الإعلام العالمي ركز على السلبيات وإبراز العيوب

شمال السودان وجنوبه بانتظارتحديات جديدة

الاستفتاء تحول إلى مهرجان احتفالي في جنوب السودان. أ.ف.ب

بينما يقف السودان على مفترق طرق بين شماله وجنوبه يرى محللون وسياسيون الاستفتاء الذي بدأ، أمس، ليختار سكان جنوب السودان من خلاله بين البقاء جزءاً من السودان أو الانفصال والاستقلال عنه في دولة جديدة خاصة بهم، انتصاراً سلمياً لقارة إفريقيا بشكل خاص.

وفي مقدمة من يحمل هذه الرؤية الرئيس السابق لجنوب افريقيا ثابو مبيكي، الذي لعب دوراً لا يمكن تجاهله في التوسط بين حكومة الخرطوم وممثلي الجنوب لتذليل العقبات والخلافات التي كانت تعترض طريق الاستفتاء، حيث يقول إن «إفريقيا كلها تحتفل لرؤية هذا الاستفتاء السلمي، ويجب عليها ذلك، لانه مهما كانت النتيجة وسواء اختار الجنوبيون البقاء مع الوحدة أو الانفصال فإن الامر سيكون انتصارا للقارة السمراء».

 اختبار فريد للديمقراطية

وصف الصحافي البريطاني ديفيد راندال في صحيفة الـ«اندبندنت» استفتاء جنوب السودان الذي يستمر اسبوعاً بأنه«واحد من اختبارات الديمقراطية الفريدة». وقال إن نحو ثمانية ملايين في الجنوب السوداني عانوا عقوداً من الحرب وسيصوتون على الارجح لمصلحة الانفصال عن الشمال وتكوين دولة جديدة.

وأضاف أن هذا الاستفتاء يمثل تطوراً إيجابيا مشجعا في جزء من العالم تقل فيه أسباب التفاؤل، ويختلف عن اي استفتاء آخر في العالم، لان ورقة الاستفتاء تخلو من الكلمات وليس فيها الا رموز تدل على كلمتي «نعم، ولا». لكن راندال لفت النظر كذلك إلى افتقار جنوب السودان إلى البنية التحتية، مشيرا إلى أن منطقة تعادل في مساحتها فرنسا لا يوجد فيها أكثر من 38 ميلاً من الطرق المعبدة.

وألمح راندال الى الاجواء الايجابية التي يشعر بها الجنوبيون وهم يقبلون على الاستفتاء، ويقول إنهم «يلبسون الريش ويمسكون بالعصي المنحوتة ويرقصون في شوارع جوبا التي ستكون عاصمة الدولة الجديدة »، وختم بالقول إن الاستقلال سيتحقق لجنوب السودان، ولكن هل استمرار السلام بين شمال السودان وجنوبه أمر مؤكد؟ عن الـ«إندبندنت»

ويجري الاستفتاء في موعده المقرر بهدوء وسلام وفي جو احتفالي، بينما يستذكر مبيكي بعض الاحداث والتفاصيل قبل ست سنوات مضت، عندما كان شاهدا على توقيع اتفاقية نيفاشا للسلام الشامل بين الحكومة السودانية والحركة الشعبية لتحرير السودان، تلك الاتفاقية التي منحت الجنوبيين حق تقرير المصير. ويقول «كان من الواضح بالنسبة لي حينذاك أن القادة السودانيين ملتزمون بالسلام، وأنهم سيطبقون بنود الاتفاقية بكل أمانة».

كما أن النهاية المأساوية للزعيم السابق للحركة الشعبية لتحرير السودان جون غارانغ، جعلت الكثير من الناس يتشككون في إذا ما كانت الاتفاقية ستجد طريقها نحو التطبيق، غير أن خليفته سلفا كير نجح على ما يبدو في قيادة جنوب السودان والوصول به إلى المرحلة الحالية، حيث يستطيع شعبه أن يقول كلمته بشأن مستقبله وحقه في تقرير المصير.

ويعتقد الرئيس السابق لجنوب إفريقيا أنه على الرغم من التقدم الذي حققه السودان خلال السنوات الست الماضية في جميع المجالات، وعلى صعيد تسوية مشكلة الجنوب، فإن الإعلام العالمي جنح بشكل كبير في التركيز على السلبيات وإبراز العيوب، ويقول مبيكي الذي يحظى بالاحترام الكبير من قادة الدول الافريقية وغيرها «لكنني على يقين بأن النجاح الذي تحقق في السودان، سيكون واحداً من الأعمدة الأساسية لبناء قارة إفريقية مزدهرة وتنعم بالسلام».

ولم يخف الجنوبيون ارتياحهم، بل وابتهاجهم لما اكده الرئيس السوداني عمر البشير في جوبا قبل أيام من انه ملتزم بنتيجة الاستفتاء، على الرغم منتمسكه بوحدة السودان، لكنه سيحترم رغبتهم وإرادتهم في الاستقلال، وسيشاركهم احتفالاتهم، بينما اعتبر مراقبون ذلك إشارة ظاهرة إلى النية الحسنة للرئيس البشير.

 العثور على مؤيدين للوحدة في جوبا.. «مهمة مستحيلة»

 https://media.emaratalyoum.com/inline-images/340056.jpg

سوداني جنوبي يرتدي قبعة على شكل كف يرمز للانفصال.   رويترز

من بين مئات الجنوبيين الواقفين بصبر في طوابير طويلة امام مراكز الاقتراع، المقامة في الباحة المجاورة لضريح جون قرنق في جوبا، عاصمة الجنوب، كان من المستحيل العثور على شخص واحد يجهر بتأييد الوحدة مع السودان.

وعلى الرغم من تجاوز الحرارة الـ35 درجة عند الظهر، في هذه المنطقة من العالم المجاورة لخط الاستواء، وقف المئات من النساء والرجال في طوابير مختلطة ينتظرون بصبر لافت، ومن دون تذمر، تحت اشعة الشمس الحارقة دورهم للاقتراع.

واضافة الى الواقفين في الطوابير، تجمع العشرات من الذين اقترعوا حول ضريح زعيمهم التاريخي غارانغ وهم يقرعون الطبول ويرقصون بفرح ويهتفون «باي باي سودان».

البعض لف نفسه بالعلم الزاهي الألوان الذي يفترض ان يكون علم الدولة الوليدة التي لم يعرف اسمها بعد، والبعض الآخر يأخذ قسطاً من الراحة مستظلاً بفيء شجرة ضخمة في منتصف الباحة الى جانب جنود الجيش الشعبي لتحرير السودان المكلفين الحفاظ على الأمن، الذين لم يضطروا إلى اي تدخل.

وعند سؤالهم عن الخيار الذي سيختارونه عبر الورقة الصغيرة التي ستعرض عليهم في مركز الاقتراع، كان جواب هؤلاء المنتظرين يأتي واضحاً وسريعاً بلغة عربية ركيكة «نحن مع الانفصال نحن مع الاستقلال».

ورداً على سؤال حول ما اذا كان يعرف أحداً ينوي التصويت مع بقاء وحدة السودان، قال مايكل «لن تجد أحداً هنا، وانا لا اعرف جنوبياً واحداً مع الوحدة» مضيفاً «حتى ولو كان موجوداً فإنه لن يعلن موقفه امامك».

وتحت خيمة مجاورة لمركز اقتراع تجمع عدد من الشبان وهم يرتدون قمصاناً تدل على انهم يشاركون في اعمال الرقابة على الاستفتاء.

ورداً على سؤال حول ما اذا كان كمراقب يشعر بوجود نوع من المنافسة بين دعاة الانفصال ودعاة الوحدة، فضل سايمون السوداني الجنوبي الثلاثيني، الذي يعمل مع احدى منظمات المجتمع المدني، تقديم رد ينسجم مع دوره مراقباً، قال «نحن لا نسأل أحداً عن الخيار الذي يريد التعبير عنه».

وعما اذا كان هناك ممثلون عن احزاب معارضة للانفصال، مثل حزب المؤتمر الوطني بزعامة الرئيس السوداني، في المراكز للتأكد من صدقية عملية الاقتراع، اكد المراقب سايمون انهم غير موجودين، كما لا يوجد ممثلون عن اي من الأحزاب الشمالية الأخرى مع أن لبعضها أنصاراً في الجنوب.

وقالت جوان التي كانت تقف مع مجموعة تعمل في تلفزيون جوبا «لا تتعب نفسك لأنك لن تجد أحداً هنا معارضاً للانفصال». وشهدت مكاتب الاقتراع اقبالا كثيفا ايضا في مدينة بنتيو الجنوبية النفطية في ولاية الوحدة، وفي مدينة رومبيك عاصمة ولاية البحيرات، حيث «كانت الصفوف طويلة تضم المئات، لا بل الآلاف، بانتظار الاقتراع»، حسب ما نقل الصحافي السوداني بني جدعون المقيم في هذه المدينة. جوبا ــ أ.ف.ب

وشهدت الاشهر الـ12 الماضية مفاوضات مكثفة بين مسؤولي شمال السودان وجنوبه، وبحضور ومشاركة ممثلين ووسطاء افارقة لتسوية الخلافات التي كانت تحول دون تطبيق اتفاقية نيفاشا، ومنها الاتفاق على وضع منطقة أبيي التي ستكون في الحدود بين الشمال والجنوب، وتقاسم عائدات النفط، وكذلك الديون، وبلورة ترتيبات ما بعد الاستفتاء، لاسيما وضع تصور لمستقبل العلاقات بين الجانبين.

وينبغي على قارة إفريقيا ان تعتبر الاستفتاء إنجازاً وليس نزعة نحو الانعزال وليس تقسيماً بين عربي وافريقي، وان تستقبل بالترحاب جنوب السودان كدولة شقيقة جديدة تكون الـ54 في الاسرة الافريقية، ومهما كانت الظروف والاعتبارات فإن شمال السودان وجنوبه سيواجهان تحديات عديدة، منها الحفاظ على التنوع العرقي والثقافي والمزاوجة بين هذا التنوع والوحدة، إضافة الى تعزيز الديمقراطية ومواصلة التنمية. وهناك اعتقاد شائع على نطاق واسع بأن ولادة دولة جديدة امر خطير وحساس دائماً، لان ذلك يتم من خلال العنف والحرب، ويتم رسم حدودها الجديدة بالقتال، ولم يشذ جنوب السودان عن هذا التصور، إذ خاض اهله تمرداً مسلحا على الشمال استمر اكثر من 20 عاما، واحتمالات تجدد القتال واردة، لكن الآمال اكبرر لتجنب ذلك.

وهناك مبررات لابداء تفاؤل حذر، منها الاشارة الواضحة من البشير الى انه سيحترم رغبة الجنوبيين اذا كانت في الانفصال، وانه سيعترف بدولة جنوب السودان، وكذلك اتفاق الشماليين والجنوبيين على تقاسم ثروات النفط، فالجنوب سينتج والشمال سيكرر ما يتم انتاجه انطلاقاً من ادراك الطرفين انه لا سبيل او خيار امامهما غير القبول بمبدأ المشاركة والتقاسم كبديل مقبول لاستمرار النزاع. لكن استمرار الخلاف حول وضع منطقة ابيي يبقي شبح التوتر قائماً بل حاضرا بقوة، ويمكن لدول العالم ان تقدم المساعدة للدولة الجديدة في جنوب السودان من خلال المبادرة الى إقامة علاقات دبلوماسية معها، وتقديم الدعم المادي لها.


 أبيي.. مزيج من القضايا المتفجرة بين الشمال والجنوب

 تحمل منطقة أبيي المتنازع عليها كل مكونات نزاع قد يتفجر بين الشمال والجنوب، من مشكلات الحصول على المياه الى العطش للنفط والتنافس القبلي التاريخي والتطرف.

وينص اتفاق السلام في نيفاشا الذي أنهى في 2005 حرباً اهلية استمرت عقدين بين الشمال والجنوب في السودان، على اجراء استفتاءين «متزامنين»، الأول حول استقلال الجنوب، والثاني حول الحاق أبيي بالشمال أو الجنوب.

وبدأ الاقتراع الأول، أمس، لكن الثاني أرجئ إلى أجل غير مسمى، إذ ان المتمردين السابقين في الحركة الشعبية لتحرير السودان (جنوبية) وقبيلة الدينكا نغوك من جهة وعرب المسيرية وحزب المؤتمر الوطني من جهة ثانية لم يتفاهموا على حق تصويت الناخبين.

وفي الواقع يبقى الخلاف قائماً حول تحديد حدود منطقة أبيي. فبعد الحرب الاهلية، شكل الشماليون والجنوبيون لجنة لتحديد حدود أبيي، لكن نتائج اعمالها لم تلق اجماعا.

وبعد اشتباكات دامية في 2008 في أبيي اثارت مخاوف من تجدد الحرب بين الشمال والجنوب، رفع الجانبان الخلاف الى هيئة التحكيم الدائمة في لاهاي.

وقضت هذه المحكمة بتقليص مساحة هذه المنطقة، لتصبح نحو 10 آلاف كيلومتر مربع، يقيم عليها خصوصا جنوبيو قبائل الدينكا نغوك، ومنحت الجزء الآخر الذي تتركز فيه حقول النفط، الى شمال السودان.

ولقي هذا القرار موافقة الحركة الشعبية لتحرير السودان بزعامة سلفا كير، وحزب الرئيس السوداني عمر البشير، المؤتمر الوطني، وقبائل دينكا نوك.

لكن قبائل المسيرية التي قاتلت مع الشماليين خلال الحرب الاهلية رفضته. وتراجع الحزب الحاكم في الخرطوم بعد ذلك عن قراره ودعم مطالب المسيرية.

وتنتقل هذه القبيلة العربية الشمالية كل سنة خلال موسم الجفاف الى بحر العرب، الذي يسميه الجنوبيون «نهر كير»، بحثاً عن مراع لماشيتها، قبل ان تدخل الاراضي الجنوبية.

وهذا النهر يعبر ابيي. وبما ان قانون الاستفتاء يمنح قبائل دينكا نغوك حق التصويت ولا يمنح المسيرية هذه الامكانية، فهي تخشى ألا تتمكن من الوصول الى النهر اذا الحقت ابيي بالجنوب.

وجرت مفاوضات بين حركة التمرد الجنوبية السابقة والحزب الحاكم في الشمال وقبائل الدينكا نغوك والمسيرية برعاية الولايات المتحدة والاتحاد الافريقي، إلا انها لم تفض الى أي اتفاق. وقال محلل ان «الجانبين يزدادان تشددا».

وتشكل ازمة ابيي دليلاً واقعياً على الصعوبات المرتبطة بتحديد الحدود.

وقال الخبير دوغلاس جونسون اخيرا ان «فشل محاولة تسوية هذه المشكلة الحدودية في اطار اتفاق سلام معبر جدا. سيكون لذلك انعكاسات كبيرة على تحديد الحدود بين الشمال والجنوب، التي ستصبح حدوداً دولية». وتحديد أكثر من 2000 كيلومتر من الحدود بين الشمال والجنوب لم تتم تسويته،فإلى جانب أبيي هناك خمسة قطاعات اخرى متنازع عليها.

ويبدأ عرب المسيرية الذين يميل افراد منهم الى التشدد واغلقوا طريقا امام الجنوبيين وخطفوا موظفا صينيا في القطاع النفطي لفترة قصيرة، هجرتهم الى ابيي في يناير من كل عام، ويصادف الشهر الذي بدأ فيه الاستفتاء على مصير الجنوب. من جهة اخرى، حذر مسؤولون شماليون قبائل الدينكا نغوك من أعمال انتقامية اذا اعلنت ضم أبيي من جانب واحد. الخرطوم ــ أ.ف.ب

طباعة