مواجهات طائفية متنامية.. والتفاوض أمر لا مفر منه

التناقضات السورية: حروب معقّدة في صراع واحد

«الجيش الحرّ» يسيطر على بعـض الأراضي إلا أن تقدمه لايزال بطيئاً لغياب الدعم الدولي. رويترز

جاءني صوته غاضباً من الطرف الآخر: «عار عليكم»، كان أحد المفكرين السوريين الذي اتصل على هاتفي بعد نصف ساعة من مغادرتي دمشق إلى بيروت، لم تكن عباراته متماسكة من شدة الغضب، وكان من الصعب علي ان افهم اعتراضاته بشكل دقيق، لكن يبدو أن ذنبي هو أنني سافرت الى دمشق، وتحدثت إلى أعضاء الحكومة السورية، وخلصت إلى أن النظام لن ينهار في أي وقت قريب.

لم تتسم محادثاتنا بمعيار فكري عالٍ، وإنما بتبادل العبارات اللاذعة، وقلت له لماذا يتحدث بهذا الشكل، ولماذا «لا تكف عن الاساءة لشخص مثلي وتذهب إلى حلب وتحارب بجانب الثوار بدلا من قضاء كل وقتك في المقاهي في بيروت»؟ وبعد ذلك بوقت قصير أغلق كلانا الهاتف النقال في وجه صاحبه.

ويبدو أن التكهنات الاعلامية والدبلوماسية في الخارج، بالفوز الوشيك للمتمردين والهزيمة النكراء للرئيس السوري بشار الأسد، تجاهلت نقطة مهمة هي أن قوات الأسد مازالت تسيطر، كلياً أو في الجزء الاكبر من البلاد، على جميع المدن والبلدات الرئيسة في سورية.

الفرق في التصورات داخل دمشق وخارجها يفسرها جزئياً طريقة تناول وسائل الإعلام الدولية والإقليمية للحرب الدائرة هناك، فهناك عدد قليل من الصحافيين الأجانب في العاصمة السورية، لأنه من الصعب عليهم الحصول على التأشيرات، وعلى النقيض من ذلك، فإن لدى الثوار وسائل اعلام متطورة للغاية، تتخذ كثيرا منها من الدول الأخرى مقراً لها، والتي توفر تفاصيل دقيقة عن كل حادثة، مدعومة في كثير من الأحيان بلقطات مقنعة وانتقائية على موقع «يوتيوب».

مأزق سياسي وعسكري

ويتضح أن رواية الثوار عن مجرى الأحداث تنحاز بشدة الى جانبهم وتشوه صورة الحكومة السورية، والأمر الأكثر إثارة للدهشة هو استعداد وسائل الإعلام الدولية، التي تتخذ من بيروت وفي كثير من الأحيان لندن ونيويورك مقراً لها، لتصديق رواية الثوار التي هي في الأساس دعاية لهم ذات نوعية جيدة، ويبدو الأمر كما لو ان الصحافيين الاجانب، قبل انتخابات الرئاسة الأميركية في نوفمبر الماضي، لم يتمكنوا من الحصول على تأشيرات لدخول الولايات المتحدة وقرروا بدلا من ذلك الاعتماد على ميليشيات الحزب الجمهوري للحصول على معلومات بشأن الحملة الرئاسية، وعلاوة على ذلك يبدو كأن نشطاء الحزب الجمهوري يتخذون من المكسيك وكند مقرا لهم.

صحيح أن هناك أصوات مدفعية في دمشق، لكن لم تتم محاصرة المدينة حتى الآن، كما أن الطرق المؤدية من الشمال إلى حمص، ومن الجنوب الى درعا مفتوحة، وكما هي الحال ايضا مع الطريق المؤدية إلى بيروت. وعندما يسيطر الثوار على منطقة ما فإن مدفعية الحكومة تدكها فتقتل بعضا وتجبر البعض الآخر على الفرار. وبالنسبة لأولئك الذين يعيشون في المناطق غير المتضررة من العاصمة يعتريهم خوف متزايد مما يخبئه لهم المستقبل، جنبا إلى جنب مع صعوبات المعيشة اليومية المتزايدة بسبب قطع الكهرباء ونقص الخبز وغاز الطهي.

بالفعل يحرز الثوار بعض التقدم على أرض الواقع، لكن على وجه العموم يواجه السوريون مأزق سياسي وعسكري، فقد تعثرت هجمات الثوار على حلب ودمشق، لكن لم يكن لدى القوات الحكومية القوة الكافية لدفعهم للخروج من الجيوب التي سيطروا عليها.

وفي الشمال على وجه الخصوص، فإن الثوار يسيطرون على الأرض في المناطق الريفية حول حماة وحلب، إلا ان تقدمهم لايزال بطيئا.

تحولت الثورة إلى حرب أهلية، انتفاضة السوريين ضد الدولة البوليسية القاسية، والتي بدأت في مارس ‬2011، تنظر بنحو متزايد إلى العلويين والمسيحيين والدروز وغيرهم من الأقليات على انهم مجموعات طائفية تهدف إلى القضاء عليها.

ويتساءل الضباط العلويون عن المصير الذي ينتظرهم إذا انهزم الأسد. وفوق كل ذلك تخشى الطبقة الوسطى في المناطق الحضرية من الفوضى لدى رؤيتهم حلب يتم تدميرها، ويتوجسون خيفة من ان يحدث الشيء نفسه لدمشق.

عندما وصلت الى العاصمة في بداية الشهر سألت صديقاً عن المزاج العام في المدينة، فأكد لي ان «‬15٪ موالون للحكومة، و‬15٪ ضدها، و‬70٪ يريدون لهذه الحرب ان تتوقف قبل أن تقضي علينا جميعاً».

ونطرح السؤال الآتي: هل هناك طريقة للخروج من المأزق الحالي؟ يبدو أن الامور لا تسير في ذلك الاتجاه، وما لم يحصل الثوار على مساعدات ضخمة من التدريب والمال والسلاح، فلن يكون لذلك تأثير حاسم في الفور.

وبدلاً من ذلك فقد كانت كل من واشنطن ولندن تتوقان منذ فترة طويلة لانشقاق في القيادة السورية، لكن لم يحدث هذا حتى الآن، على الرغم من حدوث سلسلة من الانشقاقات، والتي حظيت بتغطية إعلامية في الأسابيع الأخيرة، فإن تلك الانشقاقات لم تأت من صميم النظام.

تعقيدات

ويشتعل الحنق من الحرب الأهلية شراسة اكثر من أي وقت مضى، ووصلت الحرب الأهلية، ومنذ فترة طويلة، إلى مرحلة ما نطلق عليه في ايرلندا الشمالية اسم «فظاعات سياسات الماضي»، التي يجري فيها الكثير من حمامات الدم، من اجل الوصول الى التفاوض والتسوية.

وتتسم سياسة الولايات المتحدة وحلفائها بالغرابة على نحو متزايد، فمن جهة يعترفون بالتحالف الوطني المعارض كحكومة شرعية في سورية، لكنهم من ناحية أخرى يوصمون قوات المعارضة الأكثر فعالية، وهي جبهة النصرة (الإسلامية)، بأنها «منظمة إرهابية» مرتبطة بتنظيم القاعدة.

وكما هي الحال في العراق بعد عام ‬2003، أصبحت سورية نقطة جذب للمقاتلين الجهاديين من جميع أنحاء العالم المسلم.

وتبدي واشنطن فتوراً حيال أي انتصار عسكري يسجله الثوار، والذي من شأنه أن يعزز الميليشيات الجهادية، ويشل إدارة الدولة السورية.

المشكلة التي تواجه سورية في هذه الأزمة هي ان العديد من الصراعات اندرجت تحت صراع واحد، فالأنصار العلمانيون للثورة يؤكدون أن الانتفاضة هي عبارة عن «الشعب ضد النظام»، وهم بذلك يقللون من شأن طبيعتها الطائفية، ويدعون بأن هذا المفهوم يتم تضخيمه من قبل الحكومة.

لكن علينا ان نعي أن الطائفية والديمقراطية تتشابكان في سورية، تماما كما كانت عليه الحال في العراق.

ففي العراق، فإن أي انتخابات نزيهة تعني وصول الأغلبية الشيعية الى الحكم بدلا من السنة، وفي سورية فإن ذلك يعني أن ‬70٪ من الموطنين السنّة سيحلون محل الاقلية العلوية وحلفائها.

وفي كلا البلدين، كان التغيير الديمقراطي، أو سيكون، عقبات طائفية موقوتة، لأن حكم الأغلبية يعني تغييرا في المجموعة المتمسكة بالسلطة.

من الصعب علينا التكهن بحدوث اختراق في المأزق الحالي، وتشبه كل من دمشق وحلب وحمص على نحو متزايد بيروت خلال الحرب الأهلية التي استمرت ‬15 عاما، فبعض أجزاء من هذه المدن تتشبث بالحياة الطبيعية، في حين انه وعلى مسافة غير بعيدة يختبئ القناصة في مخابئهم في المباني التي دمرتها نيران المدفعية، ولا يستطيع أحد الطرفين تسجيل نصر على الآخر، ويصبح أمراء الحرب، صغيرهم وكبيرهم، هم الحكام الفعليون للبلاد.

وفي حلب، التي تعتبر القلب التجاري السوري، يصبح هم الثوار الرئيس نهب المدينة بعد احتلالها، وتحط عسكرة الانتفاضة من هدف الديمقراطية السامي الذي اشتعلت من اجله الانتفاضة، وللحيلولة دون التدخل الأجنبي تصبح التسوية عن طريق التفاوض أمراً لا مفر منه، على الرغم من أن ذلك قد يستغرق وقتاً طويلاً.

باتريك كوكبرن صحافي ومراسل أيرلندي

 

طباعة