تحولت إلى واحدة من أشهر مناطق سياحة صناعة الحرب زمن الانفتاح على الغرب

أنفاق كوتشي.. «الشاهد الغائـــب» على أهوال الحرب الفيتنامية

صورة

الحرب جحيم في أفضل الأوقات، فكيف إذا كانت تحت الأرض في ظلمة وسخونة الأنفاق التي لا يزيد ارتفاعها على طول رجل يسير القرفصاء وليس معتدل القامة؟

كان من التكتيكات التي اشتهرت بها الثورة الفيتنامية وسجلت نجاحاً منقطع النظير تكتيك حرب الأنفاق، الذي أصبح علامة مميزة لمقاومة الفرنسيين، ثم الأميركيين. وتمثل حرب الأنفاق تجانساً بين المقاتل الفيتنامي والتضاريس الفيتنامية، إذ سخرها لمواجهة الجنود والأسلحة والآليات، والاعتصام من الغازات والقنابل الدخانية.

تُعَد أرض المثلث الحديدي، الواقعة بين نهرَي فام كو دونغ وسايغون (هوشي منه حالياً)، وعلى الطريقَين 1 و،13 واحدة من أشهر المناطق التي طبق فيها تكتيك «حرب الأنفاق»، ولاسيما كوتشي، قاعدتها الرئيسة، إذ حفر الثوار زمن المقاومة الأولى أنفاقاً وممرات عديدة، وصل طولها إلى 45 ميلاً، طالما حاول الأميركيون السيطرة عليها مستخدمين أحدث ما يملكون من أسلحة وتجهيزات، لكنهم فشلوا في ذلك.

فخاخ

لعرقلة تقدم القوات الأميركية المذكورة، استنبط الثوار سلسلة من الفخاخ والمصايد خارج الأنفاق وداخلها، استخدمت فيها الإمكانات المحلية المتاحة. وكانت القنابل اليدوية هي سلاح الثوار الرئيس في مواجهة الجنود المغيرين داخل الأنفاق. وهم أكثر قدرة من الأميركيين على المناورة لتمكنهم من التحرك الحر من الزحف إلى القرفصاء إلى السير بطريقة البط.


هيو السياحية

تعد هيو - العاصمة القديمة المألوفة لعدد كبير من الأميركيين، نظراً لأنها كانت مسرحاً للقتال الكثيف في ما يعرف بـ«هجوم تت» عام 1968 -حضناً لشبكة رحلات الحرب السياحية. كما تم تحويل موقع مذبحة «ماي لاي» التي ارتكبها الاميركيون بحق الفيتناميين إلى حديقة بارزة، بمقبرة ومتحف، ورواة محترفين، ولوحة تذكارية كتب عليها «نحن نكره الغزاة الاميركيين للأبد».


هدايا كوتشي

في كوتشي يقابل الزائر لافتة ضخمة كتب عليها «من فضلك حاول أن تكون أحد ثوار كوتشي، ارتدِ هذه الملابس قبل دخول النفق». بيجامة سوداء، خوذة لب الاشجار، صندل المطاط، كما تتوافر بنادق قديمة. وتتوزع بين الأمكنة حفر بحجم حوض السباحة كتب عليها: «حفرة بي - 52». وتتوزع بين الغابات اكشاك بيع الهدايا التذكارية التي تبيع أشياء مثل ولاعة مصنوعة من رصاصة، قلم مصنوع من رصاصة، رصاصة في سلسلة مفاتيح، صندل مطاطي، قمصان تي شيرت كثب عليها «لقد زرت أنفاق كوتشي».

استطاع الثوار خلال عامَي 1960 و،1961 أن يبنوا في كوتشي، القريبة من العاصمة، شبكة أنفاق وممرات وخنادق، تصل بين أربع قواعد عسكرية مهمة، وصلت أطوالها إلى 200 ميل في منطقة متماسكة التربة، وباستخدام وسائل حفر بدائية، وقد اشتهرت قاعدة كوتشي عالمياً بعد فشل القيادة الأميركية في مسحها من على الوجود، وتحويلها إلى منطقة بيضاء. وشارك ثوار كوتشي ومقاتلوها في هجوم الربيع الاستراتيجي، حينما أغاروا على القواعد والمطارات المجاورة، طوال عام ،1968 فدمروا عشرات الطائرات ومئات الآليات، واستمروا في تصعيدهم حتى حملة تحرير سايغون. وهكذا استحقت كوتشي لقب «الأرض الفولاذية»، الذي منحتها إياه قيادة الثورة.

وكان للأنفاق وظيفة دفاعية وهجومية، كما أن لها أهمية في مرحلة التحضير والإعداد للهجمات الاستراتيجية. فما هي مواصفاتها؟ ولماذا استعصت على التكنولوجيا الأميركية؟

الفكرة الأساسية للأنفاق بدائية جداً، لكن تنفيذها احتاج إلى صبر وقدرة على التحمل، وعزم وعناد، إضافة إلى بعض الأدوات البدائية المتوافرة في كلّ الأزمنة والأماكن.

وكان نظام الأنفاق العلوي يجمع بين كلّ خمسة منازل (في المتوسط) في جماعة واحدة، ليكون تحت كلّ قرية عادية قرية سرية مقاتلة، تحتوي على مواقع وخنادق حلزونية، تصلح للقتال، دفاعاً أو هجوماً، وأماكن للنوم والطبخ والعلاج، وأنواع عدة من المخازن للتموين والإمداد والتجهيزات. وكانت مطابخ إمداد من يسكنون الأنفاق بالطعام تبنى دائماً بالقرب من السطح، ولكن بمداخن طويلة حفرت في الارض، لإبعاد الدخان عن نيران الطبخ، وإطلاقه على مسافة بعيدة. وتوافرت في بعض المناطق إمكانات لاستقبال العشرات من سكان القرى العلوية العاجزين، وكبار السن والأطفال، والماشية، خلال فترة الاشتباكات والقصف. كذلك أقيمت بعض المعامل والمصانع والمطابع، وجمعت الآليات داخل تلك الأنفاق.

وبهدف مواجهة آثار القنابل الثقيلة وقاذفات بي ،52 روعيت في بناء بعض الانفاق مواصفات جديدة، لتكون على عمق 12 متراً تحت سطح الأرض، ولها منافذ كافية للتهوية، ويمتد بعضها تحت مناطق ومراكز تابعة للقيادة الأميركية أو السايغونية في المنطقة، فتتجنب القصف الجوي.

ويختلف نظام الأنفاق وخرائطها ومنافذها ومخارجها من واحد إلى الآخر، ومن منطقة إلى أخرى، وبذلك يصعب الاستفادة من سقوط أحدها في السيطرة على الأخرى. كذلك أبدع الفيتناميون في عمليات الإخفاء والتمويه بما لا يؤثر في فوهات التهوية.

وبدءاً من عام 1948 خلال حرب الاستقلال عن الفرنسيين، اتسعت مساحة رقعة الأنفاق ببطء، وكل واحد من الانفاق الضيقة كان يحفر يدوياً، وأحياناً بمعدل متر واحد أو مترين يومياً، ومع اتساع رقعة مساحة الانفاق أضيفت لها مخازن أسلحة، مستشفيات، مخابئ من القصف، وحتى مسارح تعرض عليها أعمال مسرحية بغرض رفع الروح المعنوية للمقاتلين.

وبينما كانت تحفر بصمت تحت أقدام الأميركيين، ربطت الانفاق الجيوب المعزولة للأراضي التي يسيطر عليها الفييتكونغ، ما مكن الثوار من شن هجمات مباغتة، ومن ثم الاختفاء بسرعة كبيرة دون ترك أي أثر.

ومن الصعوبات التي واجهت الأميركيين، إضافة إلى قلة خبرتهم في هذا المجال، صغر حجم أجسام الفيتناميين، اذ فُصلت الخنادق والممرات على قياسها، بينما وقفت الأجسام الأميركية عاجزة عن المناورة، فاضطرت القيادة الأميركية إلى تدريب قوات خاصة، أُطلق عليها وحدات «جرذان الأنفاق»، مهيأة نفسياً وجسدياً لاقتحامها.

وعادة ما كان فئران الأنفاق مجردين من الملابس حتى الخصر، ومسلحين بمصباح ومسدس فقط، وكانوا يقضون ساعات طويلة في المرة الواحدة بحثاً عن الثوار داخل الانفاق الرطبة المظلمة، دون نجاح يذكر للعبة الاختباء والبحث. ومع كل تحرك كان الفئران يتحسبون لأي عرق شجرة أو سلك يمكن ان يكون مفخخاً أو يوصل الى شرك قاتل، وبعضهم مات اثناء ذلك، وكثيرون منهم سحبوا من داخل الانفاق وهم يصرخون من السواد الحالك.

هذه كانت حقيقة حرب أنفاق كوتشي، القلعة الحصينة لقوات الفييتكونغ «القوات الموالية للشماليين الشيوعيين التي أشعلت الحرب ضد الاميركيين في فيتنام الجنوبية»، تحت الارض، التي حفرت تحت ادغال جنوب فيتنام، والتي غطت في ذروتها مساحة 250 كيلومترا من الحدود الكمبودية في الغرب الى ضواحي ما كان يعرف حينها باسم سايغون.

المشهد يتغير

واليوم بعد أكثر من 40 سنة على نهاية الحرب الفيتنامية، فإن معظم ما كان يعرف بنظام شبكة الانفاق قد انهار، لكن منطقة بالقرب مما سمي «قرية بن ديوك البطلة» قد تم الحفاظ عليها، كما تم توسيع قسم من الانفاق لاستيعاب الاعداد الكبيرة من السياح الغربيين. وقيل إنه تم رشها ببخاخ يبعد الأفاعي والزواحف والقوارض والعقارب، وما شابه مما كان يستخدم ذات يوم في حرب الانفاق ضد الاميركيين.

وأول ما يجد الزائر في استقباله قرقعة وصكيك الاسلحة الاوتوماتيكية، وفتيات يرتدين بيجامات سوداء اللون - لباس قوات الفييتكونغ - يتبخترن عبر أشجار الغابات، ويشق رجل بلباس عسكري اخضر اللون طريقه عبر ممر ضيق يقود الى مجموعة صغيرة من السياح الاجانب.

ويعد موقع أنفاق كوتشي اليوم أحد أشهر مناطق الجذب السياحي في البلاد، وهو جزء من سياحة صناعة الحرب الجديدة. وفي بعض الاحيان تبدو مثل هذه المواقع تذكارات دعائية للحرب.

ويقود الرجل بلباس الحرب الاخضر السياح الى كوخ مفتوح، بينما الفتيات يرشدنهم الى أماكن جلوسهم أمام شاشة تلفزيون كبيرة تعرض مشاهد من الحرب الفيتنامية: طائرة بي - 52 وهي تلقي حممها من القنابل، والقرويون الآمنون يهربون مذعورين بحثاً عن مأوى، والثوار الشيوعيون يردون الهجوم.

ولمن لم تصله الرسالة من المشاهدين الجالسين، يقول متحدث: «كوتشي ارض الحدائق الغناء، والاشجار الباسقة، والحياة الهانئة الهادئة.. تتعرض فجأة لهذه القاذفات الاميركية التي لا ترحم، بعد ان قررت قتل سلام الريف، إذ ألقت حممها مثل مجموعة شريرة من الشياطين على النساء والاطفال بعد ان قرر الاميركيون تحويل كوتشي الى ارض محروقة، لكن كوتشي لن تموت».

ولتشابك الماضي والحاضر سوياً، فإن اطلاق النار في الفيلم يختلط بصوت اطلاق النار الحية في ساحة قريبة من الكوخ الذي يعرض فيه الفيلم، إذ يمكن للزائر دفع ما يعادل دولاراً واحداً مقابل رصاصة يطلقها من بندقية عيار «ايه كي -47».

ومنذ انتهاء الحرب عام 1975 بانتصار شيوعي، أعادت فيتنام البناء وانتقلت إلى الامام، ومن المستحيل مشاهدة شخص عادي يتحدث بلغة من يتحدث في الفيلم السينمائي الذي يعرض في كوتشي. وحتى الفتيات ذات اللباس الاسود، اللاتي يعملن مرشدات وحارسات للمكان، يرفضن الحديث بهذه اللغة القاسية، ويكررن لغة الخط السياسي الذي تنتهجه الحكومة الفيتنامية الآن: كلنا أصدقاء. ولكن في صراعهم الجديد للحصول على النقد الاجنبي، فإن الفيتناميين يستثمرون تاريخ نضالهم، ويعرضون زيارات على أماكن نسيها البعض منذ فترة طويلة، وحفرت في ذاكرة البعض الآخر ممن عاشوا أهوال تلك الحقبة، فمعظم زوار كوتشي هم من الاجانب، إضافة الى طلاب مدارس مع معلميهم.

ويلي أنفاق كوتشي على رأس قائمة المواقع السياحية لمدينة هو شي منه، الواقعة على بعد 45 ميلاً جنوب شرق فيتنام، «متحف بقايا الحرب»، الذي يعرض قطع أسلحة غنمها الفيتناميون من الاميركيين، مع صور أهوالها، والذي تغير اسمه قبل سنوات قليلة، مع تبدل الاوقات والازمنة، بعد ان كان «متحف جرائم الحرب الاميركية». ولابد من الاشارة هنا الى ان عدداً كبيراً من زوار هذه المواقع، مثل غالبية المرشدين، صغار في السن ولم يشهدوا الحرب، باستثناء عدد قليل من السياح الذين يفدون من الولايات المتحدة. فبالنسبة لمعظم الناس الذين يفدون الى كوتشي، فإن الحرب حدث بعيد يثير الفضول للتعرف إلى شيء من تفاصيله.

طباعة