بدأتا مرحلة «جس النبض» حول إمكانية جولة أخرى من المفاوضات

أميركا وإيران تبحثان سبل منع سقوطهمــا في المنطقة

بايدن: مستعدون لإجراء محادثات مباشرة مع إيران في ظل الظروف المناسبة. غيتي

لاتزال المسألة الإيرانية تنتظر الحسم في الوقت الذي بدأ فريق السياسة الأميركية الخارجية للفترة الثانية للرئيس الأميركي، باراك أوباما، يبلور أفكاره ومفاهيمه حول المنطقة، وعلى الرغم من أن كلاً من أميركا وإيران بدأتا تجسان نبض بعضهما بعضاً حول إمكانية عقد جولة أخرى من المفاوضات، إلا أن التوقعات لتحقيق أي انفراج تبقى في ادنى مستوياتها.

مع انعقاد مؤتمر الأمن في ميونيخ من الأول حتى الثالث من فبراير، أكد نائب الرئيس الاميركي، جو بايدن، أن الولايات المتحدة ستكون مستعدة لإجراء محادثات مباشرة مع إيران في ظل الظروف المناسبة، ورد وزير الخارجية الايراني، علي أكبر صالحي، بشكل إيجابي على العرض، لكنه حذر من أن ايران لن تلتزم بذلك إلا إذا أبدت واشنطن نوايا «عادلة وحقيقية» لحل القضايا موضع الخلاف بين الجانبين.

حدثت مثل هذه المغازلة الدبلوماسية بين الولايات المتحدة وإيران مرات قليلة على مدى السنوات العديدة الماضية، وكما حدث في المرات السابقة، فإن مثل هذه العروض العلنية يسبقها دائماً نفي لأي محادثات سرية تسبق المفاوضات (نفى المرشح الرئاسي السابق، ومستشار المرشد الاعلى للجمهورية الاسلامية، اية الله علي خامنئي، علي أكبر ولايتي، أنه التقى ممثلاً للولايات المتحدة في سلطنة عمان)، وفي الوقت نفسه، أعلنت إيران أنها ستجري مفاوضات مع مجموعة «خمسة زائد واحد» (فرنسا، بريطانيا، روسيا، الصين، والولايات المتحدة زائد المانيا بشأن الملف النووي الايراني)، في ‬25 فبراير في كازاخستان، لإظهار استعدادها للتوصل الى حل وسط بشأن القضية النووية كجزء من اتفاق أوسع نطاقًا. ووازنت إيران هذه التحركات الدبلوماسية مع إعلان اعتزامها رفع كفاءة أجهزة الطرد المركزي لليورانيوم بمنشأة «نطنز» لتخصيب اليورانيوم، وعلى الرغم من أن ذلك سيثير غضب إسرائيل، فإن مجرد زعم إيران تسريع برنامجها النووي سيكون دافعاً قوياً للتسريع أيضاً في المحادثات. الخطوة الأولى لأي مفاوضات هي تحديد المصالح المشتركة، وبالنسبة للولايات المتحدة وإيران، فإن تلك المصالح تطورت على مدى العقد الماضي، ففي عام ‬2003 تشاركتا في تحقيق مصلحة الاطاحة بالرئيس العراقي السابق صدام حسين، وتحييد تهديد «الجهادية السنية». وبحلول عام ‬2007 ساعدت ايران الولايات المتحدة في تخفيف عبئها العسكري في العراق، وفي عام ‬2011 أدركتا أن من مصلحتهما المشتركة تجنب حرب في مضيق هرمز، وفي عام ‬2013، في الوقت الذي تشظت المنطقة بشكل لم يسبق له مثيل، فان كلا من واشنطن وطهران بدأتا البحث عن وسيلة تمنع سقوطهما في المستنقع المتوقع والمتمثل في تقويض مكانتيهما في الشرق الأوسط.

توقيت

تعثرت المحادثات مرات عدة، بسبب قضايا تتعلق بالتوقيت، وبسبب القراءة الخاطئة للنوايا، والافتقار إلى التماسك السياسي أو عدد من أسباب وجيهة أخرى. وفي الحقيقة فإن التوقيت هو كل شيء، فكلا الجانبين بحاجة إلى تهيئة مناخ سياسي مواتٍ في الداخل لمتابعة المفاوضات المثيرة للجدل في الخارج، وما يعقّد الامور هو ان كل جانب يريد أن يتفاوض من موقع قوة.

في عام ‬2007، ادعت إيران بأنها لاتزال تعتقل الآلاف من القوات الأميركية رهائن جراء هجمات شنها عليهم وكلاؤها الشيعة المسلحين في العراق، كما أن إيران يمكنها في الوقت نفسه أن تهز أسواق الطاقة بمناورات عسكرية في مضيق هرمز.

في الوقت الراهن ينقلب المناخ الإقليمي ضد إيران، ففي عام ‬2012 استطاع «الثوار السنة» في سورية تحقيق بعض الزخم على الارض، نظراً لإصرار إقليمي متنام يهدف الى حرمان إيران موطئ قدم لها في بلاد الشام، كما أن موقف إيران في سورية ولبنان بدأ يهتز، وامتد الزخم السني الى العراق، واشتعلت الاحتجاجات السنية الضخمة ضد الحكومة الشيعية في بغداد.

الآن، لم تعد إيران تشكل خطراً استراتيجياً على المصالح الأميركية بالطريقة التي اتبعتها قبل بضع سنوات، وتبخر طموح إيران في تشكيل قوس نفوذ يمتد من غرب أفغانستان إلى البحر المتوسط، وأصبحت ايران في موقف دفاعي، تحاول جاهدة مساعدة حلفائها في البقاء على قيد الحياة في سورية ولبنان، وفي الوقت نفسه تضطر إلى تكريس المزيد من الموارد للتشبث بموقعها في العراق. وعلى الرغم من أن إنفاق إيران في الخارج آخذ في الارتفاع، فإن ميزانيتها في الداخل آخذة في التقلص تحت وطأة العقوبات، فقد انتقلت العقوبات التي تقودها الولايات المتحدة والاتحاد الاوروبي على مدى العامين الماضيين تدريجياً من سياسة عقابية موجهة ضد أفراد وشركات الى حظر تجاري شبه كامل، دفع بعض المسؤولين الايرانيين على الاعتراف علناً بأن عائدات النفط الايراني انخفضت أكثر من ‬40٪.

أزمة ثقة

يبدو أن الولايات المتحدة تسعى لاتباع استراتيجية تمنح المفاوضات فرصة أخرى، وتتوقع أن تتجاوز هذه المحادثات القضية النووية الحالية. وتقول إيران بشكل متكرر إنها لا تثق بالولايات المتحدة، لأن واشنطن لا يمكنها ان تتحدث بصوت واحد. ففي حين أن الإدارة الأميركية، على سبيل المثال، سعت للتفاوض في الماضي، شدد الكونغرس العقوبات الاقتصادية، وحاول إدراج بعض البنود التي تحول دون أي تراجع عن العقوبات. وساعد الضغط الاقتصادي الناتج عن العقوبات الولايات المتحدة على تحصين موقفها التفاوضي، إلا أن الإدارة الاميركية حاولت التمسك بالخيارات عن طريق حفاظها على قائمة عقوبات، تستطيع الغاؤها مرحلة بعد الاخرى، بناءً على التقدم الذي تحرزه المفاوضات.

قد تتطلع واشنطن إلى أوروبا لممارسة مزيد من المرونة لتلبية احتياجات المفاوضات. وفي أحدث واقعة تجاهلتها وسائل الإعلام الرئيسة، أصدرت المحكمة العامة للاتحاد الأوروبي يوم ‬29 يناير الماضي قراراً بإبطال العقوبات ضد «بنك ملي»، أحد أكبر البنوك التجارية في إيران، الذي يشارك في المقام الأول في تمويل قطاع الطاقة الايراني الحيوي، وصدرت العقوبات على البنك في عام ‬2010 بناءً على مزاعم بأنه كان أحد البنوك المملوكة للدولة والمشاركة في أنشطة إيران النووية، إلا أن محكمة الاتحاد الأوروبي قضت الآن بأنه لا توجد أدلة كافية لربط البنك بالبرنامج النووي. وعلى الرغم من أن ايران تزعم خصخصة البنك بالكامل منذ ‬2010، فمن الصعب ألا نصدق أنه لا يحتفظ بروابط حيوية مع النظام، وتقول الشائعات إن الكثير من عقوبات الاتحاد الأوروبي قد تدخل قائمة البطلان.

نظراً إلى استحالة سد جميع الثغرات القانونية، فإن المراقبة تلعب دوراً حيوياً في دعم أي نظام للعقوبات، فعلى مدى العامين الماضيين، أبلغت الولايات المتحدة -بالتنسيق مع الاتحاد الاوربي - التجار والبنوك وشركات التأمين في جميع أنحاء العالم، بأن ممارسة أي أعمال تجارية مع إيران قد تعرض للخطر قدرتهم على العمل في الاسواق الغربية، ونتيجة لذلك انصاع عدد كبير من رجال الأعمال لهذا التهديد، أو على الأقل قلصوا تفاعلهم مع شركات ايرانية رائدة، إلى الحد الذي عانت فيه إيران تراجعاً كبيراً في إيراداتها، لكن نظراً إلى طبيعة السوق التي تتطلع إلى مزيد من الفرص، فمن الصعب جداً سياسياً الحفاظ على هذا المستوى من الضغط الاقتصادي على فترة ممتدة من الزمن، وكلما اشتدت العقوبات، التي بدأت تشبه الحظر التجاري، أكثر، أصبح لإيران مبرراً لمزاعمها بأن العقوبات تضر المدنيين الإيرانيين اكثر من الحكومة، كما أن احتمال إلغاء مزيد من العقوبات في المحكمة في الأشهر المقبلة قد يفرغ حملة الغرب الاقتصادية ضد إيران من مضمونها، ويمنح المزيد من الشركات الثقة لكسر الحصار، لكن إذا كان القصد من العقوبات هو إجبار إيران على الجلوس الى طاولة المفاوضات في المقام الأول، فستكون الادارة الاميركية على استعداد لاتخاذها.

وتسعى الولايات المتحدة للحد من عدد المخاطر المجهولة في هذه المنطقة المضطربة من خلال التوصل الى تفاهم مع ايران. والمفارقة هي أنه مع أو من دون هذا الفهم، فإن موقف إيران في المنطقة يزداد ضعفاً على ضعف. وحتى لو افترضنا أن واشنطن ليست في حاجة ماسة لهذه المفاوضات، كما هي الحال مع إيران، فنعتقد أن فترة الرئاسة الاميركية الثانية فرصة مناسبة لإعطاء هذا الحوار دفعة أخرى.

ريفا باهلا- نائبة رئيس الشؤون الخارجية في مركز ستراتفور  

تويتر