المهمة المستحيلة في أفغانستان

أفغانستان تحولت إلى «فيتنام أوباما». أرشيفية

 هرع الجميع إلى مبنى الكونغرس في أعقاب هجمات سبتمبر ،2001 ثم فجأة راح النواب وممثلو الشعب الأميركي يغنون لهذا البلد الذي أحب كثيراً، وخلال لحظات كنا أمة موحدة. وبعد أسابيع من الصدمة بدأ المشرعون والعسكريون يبحثون آلية القضاء على حركة طالبان في أفغانستان، التي وفرت ملاذاً آمناً لتنظيم القاعدة. لكن الأمور تغيرت منذ ذلك الحين، وتعاقبت السنون وتلاشى الدعم الشعبي للحرب إلى أن بات معظم الأميركيين يعتقدون أن الحرب على أفغانستان غير مجدية، والواقع أن ما يحدث اليوم كان متوقعاً منذ البداية. ومع سقوط أول قنبلة على أفغانستان كُتب علينا أن ننتهي إلى ما نحن عليه، دون رؤية واضحة، وأصبحنا منهكين بسبب حرب تواصل حصاد المزيد من الأرواح، في ظل تراجع الأمل في مشاهدة نصر يثلج صدور الأميركيين.

ربما كانت المصاعب التي مازلنا نواجهها على أرض المعركة، خصوصاً في الجنوب، وراء خيبة الأمل التي نعيشها اليوم، ولكن السبب الحقيقي يكمن فينا نحن الأميركيين. نحن أمة تحكمنا مبادئ مقدسة تتمثل في الحرية والديمقراطية، ونفترض أن هذه القيم بديهية للجميع، وبعد فرار طالبان إلى الجنوب وسيطرتنا على الشمال اعتقدنا أن فرص نجاحنا كبيرة، بجعل أفغانستان بلداً مستقراً وديمقراطياً، و«أرضاً للأحرار»، تماماً مثل الولايات المتحدة، ولكن عندما وصلنا إلى هذه النقطة كانت المهمة مستحيلة، لأن البلد كان منهاراً، والدولة كانت فاشلة، حتى قبل أن نصل إلى هناك بوقت طويل، وكانت دعائم الديمقراطية الحقيقية غائبة بشكل واضح، فالأمية تطال 30٪ من مجموع السكان، وهي نسبة أقل من الولايات المتحدة في ،1650 أما المؤسسات المدنية على النمط الغربي فلا وجود لها.

هناك أسباب أخرى لتفسير الواقع الذي نعيشه الآن، لدينا مشكلة مع مسألة «بناء الدول»، فعلى الرغم من أن الأميركيين يعتقدون بأن فكرة الامبراطورية تعتبر إساءة لموروثهم الديمقراطي، فإن مصطلح «الامبراطورية الأميركية» على كل لسان، خلال الأشهر الماضية.

في المقابل، يرى محافظون أن «بناء دولة»، يعتمد على هندسة اجتماعية تقوم بها الحكومة على نطاق واسع، وإذا كانت واشنطن لا تستطيع حل مشكلاتها الداخلية فكيف لها أن تقدم حلولاً لأفغانستان، ولا ننسى مخلفات الحرب الفيتنامية، والذكريات السيئة التي لاتزال عالقة في أذهان الكثيرين ممن شاركوا وعايشوا تلك الفترة، وهذا سبب آخر للإحباط. وفي بداية 2009 علقت مجلة نيوزويك بأن أفغانستان هي «فيتنام أوباما»، وقبل أن ينتهي العام الماضي قال 52٪ من الأميركيين إن الحرب في أفغانستان تحولت إلى «حالة مثل التي واجهتها الولايات المتحدة في فيتنام».

بالتأكيد لقد اعتبر الأميركيون، بشكل دائم تقريباً، بناء الدول فشلا، لم نكن نفضل أن نبسط الاستقرار في جنوب فيتنام في الستينات، عندما قتل 58 ألف أميركي هناك، لكننا لم نكن نفضل أيضا الاستقرار الناجح في البوسنة وكوسوفو في التسعينات، عندما لم يقتل جندي واحد في ساحة المعركة. في الذهنية الأميركية «بناء دولة» يعني تقريباً كلمة«مستنقع»، وهي ليست فكرة جديدة. ففي عام 1900 وصف الكاتب مارك توين، عملية بناء الدولة في الفلبين بأنها «مستنقع» صعب للغاية، وبعد قرن يقوم السيناتور توم ديلاي ليصف كوسوفو بـ«المستنقع الكبير الخطير».

 

طباعة