الشرق الأوسط يحتاج إلى أكثر من الانتخابات

أوباما: جوع البشرية إلى الحرية مسألة عالمية.. وعلى أميركا أن تقف مع الذين يطالبون بحقوقهم الطبيعية. أ.ب

هل من المعقول فعلا أن تؤدي الإطاحة بالرئيس المصري حسني مبارك إلى ظهور نظام جديد وديمقراطي في مصر؟ وسنرى للمرة الأولى دولة عربية محكومة من قبل إرادة شعبها الحر، والتي يمكن أن تصبح مثالا يحتذى في المنطقة، وتساعد على إرساء السلام والاستقرار الدائمين في المنطقة؟

استقالة مذيعة مصرية تكشف تزييف الإعلام الرسمي

https://media.emaratalyoum.com/inline-images/354150.jpg

في حين كانت شوارع القاهرة تغص بالمتظاهرين المطالبين برحيل الرئيس حسني مبارك، ويسقط العديد من القتلى برصاص الشرطة، كانت مذيعة التلفزيون سها النقاش تردد، على مدار الساعة، أن الهدوء يخيم على شوارع المدينة.

النقاش، وهي مذيعة قضت سنوات تعمل في قناة الأخبار المصرية، أخبرت صحيفة «المصري اليوم» بأنها حاولت مرارا أن تقنع روساءها بتغيير العبارة، لأنها كانت تجدها مغايرة للواقع، إلا انها كانت تواجه بالرفض.

وتقول: «كانوا يقولون لي: دي التعليمات اللي عندنا»، مضيفة «قررت الانسحاب من هذه المهزلة، حتى لا أورط نفسى فى عمل غير مهني».

النقاش قدمت استقالتها من التلفزيون المصري، احتجاجا على تغطيته للانتفاضة، وهو موقف يشاركها فيه عدد كبير من الإعلاميين والصحافيين المصريين، الذي بدأوا يكشفون عن حقائق كثيرة، بشأن الهيمنة التي كان يمارسها مسؤولو النظام في تكميم الأجهزة الإعلامية.

وتقول: «استقالتي ليست تعبيرا عن موقف سياسي، بل عن موقف مهني، لأن إعلام الإنكار اختفى من العالم كله، لكنه لايزال موجودا في التلفزيون المصري».

وتضيف «للأسف لست فخورة» بالعمل فى التلفزيون فى ظل هذه السياسة، وقد اتخذت قراري بالاستقالة «رغم أننى كنت على وش ترقية»، لمنصب كبير مذيعين. وتؤكد النقاش أن مصر لا تستاهل هذا النوع من الإعلام. وسائل إعلام عدة أوردت أخبارا عن استقالة العديد من الإعلاميين، في حين أن آخرين يفكرون في تقديم استقالاتهم. القاهرة ــ يو.بي.آي

ألم نسمع بمثل هذا الحديث من قبل؟

من الواضح أن إدارة الرئيس الأميركي باراك أوباما وأتباعه من معسكر الليبراليين، في الإعلام الأميركي والبريطاني، يتلون بورع الكتاب المقدس، الذي كان ذات يوم نصا مقدسا لأؤلئك النفر من رعاة البقر المغامرين، الذين اعتقدوا أنه يمكنهم أن «يفرضوا» قيمهم السياسية على ثقافة أجنبية.

ونحن نقول جميعا، الآن، إن الحرية والديمقراطية هما حق أساسي لجميع البشر، وليس في العالم الغربي فحسب، وفي واقع الحال أعلن أوباما عن ذلك صراحة، عندما قال، الأسبوع الماضي، إن جوع البشرية إلى الحرية مسألة عالمية. وإنه على أميركا أن تقف مع هؤلاء الناس الذين يطالبون بحقوقهم الطبيعية (وهذه الفكرة واردة في إعلان استقلال الولايات المتحدة).

وبناء عليه، يجب علينا التوقع، عصرا جديدا من النظام الديمقراطي، الذي سيكتسح النظم الاستبدادية في عموم الدول العربية، ولم يعد من الذكاء القول إن نظامنا السياسي بكل تأكيده على حقوق الفرد، قد تطور من خلال تجربتنا السياسية المحددة، وإنه لن يناسب هؤلاء الناس الذين تدفعهم قيمهم إلى الانصياع إلى حاكم مستبد.

وتبدو وجهة النظر السائدة في دول غير مستعدة للحرية غريبة، عندما تأتي من أفواه الذين يقولون عن أنفسهم إنهم يساريون، لأن ذلك يبدو بالنسبة لي مثل التعامل مع الشعوب المتخلفة في المستعمرات القديمة، إذ كان يتم التعامل معها على أساس: لا نستطيع أن نتوقع من هؤلاء الناس الذين يبدون كالأطفال أن يفهموا المسؤوليات الديمقراطية، لهذا فلنتركهم بسلام مع حاكمهم الدكتاتور، ولكن ذلك انتهى الآن، إذ إننا نقبل الآن أن الجميع يريدون أن يكونوا أحرارا، وأنه يقع على عاتقنا تقديم أقصى المساعدة الممكنة لهم، وهنا نطرح السؤال الصعب، عما إذا كانت هذه المساعدة تنطوي على استخدام التدخل العسكري الذي من الممكن أن يثير التساؤل في وقتنا الراهن.

صحيح أن اندلاع احتجاجات الجماهير بصورة عفوية في مصر يمكن أن يؤمن التبرير الشعبي الشرعي للضغط الأميركي، الذي لم يكن موجودا في العراق، ولكن هذه الظاهرة الجديدة من تظاهرات الجماهير كانت ممكنة في مصر، بيد أنها لم تكن ممكنة في العراق أيام الرئيس السابق صدام حسين.

ولطالما قلنا إننا نريد مساندة من يطالبون بالديمقراطية والحرية، ولابد من القول إن الإطاحة بأي نظام ديكتاتوري، والدعوة إلى إجراء انتخابات مسألة ضرورية لإنشاء الحكومة الديمقراطية، ولكن ذلك غير كاف مطلقا. والديمقراطية ليست مجرد انتخابات فقط (حتى لو كانت نزيهة وحرة وعادلة)، إلا أن الحكم تحت ظل القانون هو الأساس، ويتطلب هذا الأمر وجود مؤسسات مثل النظام القضائي المستقل، وآليات محاسبة الحكومة بعد انتخابها، إضافة إلى الوكالات النزيهة التي تستند إلى الأفكار المجردة للعدل، وليس على الولاء للنخبة الحاكمة، ويعتمد كل ما سبق على يقظة المواطنين، الذين تعلموا هذه المبادئ في النظام المعقد الذي يجسدهم.

وبعبارة أخرى، فإذا تمت الإطاحة بحاكم دكتاتوري، وتم استبداله بشكل آخر من الأنظمة الشمولية، مثل النظام الديني، فإن مثل هذه الدولة، سواء كانت مصر أو غيرها تظل بحاجة إلى الكثير من المساعدة والإرشاد. وكان المتحدث باسم «الإخوان المسلمين»، قال الأسبوع الماضي: إذا صوت الشعب على حكومة لـ«الاخوان المسلمين»، فلماذا يرفضها الغرب؟ ولهذا فإن الالتزام بالديمقراطية الدستورية يعني أنه لا يمكن التصويت على تفكيكها، ويجب أن تعتبر حقوقا، وهذه الحريات الأساسية التي نتفق عليها جميعا مسألة طبيعية، ولا يمكن التخلص منها، حتى عن طريق تصويت الأغلبية، فهي حقوق ثابتة، وهي تنطلق من القوة الأخلاقية لفلسفة التنوير التي انطلقت منها، والتي مفادها: أنه من دون مثل هذه الحريات، فإننا نكون أقل منزلة من البشر.

وإذا كان إجراء الانتخابات ليس أكثر من مجرد لعبة الكراسي الموسيقية، بالنسبة للحكام الشموليين، فلن نكون عندها قريبين من السلام والاستقرار في المنطقة.

وتمثل الديمقراطية الحقيقية شكلا رسميا وعقليا من منظمة مدنية، تكون فيها المسائل الإلزامية مهمة تماما، كما هي الحريات التي تتضمنها، والعقد الاجتماعي الذي تقدمه الحرية يكون مقابل تقبل حكم القانون.

طباعة