العراق وسورية يمثلان نموذجاً للعنف الدموي والصراع الطائفي

3 عوامل وراء نزاعات ومــصائب الشرق الأوسط

صورة

واضح للغاية أن الشرق الأوسط أصبح خلال الشهرين الأخيرين منطقة أكثرعنفاً على نحو غير طبيعي، فالعراق يعود ليصبح واحدة من أكبر وأخطر بؤر الحروب الأهلية الدموية في العالم، وتأتي بعده سورية التي تحتل المركز الأسوأ والمرتبة الأولى بجدارة. إن كثيراً من الأميركيين ممن يراقبون ما يجري في المنطقة يكادون يجزمون في اعتقادهم بأن ما هذا إلا بعض من نتاج أخطاء واشنطن وسياساتها بشكل أو بآخر، أو من نتائج النهج الغامض والسلبي لإدارة الرئيس الأميركي، باراك أوباما، الذي سمح بتوسع حال عدم الاستقرار وزيادة الفوضى رقعة وعمقاً.

وفي الواقع فإن آخر من تحتاجه هذه المنطقة هو المزيد من التدخل الاميركي.

ولا يحتاج إلى كثير من الذكاء اكتشاف ان الشرق الأوسط يغرق في صراع طائفي مقيت يشبه ذلك الصراع بين الكاثوليك والبروتستانت في أوروبا في عهود إعادة تشكيلها قبيل تشكّل دولها الحديثة، وتضرب جذور هذه التوترات التي تغذي هذا الصراع في عمق التاريخ والصراعات السياسية، وليس زوالها أو إزالتها بالأمر السهل.

المالكي والنظامان السوري والإيراني

http://media.emaratalyoum.com/images/polopoly-inline-images/2014/01/80599.jpg

«لأنه عاش عقدين من حياته في كل من سورية وايران فقد كان المالكي مقربا من النظامين في دمشق وطهران غير ان ادارة بوش انكرت كل هذه الأفكار والوساوس وقالت ان المالكي يعتقد بكل جدية بالديمقراطية والتعددية السياسية والحزبية . وتبدو آثار هذه السياسات الاميركية جلية تماما فالشيعة لا يتركون فرصة لقمع السنة وتهميشهم بمباركة من واشنطن وتاييدها».


مصر أيام عبدالناصر

كانت مصر بقيادة جمال عبدالناصر أكبر وأهم دولة في الشرق الأوسط، لكنها لم تكن طائفية، ولكن مع تركيز قيادتها في التفكير بطريقة علمانية في الزمن وما يشهده من تحوّلات، ومع مرور الأيام تبين فشل هذه الأنظمة، ما أدى إلى انسحابها من نظام إقليمي جديد وتفرق القبائل من حولها.

وثمة ثلاثة عوامل قادتنا إلى الوضع الراهن الذي نعيشه، أولها البنية الهيكلية لدول الشرق الأوسط: فقد تشكلت هذه الدول وخرجت إلى حيز الوجود على أيدي الدول والقوى الاستعمارية في نهاية الحرب العالمية الاولى، فقد أوجدت بريطانيا وفرنسا دول المنطقة، فالعراق على سبيل المثال تم إنشاؤه من جمع ثلاثة أقاليم عثمانية ودمجها، لما يجمعها من صفات وقواسم مشتركة. كما وضعت القوى الاستعمارية مجموعة من التعليمات والاجراءات والأحكام التي أصبحت استراتيجية بعد ذلك، ومنها ان كل نظام للأقلية يحتاج دائماً إلى دعم ومساعدة من قوة خارجية لمساعدته في الحكم وتصريف شؤونه، وهذا ما حدث بالنسبة لفرنسا التي لجأت إلى تكثيف توظيف وتجنيد أبناء الطائفة العلوية في سورية في ثلاثينات القرن الماضي وأربعيناته في مواجهة حركة المقاومة المتصاعدة ضد الاستعمار، والتي يقودها أبناء الاغلبية السنية من السوريين.

وثانيها: صعود تيار المد الأصولي الاسلامي، بما يحمله من قضايا كبيرة ومتشعبة، منها الحركة الوهابية في شبه الجزيرة العربية، والثورة الايرانية بقيادة الإمام الخميني، وإضعاف نزعة «التغريب» والاعجاب بالغرب ونمط حياته وفلسفته وثقافته وتهميشها، مع تنامي العلمانية في الجمهوريات والبلدان العربية، وتحولها إلى ديكتاتوريات عسكرية.

وكانت مصر بقيادة جمال عبدالناصر هي أكبر وأهم دولة في الشرق الأوسط، لكنها لم تكن طائفية، ولكن مع تركيز قيادتها في التفكير بطريقة علمانية في الزمن وما يشهده من تحولات، ومع مرور الايام تبين فشل هذه الأنظمة، ما أدى إلى انسحابها من نظام إقليمي جديد وتفرّق القبائل من حولها.

كما أن الرئيس العراقي السابق صدام حسين ظل على رأس العراق أثناء تحوله من النزعة العلمانية، التي تختفي معها الطائفية، إلى الطائفية الواضحة في التسعينات. وعملت النزعة الجديدة من الطائفية على تعزيز نماذج السيطرة، فحينما تسافر في الشرق الأوسط غالباً ما تستمع إلى أفكار من قبيل إن هذه الخلافات بين السنة والشيعة ما هي إلا اختراعات واختلاقات، وان الناس فيها طالما عاشوا معاً في انسجام وتفاهم وتكامل منذ قديم الزمان، وأن أبناء السنة هم غالباً الذين يرددون هذه الافكار ويقولون إن الشيعة نادراً ما كان لهم ظهور أو وجود في كواليس السلطة، وانهم كانوا يقنعون بوضعهم كمساعدين وتابعين.

والعامل الثالث هو التورط العميق لواشنطن في شؤون المنطقة: فغزو العراق في 2003، على سبيل المثال، والذي تم لمجرد قرار من الرئيس الأميركي جورج بوش بإسقاط الرئيس العراقي صدام حسين ونظامه، ساعد كثيراً في تأجيج الصراعات في الشرق الأوسط وتفكيك هياكل سنية كبيرة في المنطقة وتفتيتها وإضعافها، وإنشاء أحزاب شيعية دينية في العراق.

وكانت واشنطن في تلك الأيام منهمكة وغارقة في فكرة إعادة رسم وتشكيل الشرق الأوسط على حساب اهتمامها بالأبعاد الطائفية لما يجري.

وقد التقيت برئيس الوزراء العراقي الحالي نوري المالكي في حديث لم تكن له أية صفة رسمية في ذلك الحين (2005)، وقد وصفته بـ«الشيعي المتعصب» الذي يميل بهدوء إلى الانتقام من السنة، ويؤمن بإخضاعهم للعقوبات الجماعية، في سياق رغبته في تحقيق المصالحة الوطنية الشاملة بين كل العراقيين. ويبدو أن الأقلية السنية التي تواصل تمسّكها بأوهام السلطة بدأت تقاتل كحركة مقاومة وأصبحت أكثر تطرفاً وأصولية، كما أن القبائل السنية العراقية التي تربطها روابط الدم والثقافة والتاريخ مع قبائل السنة في سورية تتأثر بما يجري فيها، في حين أصبحت القبائل السنية السورية أكثر تشدداً وتطرفاً من خلال مراقبة ومشاهدة ما يحدث في العراق. وبعد اندلاع العنف الطائفي مجدداً في العراق برز بعض مسؤولي إدارة بوش ليجادل أن الولايات المتحدة كانت متورطة أكثر من اللازم في العراق، وأنها كانت تقاتل المسلحين السنة وتضغط على المالكي من أجل تحقيق أمور محددة. وحينما تكون النزاعات معقدة، وفي تفاقم طائفي وسياسي وديني متزايد فإنها لا تزيد النار في الشرق الأوسط إلا اشتعالاً.

فريد زكريا - كاتب ومحلل سياسي أميركي من أصل هندي، رئيس تحرير «نيوزويك» المقال منشور في «واشنطن بوست»

طباعة