة الازمات الدولية في 2010، بأنه « شبكة من التوترات العرقية العميقة الجذور ».

ناشط المجتمع المدني، ادموند ياكاني، وهو أيضا مدير المنظمة المستقلة «تمكين المجتمع من أجل التقدم» في عاصمة جنوب السودان جوبا، يقول« سافرنا إلى نيويورك وتحدثنا مع سفراء الأمم المتحدة، وسفيرة الولايات المتحدة في الأمم المتحدة، سوزان رايس، وطلبنا منهم عدم تجاهل الخلافات العرقية والتي كانت مختفية بسبب الحرب من أجل الاستقلال، لكنهم بدلا عن ذلك ركزوا على التنمية والاقتصاد، وقالوا لنا: ان المال يحل كل شيء».

ويضيف «كانت الأصوات التي تتحدث عن الحكم الرشيد أقلية، بل كانت مهملة ولم يعرها أحد منهم اذنا صاغية ». ويعتقد أن وسائل الإعلام ركزت على التنمية وتقديم الخدمات، ونسيت أن الحكم الرشيد يمثل التحدي الأكبر في جنوب السودان بعد الاستقلال، ويختتم حديثه قائلا «لم نمنح أنفسنا بعض الوقت للنظر في ذلك، ولم نتعلم من أخطاء السودان. »

لم تتحدث الولايات المتحدة أو الأمم المتحدة عن إخفاقات الرئيس، سلفا كير ميارديت منذ أن تبوأ المنصب بعد الاستقلال، وهو الذي أهدر الوقت والجهد والمال على نزاع حدودي مع السودان، واستعر العنف الطائفي في ظل حكومته التي فشلت في إحراز أي تقدم، وظلت تنفق 38% من عائدات النفط على الخدمات العسكرية والأمنية، بينما تذهب 10% فقط إلى البنية التحتية و 7 % للتعليم.

في أقل من عام بعد الاستقلال اكتشف سلفا كير بأن 4 مليار دولار من الأموال العامة تعرضت للنهب، وكتب في رسالة مفتوحة إلى المسؤولين الحكوميين قائلا « لقد حاربنا من أجل الحرية والعدالة والمساواة وعندما وصلنا إلى السلطة، نسينا ما حاربنا من أجله و بدأنا نثري أنفسنا على حساب شعبنا».

خصوم الرئيس يتهمونه بالفاشية، وتعزيز سيطرته على الأجهزة الأمنية والتهديد بالحد من تدخلات المنظمات غير الحكومية ووسائل الإعلام. احدى الصحف وجدت نفسها في ورطة لأنها تجرأت ونشرت صورة الرئيس أثناء محاولة مسح العرق من جبينه، والتي يبدو فيها وكأنه يمسح دموعه.

وزير التعليم السابق، بيتر أدوك نيابا، يقول انه لم يستطع مقابلة كير من يوليو 2012 وحتى اقالته في يوليو 2013. ويقول «ظلت الأمور تسير بشكل خاطئ في نظام التعليم، لكنني لم اتمكن من مقابلته لعام كامل»، ويقول نيابا، الذي ظل تحت الإقامة الجبرية منذ بداية أعياد الميلاد ، «كثير من الناس اشتكوا من نفس الشيء، وأعتقد أن وظيفته كرئيس للبلاد مسؤولية أكبر منه كونه غير قادر على معالجة الوضع الراهن، انه ليس سوى زعيم قرية».

حتى رئيس الولايات المتحدة تعرض لمعاملة غير لائقة من كير، ويتذكر أحد المسؤولين الاميركيين قائلا «أن كير عامل أوباما بشكل يرثى له، فقد كان من المفترض أن يلتقي الرئيسان في مقر الأمم المتحدة في نيويورك الا أن كير جعل أوباما ينتظره لمدة 20 أو 30 دقيقة، وعلق المسؤولون الاميركيون أن الرجل - يعني كير- ليس صديقنا ».

السلوك الاستبدادي المتزايد لدى كير زرع بذور الانقسام داخل حزبه الحاكم، الحركة الشعبية لتحرير السودان. في يوليو الماضي نصحه نائبه في ذلك الوقت، رياك مشار، بأن يتخلى عن الاستبداد والدكتاتورية، وأن يتغير. وبعد ثلاثة أسابيع من ذلك قام كير بإقالة مشار وبقية مجلس الوزراء.

في أوائل ديسمبر، عقد مشار والمعارضين الآخرين لكير مؤتمرا صحافيا كشفوا فيه تخطيطهم لمسيرة عامة يعبرون فيها عن استياءهم عن الحكومة، ويشرحون فيها أن الانتقادات الدولية لجنوب السودان قد خلقت أرضا خصبة للانتهازيين مثل الديمقراطيين. وفي 14 ديسمبر انسحب مشار وسبعة اخرين من اجتماع للحركة الشعبية. وفي اليوم التالي اندلع القتال داخل الحرس الرئاسي. واتهم كير نائبه السابق مشار بمحاولة الإطاحة به من خلال انقلاب. الا أن العديد من المراقبين استهجن هذا الاتهام.

ومع ذلك ركب مشار الموجة وقاد تمردا سرعان ما أخذ بعدا عرقيا سيئا. كير ينتمي إلى قبيلة الدينكا، وهي المجموعة الأكبر، بينما ينتمي مشار إلى قبيلة النوير، ثاني أكبر القبائل عددا. ويعتقد البعض أن كير استخدم المحاولة الانقلابية المزعومة ذريعة لإطلاق العنان للميليشيا الخاصة به، وسواء كانت تلك ذريعة أم لا فإن النوير هم الضحايا. مشار، الذي ارتبط اسمه بمذبحة الدينكا عام 1991، متهم بتأجيج القبلية وحشد قوة النوير المعروفة باسم « الجيش الأبيض ».

الا أن الكثير من الخبراء يشير إلى أن الدينكا والنوير تعايشوا بسلام في معظم فترات التاريخ وتزاوجوا من بعضهم البعض. وفي الواقع هناك خمسة من المعتقلين الأحد عشر المتهمين بالتآمر ضد كير هم من الدينكا، في حين أن حكومته تضم بعض النوير. الا أن ثلاثة من كل أربعة أشخاص في القرى في جميع أنحاء البلاد أميون، وكل مجموعة من هؤلاء تنظر إلى الآخرين من غير قبيلتها نظرة دونية. وحذر مساعد الأمين العام للأمم المتحدة لحقوق الإنسان، إيفان سيمونوفيتش في جوبا الجمعة الماضي أن « هناك وجهات نظر مختلفة في جميع أنحاء العالم حول هذا الامر، ولكن في الحقيقة أصبح الصراع يكتسب دوافع عرقية. »

ويتجلى هذا أكثر وضوحا في قاعدة الأمم المتحدة في جوبا، حيث كان يتكدس أكثر من 20 ألف من النوير بما في ذلك الأطفال الصغار. ويعتقد الكثيرون أن النوير هم الهدف في عملية التطهير العرقي، ويقول مسؤولون إن من تجرأ منهم على المخاطرة خارج البوابة بحثا عن الطعام والماء لقي حتفه في الحال.

محادثات السلام في إثيوبيا المجاورة لا تزال تراوح مكانها، والعديد من المراقبين غير متفائل بشأن السلام على المدى القصير والديمقراطية على المدى الطويل. ويبدو أن الصراع القى بكير في أحضان الرئيس السوداني، عمر البشير ورئيس أوغندا، يوري موسيفيني، الذي يقدم الدعم العسكري له. ويشعر كبار المسؤولين الاميركيين بالفجيعة مما حدث لأن حكومتهم استثمرت مهنيا وشخصيا في الدولة الجديدة .

طباعة