الوضع الاقتصادي السيئ محفز مشترك على الإحباط

دول عـربية عـدة تـعيش ظروفاً مشابهة لتونس

التظاهرات تزايدت في مصر أخيراً.. ومعارض مصري يقول إن ظروف مــــــــــــــــــــــــــــــــــصر وتونس متشابهة. أ.ب

يقول المثل التونسي إنه «إذا كان هناك عجوز مسترسل ويحكي عن كل شيء، فإن أبناءه يقولون عنه إنه حكيم وكنز للنصائح». ويبدو أن عائلة الرئيس التونسي المخلوع زين العابدين بن علي من الذين كانوا يقطنون في القصر المطل على البحر، كان ينبغي عليهم أن يكونوا اكثر صدقاً مع انفسهم. وكان بن علي قد قال لمسؤول اميركي زاره سراً عام ،2008 انه يشعر بالسعادة لان تونس في شمال افريقيا وليس في الشرق الاوسط المتفجر، أما بالنسبة لمصر التي كانت رائدة العالم العربي في كل شيء، فإن الوضع فيها غير مطمئن.

زعماء أطاحت بهم شعوبهم

تونس

فرّ الرئيس التونسي زين العابدين بن علي من بلاده تحت جنح الظلام مساء الجمعة 14 يناير ،2011 تحت وطأة انتفاضة شعبية قمعها نظامه.


إيران

في 16 يناير 1979 دفعت تظاهرات شعبية يومية بشاه ايران محمد رضا بهلوي الى الفرار الى الولايات المتحدة، التي رفضت اقامته فيها وحولته الى بنما ومنها الى مصر، وفتح هرب الشاه الطريق امام عودة قائد الثورة الاسلامية آية الله الخميني من فرنسا في الاول من فبراير ،1979 وما هي الا بضعة ايام حتى انتصرت الثورة الاسلامية إثر توقف الجيش عن دعم النظام الامبراطوري للشاه في العاشر من ذلك الشهر.


ليبيريا

في اغسطس 2003 اضطر الرئيس الليبيري تشارلز تايلور، زعيم الحرب السابق المتهم بإغراق جزء من افريقيا الغربية في نزاعات دموية الى التخلي عن السلطة واختيار العيش في نيجيريا كمنفى له، وبرحيله الذي حصل بضغوط من حركة تمرد والمجموعة الاقتصادية لدول افريقيا الغربية والولايات المتحدة والامم المتحدة، انتهت حرب اهلية استمرت 14 عاماً في ليبريا واودت بارواح 270 ألفاً. وفي 2006 اعتقل في نيجيريا وطرد الى ليبيريا، قبل ان يتم نقله الى لاهاي، حيث باشرت المحكمة الدولية محاكمته.


بوليفيا

في اكتوبر 2003 استقال الرئيس البوليفي غونزاليس سانشيز دو لوزادا، وغادر القصر الرئاسي تحت جنح الليل على متن مروحية متجهاً الى الولايات المتحدة، هرباً من حركة احتجاج شعبية قوية ضد مشروع للغاز وضد سياسته المفرطة في ليبراليتها، ولايزال الرئيس السابق مطلوباً في بوليفيا في اتهامات بقمع تظاهرات وتجاوزات خطيرة لحقوق الانسان والفساد.


 يوغوسلافيا

في اكتوبر 2000 أطاحت ثورة شعبية بالرئيس اليوغوسلافي سلوبودان ميلوسيفيتش، وتم اعتقاله ووضعه رهن الاقامة الجبرية، قبل أن يتم تسليمه الى محكمة الجزاء الدولية الخاصة بيوغوسلافيا السابقة في لاهاي، لكنه توفي في مارس 2006 في زنزانته.


هايتي

في فبراير 2004 استقال الرئيس جان برتران اريستيد الذي اعيد انتخابه في نوفمبر 2000 لولاية ثانية من خمس سنوات، وغادر بلاده تحت ضغط الشارع والمجتمع الدولي، ليختار منفاه في جنوب افريقيا، وقد تمت استقالته بعد شهر من اندلاع ثورة مسلحة اوقعت آلاف القتلى والجرحى.


قرغيزستان

في 24 مارس 2005 انهار نظام الرئيس عسكر اكاييف الحاكم منذ 15 عاماً في غضون بضع ساعات تحت وطأة آلاف المتظاهرين الذين كانوا يحتجون على نتائج الانتخابات وفساد السلطة، وفر اكاييف من البلاد الى روسيا التي تمنحه حق اللجوء، وتولى السلطة بالوكالة احد قادة هذه الثورة الخاطفة كرمان بك باكييف، الذي سقط بدوره في ابريل .2010


رومانيا

تم في ديسمبر 1989 إلقاء القبض على الرئيس الروماني الدكتاتور نيكولاي تشاوشيسكو وزوجته إيلينا، بينما كانا يحاولان الفرار تحت وطأة الانتفاضة الشعبية، التي راح فيها اكثر من 1000 قتيل برصاص قوات الامن الذي استهدف المتظاهرين، وتم اعدامهما في 25 ديسمبر اثر محاكمة خاطفة.


السودان

في أبريل 1986 اسقطت انتفاضة شعبية نظام الرئيس جعفر نميري، ليتولى زمام الحكم بعده قائد الجيش المشير عبدالرحمن سوار الذهب، في حكومة انتقالية لمدة عام تم خلالها الاعداد لانتخابات تشريعية، تولى على اثرها الصادق المهدي زعيم حزب الامة رئاسة الوزراء.عواصم ــ وكالات

ومن السهل الضحك الآن عندما نقرأ هذه النصائح التي قدمها بن علي، والتي كشف عنها «ويكيليكس»، فقد كان هذا الرجل المعتدل وصديق الغرب، هو الذي غادر بلاده، فهل يتذكر هذه المحادثة مع المسؤول الاميركي؟

بناءً على ما تقدم فإن القراءة الخاطئة لابن علي التي ادت الى تقويض حكمه هي التي تشكل تحذيرا، ومن يعتقد الآن أن الهبة التونسية يمكن ان تنذر بمرحلة من الاصلاحات الديمقراطية، عليه ان يستعد لما هو غير متوقع. تتمتع الدولة التونسية بمستوى تعليمي جيد بالمقياس العربي والافريقي، كما انها تحظى باستثمارات جيدة جلها من الدولة المستعمرة سابقاً وهي فرنسا. ولكن نظراً الى الفساد الذي استشرى في النظام السياسي والعائلة الرئاسية، لم يحظ المتعلمون باي فوائد، ولذك خرجوا الى الشوارع.

لم يكن هؤلاء الذين خرجوا للتظاهر في الشارع في انتفاضة تونس التي انطلقت من احداث سيدي بوزيد، من الدهماء الذين يسيرون على غير هدى، وترعبهم القنابل المسيلة للدموع، وتجعلهم يولون الادبار، ولم يكونوا من الاسلاميين ايضاً، وإنما كانوا من الذين اجمعوا على أن بن علي يجب ان يذهب. ولكن الامر الذي يجب أن يثير مخاوف جيران تونس هو ان بن علي قدم الكثير، وعندما اندلعت التظاهرات قدم دعما للمواد الغذائية الرئيسة بيد، واعتقل باليد الاخرى معارضيه مثل حما حمامي الذي يعتبر قائد الحزب الشيوعي المحلي.

وفي الخارج ناشدت منظمة «هيومان رايس ووتش» و«العفو الدولية» اطلاق الحريات الشخصية، في حين ان الدول الرئيسة الداعمة لتونس بقيت صامتة، فقد مررت الولايات المتحدة مساعدات عسكرية لتونس بقيمة 12 مليون دولار، أما فرنسا فقد عرضت تقديم المساعدة لتونس لحل المشكلة. وكانت فرنسا وراء قرار اوروبي يهدف الى منح فرنسا وضعاً تجارياً افضل، ومع ذلك فقد ذهب بن علي.

وفي غضون ساعات قليلة استغلت قوى المعارضة في الشرق الاوسط هذه الفرصة، فتجمع التونسيون امام سفارتهم في القاهرة، وانشدوا امام المصريين الذين احتشدوا حولهم «انه دوركم الآن». وقال المعارض المصري والمرشح الرئاسي السابق ايمن نور، الذي فاز بـ7٪ من الاصوات وبخمس سنوات سجن، قال لصحيفة «ديلي تلغراف» ان تونس ومصر متشابهتان. واضاف «الحكومة التونسية اقنعت العالم الغربي بأنها الخيار الوحيد بدل المتطرفين والارهابيين، تماما كما فعلت مصر».

وهناك نكتة منتشرة في الشارع المصري تقول إن طائرة بن علي عرجت على عاصمة عربية، فقال حاكمها تعال واسكن معي، فرد بن علي «لا بل جئت لآخذك معي». وفي الحقيقة فإن النزعة نحو التمدن التي نجمت عن إرسال العديد من التونسيين الى الغرب، رفضت تسليم الحكم الى الاسلاميين، وإنما الى خبراءالاقتصاد، إذ إن ثلثي السكان تحت سن ،25 كما أن دخل الفرد اقل من 7000 دولار في العام.

وقد انقضت ايام القومية العربية، وإن كان الوضع الاقتصادي السيئ الناجم عن الاعتماد الكامل على الحكومة هو المحفز المشترك على الاحباط ، ولكن السخط الذي تشعر به الشعوب العربية يختلف من دولة إلى اخرى، وإذا كان بعض المحللين يعتقد ان بن علي طرد من تونس، عندما شعرت الدول التي تدعمه بأنها لا تريد مزيداً من سفك الدماء، فإن الموقف سيكون مختلفاً في دول أخرى إذا كانت المعارضة مناوئة للغرب. وهناك العديد من هذه المواقف التي يمكن ان تسبب الشرارة، مثل الانتخابات الرئاسية في مصر والشغب على غلاء المواد الغذائية في الجزائر، وتهديد بالحرب في لبنان، وبالطبع فإن التغيير لن يأتي الى هذه الدول بهدوء.

طباعة