واشنطن اختارت سياسة اللين والحوافز خوفاً من تفجر العنف

استفتاء السودان يختبر دبلوماسيـــة أوباما

جنوبيون يستقبلون البشير في جوبا. أ.ف.ب

يمثل الاستفتاء على استقلال جنوب السودان، يوم الاحد المقبل، بداية اختبار جديد للدبلوماسية الاميركية في المنطقة، التي يقول محللون إنها قد تعرّض الرئيس الاميركي باراك أوباما لوضع يشبه ما حدث في رواندا، إذا ما اندلع العنف في أعقابه.

ويشعر مسؤولون أميركيون بتفاؤل حذر بشأن الاستفتاء المتوقع أن يقود الى انفصال جنوب السودان عن شماله، ليشكل دولة مستقلة في إطار الخطوة الاخيرة من اتفاق السلام الموقع عام ،2005 الذي أنهى واحدة من أعنف الحروب الاهلية في إفريقيا.

تداعيات واسعة لاستفتاء 9 يناير

 

من المرجح أن يؤدي استفتاء يُجرى في التاسع من يناير الجاري حول انفصال جنوب السودان المنتج للنفط عن شماله الى قيام دولة جديدة هشة، تحتاج الاموال والمساعدات من الغرب، لكن ستكون هناك أيضاً تداعيات بعيدة المدى بالنسبة للخرطوم.ويأتي الاستفتاء بناء على معاهدة سلام بين الشمال والجنوب وقعت عام ،2005 وسيعقبه استفتاء يجريه الجنوبيون على الاستقلال من المرجح أن يكون في التاسع من يوليو المقبل.

وقد كفلت معاهدة 2005 تقاسم إيرادات النفط بالتساوي تقريباً بينالطرفين من آبار في الجنوب. ومن المتوقع التوصل الى اتفاق لاستمرار شكل من أشكال التشارك، لان الشمال يسيطر على البنية الاساسية أو لفترة انتقالية يمكن خلالها خفض نصيب الخرطوم بعد الانفصال، ومن شأن هذا التقليل من أثر أي صدمة اقتصادية فورية في اقتصاد الشمال الذي يعاني بالفعل نقصاً في العملات الاجنبية وارتفاع معدلاتالتضخم.

وعلى المدى الاطول سيحتاج الجنوب المزيد من إيراداته لاعادة بناء المنطقة التي تعاني آثار الحرب، لذلك يجب أن يبدأ الشمال في تنويع مصادره، بعيداً عن النفط. ويوجد نحو 70٪ مما يقدر بنحو ستة مليارات برميل من احتياطي النفط بالسودان في الجنوب.

ووقعت الخرطوم عدداً من امتيازات النفط في الشمال تأمل أن ترفع من انتاج النفط الخام، لكن ربما يستغرق خروج أي انتاج الىالنور ما يصل الى خمس سنوات. وتقول وزارة البترول إن الانتاج فيالشمال يراوح بين 100 و110 آلاف برميل يومياً. ويبلغ اجماليالانتاج 500 برميل يومياً. ويقول محللون غربيون إن الشمال قد يستغل الحرب ليغطي على أزمته الاقتصادية، وانها قد تحقق عائداً للخرطوم من خلال الصناعات العسكرية المملوكة للدولة.لكن أغلب المحللين السودانيين يقولون ان الشمال سيجد صعوبة في توفير جيش وتمويله لخوض مثل هذه الحرب، وهي حرب لن يفوز فيها أي من الجانبين بسهولة.

وقال الباحث من «ايناف بروجكت» جون برندرجاست، إن «أوباما قد يواجه لحظة تشبه تلك التي واجهها الرئيس السابق بيل كلينتون، بعد ما حدث في رواندا. الاشهر الستة التالية على الاستفتاء هي الأكثر خطورة».

وقال كلينتون إن «الشيء الرئيس الذي يندم عليه خلال فترة رئاسته هو فشله في منع مذبحة قتل فيها 800 الف شخص في صراع رواندا».

وفي السودان سيكون إجراء استفتاء يعتد به أمراً مرحّباً به في واشنطن التي كثفت الضغوط في الاشهر القليلة الماضية، محاولةً تفادي العداء بين الحكومة المركزية في الخرطوم وزعماء جنوب السودان فيجوبا.

ولم تحسم بعد قضايا رئيسة، منها الحدود، والمواطنة، وتقسيم إيرادات النفط، وأي منها يمكن أن يفجر عمليات إراقة دماء، يحذّر البعض من انها قد تصل الى مستوى مذبحة رواندا عام 1994 إذا ما اتسع نطاقها الى حرب شاملة.

وقال برندرجاست «الولايات المتحدة ستلعب دوراً رئيسا أياً كانت النتيجة. بانتهاج سياسات ذكية تقوم على المبادئ الى جانب المشاركة الشخصية، يمكن للرئيس أوباما المساعدة في إحداث الفرق بينالحرب والسلام في السودان».

وأكد أوباما اهتمامه الشخصي بالسودان، لكن طوال عامه الاول في الرئاسة بدت السياسات متخبطة، إذ تبنى مسؤولون أميركيونسياسات متباينة.

وعمل سكوت جريشون، مبعوث أوباما إلى السودان، على تحسين الروابط مع حكومة الرئيس عمر حسن البشير، المطلوب من المحكمة الجنائية الدولية، في جرائم حرب وإبادة جماعية تتعلق بقمع تمرد بدأ عام 2003 في منطقة دارفور في غرب البلاد.

وتعرض جريشون لانتقادات بأنه يتعامل بلين شديد مع الخرطوم التي مازالت ترزح تحت وطأة عقوبات من الولايات المتحدة والامم المتحدة، ويتوقع المنتقدون مشكلات في جنوب السودان المنتج للنفط، إذاما جاءت نتيجة الاستفتاء في مصلحة الانفصال.

وفي منتصف عام 2010 زادت واشنطن تدخلها بقوة، بعرضها حوافز جديدة على الخرطوم، منها تطبيع للعلاقات في نهاية المطاف إذا ما سمحت الخرطوم باجراء الاستفتاء، وأرسلت واشنطن الدبلوماسي المتقاعد برينستون ليمان ليقود بنفسه المحادثات بين الشمال والجنوب.

وقال مدير لجنة الضمير ، التي توجه جهود مكافحة الابادة الجماعية بالمتحف التذكاري الاميركي للمحرقة النازية، مايكل ابراموفيتز «الادارة ترى ذلك باعتباره موقفاً وقائياً. وتعتقد أن التعامل بنشاط في وقت مبكر قد يحول دون وقوع أعمال عنف في المستقبل».

ومع تعهد البشير باحترام نتيجة استفتاء الاحد، يقول المسؤولون الاميركيون ان الاستثمار الدبلوماسي بدأ يؤتي ثماره، علىالاقل حتى الان.

وقال المتحدث باسم وزارة الخارجية الاميركية بي.جيه كراولي «نعتقد أنه تم توجيه الإشارات الصحيحة، سواء للجنوب أو الشمال في ما يتعلق بالاستفتاء المرتقب واحترام نتائجه». وأقر بأن «الطريق مازال صعباً»، لتسوية الخلافات القائمة بين الجانبين.

وقالت مديرة برنامج إفريقيا في مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية جنيفر كوك، إن «الولايات المتحدة تواجه تحديات ضخمة في حل الخلافات العالقة بين الجانبين، خصوصاً في ما يتعلق بمنطقة ابيي المنتجة للنفط المتنازع عليها، والتي يخشى كثيرون أن تمثل احد التهديدات الرئيسة للسلام الدائم».

وقالت كوك «هناك ميل في بعض الدوائر إلى المبالغة في تقدير التأثير الاميركي في الوضع فيقولون إن هذه هي مذبحة أوباما (رواندة أوباما)، وهذه هي الخسارة التي ستتكبدها ادارة أوباما. يتعين ان نتواضع بعض الشيء بشأن ما يمكن للولايات المتحدة عمله وما لا يمكنها عمله».

وقال ريتشارد ويليامسون المبعوث الاميركي إلى السودان في عهد الرئيس جورج دبليو بوش «سنجتاز الاستفتاء بمشقة. وسيكون هناك ميل لدى وسائل الاعلام لان تقول إن الاستفتاء كان ناجحا. وسيكون ذلك مؤسفا وخاطئا، لان العمل الصعب الحقيقي سيكون في الاشهر الستة التالية».

وقال ويليامسون إن ادارة أوباما التي تؤكد حتى الآن على مكافأة الخرطوم على سلوكها الطيب، بدلا من معاقبتها على سلوكها السيئ يتعين عليها أن تؤكد على عواقب أي انتكاسة. وتابع «يجب ان تكون لدينا دبلوماسية حقيقية، فالحوافز وحدها ليست دبلوماسية حقيقية»، ومضى يقول «يجب ان يكون هناك وضع تفاوضي أكثر تقليدية وواقعية، ويناقش الجميع ابعاد الصعوبات التي يمكن أن تواجههم».

طباعة