الجغرافيا دعمت التاريخ في الحفاظ على الوحدة الوطنية

سورية.. بلـد متعــدّد الأديـان فـي انسجام طائفي

الموفد الدولي عنان أثناء لقائه رؤساء الطوائف. إي.بي.إيه

استدعت الثورة السورية ضد نظام الرئيس بشار الأسد التي احتفلت، أخيراً، بمرور عام على انطلاقتها، الحديث عن الطوائف الدينية في هذا البلد المحوري في المنطقة. نظراً لإيحاء دمشق، منذ انطلاق شرارة التظاهرات في درعا، بأن ما يحصل في سورية هو محاولة لإثارة الفتنة الطائفية، كما صرحت المستشارة السياسية والاعلامية للرئيس السوري بثينة شعبان، على الرغم من ان التظاهرات تلك لم تكن تطالب سوى بالإصلاح ومكافحة الفساد فقط، ولم تكن ترقى إلى المناداة بإسقاط النظام، إلا بعد لجوء هذا النظام إلى اعتماد الحل الأمني ومن ثم العسكري ايضا بكل وحشية ضد المتظاهرين العزل والناشطين السلميين على امتداد الأراضي السورية. وكما تمسك النظام بالحل الأمني سبيلا وحيدا للحل، تمسك بادعائه برواية الفتنة الطائفية، وعمل على اذكائها عبر وسائل اعلامه والمتحدثين باسمه في كل مناسبة، مع التركيز على أن من يريدون اشعال هذه الفتنة يسعون لتنفيذ «أجندات خارجية»، لجهات تتربص بالبلد «المقاوم والممانع»، وتسعى إلى تفتيته، لكن وعي الشعب السوري غير الطائفي بطبعه وطبيعته عبر التاريخ تصدى لمثل هذا الادعاء، ونادى في كل التظاهرات «واحد واحد واحد.. الشعب السوري واحد». لكن المعالجة الأمنية المقصودة من قبل الأمن والشبيحة الموالين للنظام في مناطق محددة كحمص مثلا، ساهمت في اظهار نزعات طائفية بدأها النظام وأنصاره وحاول التركيز عليها لتأكيد روايته «حول الفتنة وأهدافها»، والعمل على اظهار أن الصراع طائفي، على الرغم من جوهره السياسي، في محاولة لإخافة الأقليات الدينية ودفعها للوقوف إلى جانب النظام الذي دأب على اظهار نفسه حاميا للأقليات ليس في سورية وحسب، بل في المنطقة ككل، وأن نجاح الثورة سيؤدي إلى «القضاء عليهم أو ابادتهم»، أو جعلهم تابعين خانعين في أفضل الحالات، على الرغم من أن تاريخ سورية الحديث لم يخل من نزعات طائفية محدودة ظهرت هنا وهناك، لكنها لم تصل يوما إلى الحد الذي يروج له النظام، لان الشعب السوري اعتاد على العيش المشترك بين جميع مكوناته. وما تجدر الإشارة إليه هنا، أن المحاولة الأبرز في اثارة النزاعات الطائفية كانت على يد الانتداب الفرنسي الذي سعى إلى تقسيم سورية إلى دويلات طائفية، لكن وعي الأغلبية الوطنية بمخاطر المخطط أسقطه، على الرغم من أنه دغدغ مشاعر البعض هنا أو هناك.

لمشاهدة المخطط بشكل واضح يرجى الضغط على هذا الرابط

عود على بدء، فقد وضع النظام السوري إخافة الأقليات نصب عينيه منذ اندلاع الاحتجاجات، واستحضر لذلك أحداث حماة عام ،1982 بكل تفاصيلها، لاظهار أن «عصابات مسلحة»، و«إرهابيين» يريدون تدمير العيش المشترك وإقامة دولة ظلامية من طائفة واحدة تشكل الاغلبية وتريد اخضاع الجميع، على الرغم من أن سورية لم تكن كذلك يوما، بل ان المجتمع نفسه لطالما نبذ، ولم يزل، كل الدعوات والآراء التي تحمل افكاراً متشددة.

ولأن التوزع الجغرافي للأقليات في سورية يجعل مناطق محددة ذات أغلبية طائفية معينة من الاقليات، فقد عمل على تحييد تلك المناطق بكل الوسائل، على الرغم من مشاركة نشطاء من الاقليات في الحراك الشعبي الداعي لإسقاط النظام، لكن ذلك لم يمنع من خروج تظاهرات حاشدة ضده في مناطق الاقليات نفسها، ومنذ بداية الثورة، كما حصل في مدينة السلمية ذات الاغلبية من الطائفة الاسماعيلية.

الطوائف وتوزيعها

والحديث عن نسبة كل طائفة في سورية مجال تشكيك بين الباحثين، نظرا لعدم وجود احصاءات حديثة حول الموضوع، ويعود آخر احصاء رسمي إلى العام ،1986 الذي بين أن نسبة المسلمين السنّة تبلغ 76.1٪، و11.5٪ علويون، و3٪ دروز، و1٪ إسماعيليون، و4.5٪ مسيحيون، و0.4٪ شيعة اثني عشرية. وهناك باحثون يشككون في دقة هذه النسب، ويرون أن نسبة السنّة في سورية لا تقل عن 80٪.

ويقول نائب الرئيس السوري السابق عبدالحليم خدام، إن السنّة مع الأكراد يمثلون ما نسبته 85٪، إلى جانب 9٪ من العلويين، و5٪ من المسيحيين (بعد أن هاجر كثير منهم).

وفي التقديرات الأميركية فإن 77٪ من السكان مسلمون سنّة، و10٪ علويون ومرشديون، و3٪ دروز وإسماعيليون وشيعة اثنا عشرية، و8٪ من السكان مسيحيون من طوائف مختلفة، وتوجد أيضا أقلية يزيدية في منطقة جبل سنجار على الحدود مع العراق.

الطائفة السنّية

السنّة أكبر طائفة دينيّة في سورية، ويشكلون بين 75٪ و80٪ من عدد السكان، وهم منتشرون في مختلف المناطق السورية ويشكلون أغلبيّة في 11 محافظة من أصل 14 محافظة سوريّة، ومعظم المدن السوريّة، وأهم التجمّعات كدمشق وحلب وحمص وحماة هي مدن سنيّة، وبشكل عام فنسبة السنّة في المحافظات تشبه نسبتهم من تعداد سكّان سورية.

وفي نسب تقديريّة للسنّة في المحافظات السوريّة: من 90٪ إلى 100٪ في محافظات درعا (سهل حوران) ودير الزور والرقّة وحلب وإدلب، وبين 80٪ و90٪ في محافظات حمص وحماة ودمشق ومحافظة ريف دمشق والقنيطرةو وبين .70٪ إلى 80٪ في محافظة الحسكة، (أو كما تسمّى أحياناً الجزيرة)، و30٪ في محافظتي اللاذقيّة وطرطوس، وأقل من 10٪ في محافظة السويداء (جبل الدروز).

الطائفة العلويّة

ثاني أكبر طائفة دينيّة في سورية من حيث العدد، ونسبة العلويين وبشكل تقريبي بين 12٪ و15٪ من تعداد سكّان سورية، والعلويون مقسّمين إلى طائفتين: علويين ومرشديين.

ويتركز وجود العلويين في جبل العلويين أو جبال اللاذقيّة، حسب التسمية الحكوميّة، وهي سلسلة جبليّة تفصل الساحل السوري، ويمتد جبل العلويين غرب سورية شرقي محافظتي اللاذقيّة وطرطوس وغربي محافظتي حمص وحماة، وعليه يتركز وجود العلويين في أربع محافظات سوريّة:

محافظة حمص

يتركز العلويون في ثلاث مناطق إداريّة: منطقة حمص، ومنطقة تلكلخ، ومنطقة المخرّم. يشّكل العلويون من 10 ـ 15٪ من تعداد سكّان المحافظة، أبرز أماكن وجودهم في محافظة حمص، وبشيء من التفصيل،

مدينة حمص: تبلغ نسبة العلويين فيها نحو 10٪، يتركزون في حيّي الزهراء والنزهة (لا يقل عن 50٪)، وهم بمعظمهم ضباط ورجال أمن هاجروا لحمص بعد انقلاب 1970 من أرياف اللاذقيّة وطرطوس وحماة، وأقلية في أحياء عكرمة والعدوية والوعر (لا يقل عن 20٪).

محافظة حماة

يترّكز العلويون غربي محافظة حماة، وتحديداً في ثلاث مناطق: محردة والغاب ومصياف، ويشكّل العلويون نحو 10 ـ15٪ من تعداد سكّان محافظة حماة، أبرز أماكن وجودهم في محافظة حماة في منطقة مصياف على السفح الشرقي لجبل العلويين، في هذه المنطقة يشكل العلويون فيها أغلبيّة نحو 60٪ من تعداد السكّان.

طرطوس واللاذقيّة

أغلبيّة سكان محافظتي طرطوس واللاذقيّة من العلويين نحو 50 ـ 70٪، في السابق كان العلويّون يتركزّون في القسم الداخلي من المحافظتين، وبالتحديد السفح الغربي لجبل العلويين، أمّا الساحل فأغلبيّة سكانه من السنّة والمسيحيين، وفي ستينات وسبعينات القرن الماضي تزايدت هجرة أهل الريف للمدن السورية بشكل مكثّف وهاتين المحافظتين ليستا باستثناء، هاجرت نسبة كبيرة من الريف (العلوي) للمدن الساحليّة (السنيّة) مثل اللاذقية وطرطوس وجبلة وبانياس، وفي الوقت الحالي نسبة العلويين في المدن الساحليّة تقارب نسبة السنّة أو حتّى تزيد عليها. وتوجد تجمعات محدودة للعلويين في محافظات أخرى: كمدينة دمشق خصوصاً في المزّة، وفي قرى متفرقة غربي محافظة إدلب وفي القسم المحتل من الجولان المحتل.

الطائفة المسيحيّة

تعد الطائفة المسيحية ثالث أكبر الطوائف في سورية، وتبلغ نسبة المسيحيّين وبشكل تقريبي بين ثمانية و10٪ من تعداد سكّان سورية، أغلب مسيحيّي سورية أرثوذكس (80٪ من عدد المسيحيين) مع أقليّات كاثوليكيّة ومارونيّة وبروستانتيّة وبكنائسها المختلفة. والطائفة المسيحيّة كما السنية منتشرة على كامل التراب السوري، وبشكل أساسي في محافظات حلب والحسكة ودمشق وحمص وطرطوس، وتعد محافظة الحسكة أكبر تجمّع مسيحي من حيث النسبة، (من 25 ـ 30٪ من سكّانها مسيحيون)، أمّا المدن فمدينة حلب أكبر تجمّع للمسيحيين من حيث العدد (20٪) من تعداد سكانها، أمّا مناطق وادي النصارى ففيه أكبر تجمّع للمسيحيين في سورية ويشكلون معظم سكان الوادي.

أبرز أماكن المسيحيين

في جبال القَلَمون غرب محافظة ريف دمشق، فمن البلدات المسيحيّة الكبرى معلولا وصيدنايا، ويتركز وجود المسيحين في دمشق بأحياء عديدة منها: القصّاع وباب توما وباب شرقي والميدان والطبّالة، وفي ضواحيها كدمر وحرستا وبرزة، وفي ريفها كأقليّات في جرمانا وكشكول ودويلعة وغيرها. وفي محافظة حماة يوجد المسيحيون في حي المدينة وسط مدينة حماة، وفي ريفها الشمالي والغربي كبلدات محردة والسقيلبيّة والبيضا.

وفي مدينة حمص يتركز المسيحيّون في الأحياء القديمة لحمص، كباب السباع وباب الدريب والحميديّة، والأحياء الجديدة: كالأرمن والنزهة والوعر والإنشاءات، والضواحي كربلة وفيروزة وزيدل. كما يتركز المسيحيّون في الأحياء القديمة لمدينة اللاذقيّة. وهناك وجود مسيحي كبير في محافظة طرطوس وريفها الذي يضم بلدات وقرى معظم سكانها من المسيحيين كمدينة صافيتا ومشتى الحلو.

ديموغرافيّاً عدد المسيحين في سورية في تناقص، ففي بداية القرن الـ20 كانت نسبة المسيحيين نحو 20٪ من تعداد سكّان سورية، انخفضت في الخمسينات إلى 17٪، وفي الوقت الحالي لا تتعدّى نسبتهم الـ10٪ أو حتّى أقل وفق بعض المصادر. أبرز أسباب التناقص الديموغرافي للمسيحيّين في سورية: الزيادة الطبيعة المتدنّية (معدّل المواليد) للمسيحيّين مقارنة بغير طوائف، خصوصاً السنّة والعلويين، ومن جهة أخرى الهجرة الخارجيّة المكثّفة للمسيحيين أكثر من غيرهم.

الطائفة الدرزيّة

هي الطائفة الدينيّة الرابعة في سورية من حيث العدد، نسبة الدروز وبشكل تقريبي بين اثنين و4٪ من تعداد سكّان سورية، يوجدون بشكل رئيس في أربع محافظات، السويداء والقنيطرة وريف دمشق وإدلب. ففي محافظة إدلب يشكل الدروز أقلية صغيرة يتركز وجودها في جبل السماق بمنطقة حارم. وفي محافظة ريف دمشق يتركز الدروز في مدينة جرمانا. أما في محافظة القنيطرة فيتواجد أغلب الدروز في بلدة حَضَرْ، وبلدات وقرى خاضعة للاحتلال الإسرائيلي، كمجدل شمس ومسعدة وبقعاتا وعين قنية. أما محافظة السويداء، أو كما تعرف جغرافيّاً بجبل الدروز أو جبل العرب، حسب التسمية الحكوميّة، فهي مركز ثقل الدروز في سورية، وأغلبيّة سكّانها من الدروز، مع أقليّة صغيرة مسيحيّة، وأقليّة أصغر سنيّة، أهم مدن جبل الدروز: السويداء وشهبا وصلخد والقريا.

نسبة كبيرة من دروز سورية مغتربون خارج الوطن، بشكل خاص دول الخليج ودول أميركا اللاتينيّة، خصوصاً فنزويلا التي تضم وحدها نصف مليون درزي سوري من أصل مليون ونصف مليون مهاجر سوري، لذلك توجد قنصليّة فنزويليّة في مدينة السويداء. أطلق دروز السويداء شرارة الثورة السورية الكبرى ضد الاحتلال الفرنسي، كما انتفضوا في عهد أديب الشيشكلي، وكانـت أول انتفاضة شعبيّة ضد دكتاتـور سوري تم قمعها بوحشيّة بتدخل عسكري.

الطائفة الإسماعيلية

تتركز في مدينة السَلَمية وريفها، ومدينة مِصْياف وريفها، وأقليّة صغيرة في مدينة حماة، وفي محافظة طرطوس تركز الاسماعيليون في بلدة القَدْموس وريفها ومنطقة نهر الخوابي.

والى جانب ذلك تحوي سورية أقل من 1000 مواطن من أتباع الديانة اليهودية في دمشق وحلب والقامشلي، كانت أعدادهم أكبر في السابق، حتى وصلت إلى 30 ألفًا عام ،1954 غير أنها انخفضت نتيجة المناخ الشعبي خصوصًا إثر حربي 1948 و.1967

طباعة