‏‏استخدمت تقدّمها الزراعي وصناعتها العسكرية أداتين للتوغّل في القارّة

‏إسرائيل تحاصر العرب وتبعــدهـم عن آسيا‏

يعرض الكاتب والصحافي معين أحمد محمود في أحدث كتبه «إسرائيل واختراق جبهة آسيا»، تفاصيل تمكن الدولة العبرية من التغلغل في دول آسيوية اعتبرت حتى وقت قريب حليفة للدول العربية ومناصرة لقضاياها، ويتعرض في كتابه للأسباب التي أدت الى ذلك، والنتائج المترتبة على هذا التحول الجيوسياسي.

وفي توطئة للموضوع يشير الكاتب الى أنه بعد أن نجح اليهود في إقامة كيانهم في مايو من عام 1948 ،وضع ديفيد بن غوريون أول رئيس وزراء لهذا الكيان، في مطلع الخمسينات من القرن الماضي، بعض ثوابت السياسة الخارجية التي اعتبرها ضرورية لتجاوز ما سمي بـ«الطوق العربي» والحصار الدولي على كيانه. واعتمد في سبيل تخطي الصعوبة الأولى ما عرف بـ«سياسة القفز فوق الحواجز الاقليمية»، أي انه ربط الدولة العبرية الجديدة بأوثق العلاقات مع كل من إيران وإثيوبيا وتركيا، كثلاث محطات رئيسة يمكن عن طريقها إقامة جسور أمنية، واقتصادية وسياسية تساعد على التخفيف من وطأة الحصار العربي، لكن كان من الصعب على تلك السياسة مواجهة التحديات التي خلقتها كتلة عدم الانحياز بعد مؤتمري باندونغ «1955» وبلغراد «1961»، الأمر الذي أوجد طوقا عالميا من الدول الافريقية والآسيوية، سرعان ما حظي بدعم الاتحاد السوفييتي بعد عدوان يونيو 1967.

ومع ان التغيير الذي حدث في كل من ايران واثيوبيا وتركيا قد حطم سياسة القفز فوق الحواجز، إلا ان الانعطاف الذي أحدثته ثورة ميخائيل غورباتشوف، آخر رؤساء الاتحاد السوفييتي، فتح ثغرة في جدار العلاقات العربية - السوفييتية، ومنح «الدولة العبرية» فرصة تاريخية لولوج باب ظل موصد في وجهها طوال ربع قرن، اذ استغلت تفكك الاتحاد السوفييتي ووظفت الضغوط الاميركية لتمرير حركة انفتاح قادت في النهاية الى توسيع علاقاتها الدبلوماسية والتجارية مع معظم دول العالم. وفي ظل هذه المتغيرات ومع وجود نظام القطب الواحد، الملتزم بضمان التفوق المطلق للدولة العبرية، تأسست أرضية صالحة للانطلاق الصهيوني للتغلغل في قارة آسيا لدوافع كثيرة اهمها أن اسرائيل تعتبر وجودها في القارة الآسيوية مسألة تكسبها عاملاً من عوامل القوة في المجال الدولي، وتساعدها على كسب تأييد وتعاطف هذه الدول مع الدولة العبرية في مواقفها العدائية للفلسطينيين وحقوقهم الشرعية في فلسطين.

كما ان نجاح إسرائيل في اختراق جبهة آسيا يكسبها ميداناً مهماً لنشاط متعدد الاوجه، لا يقتصر على العلاقات الدبلوماسية فقط، بل لتكون مسرحاً يمكن لإسرائيل ان تلعب فيه أدواراً اقتصادية، وسياسية، وعسكرية.

واذا كان الواقع السياسي لدول آسيا، منذ بداية التسعينات من القرن الماضي، قد ساعد اسرائيل على الدخول الى تلك الدول، والتغلغل فيها، فمما لاشك فيه ان العالم العربي هو الآخر قد ساعد على تحقيق ذلك من خلال قبوله بعملية التسوية مع الدولة العبرية، ما جعل مواقف عدد من الدول الآسيوية تتأثر بهذه العملية، وتستشعر الارتخاء في السياسة العربية تجاه اسرائيل.

ويتناول هذا الكتاب الاختراق الاسرائيلي لجبهة آسيا، ونجاح إسرائيل في محاصرة الواقع العربي بأضخم مجموعة بشرية آسيوية متمثلة في الهند والصين. كما تتعرض للعلاقة مع تركيا على مختلف الصعد العسكرية والسياسية والاقتصادية، اضافة الى مراحل علاقات إسرائيل بدول آسيا الوسطى: أوزبكستان، طاجيكستان، كازاخستان، تركمانستان، أذربيجان، وهي الدول التي فتحت أبوابها على مصاريعها للدولة العبرية.

العلاقات مع الهند

بذلت إسرائيل محاولات عدة فاشلة لإقامة علاقة مع الهند منذ ثلاثينات القرن الماضي، ويعرض معين محمود في الفصل الأول مراحل تطور العلاقات الهندية ــ الإسرائيلية بالقول: «إذا ما أردنا إلقاء الضوء على العلاقات الهندية - الاسرائيلية التي دخلت مرحلة متقدمة من التطور، لابد من معرفة قصة محاولات قادة اسرائيل التغلغل في هذه الدولة الآسيوية الكبرى، منذ عهد زعيمها المهاتما غاندي، الذي أبدى عدم تفهمه للحركة الصهيونية وتطلعاتها لإقامة دولة يهودية في فلسطين، اذ اعتبر المشروع طعناً في الحقوق العربية، وكان موقفه واضحاً من خلال خطابه التاريخي المشهور في 26 نوفمبر 1938 الذي أعلن فيه أن «فلسطين ملك للعرب مثلما هي بريطانيا ملك للبريطانيين، وإنه من الخطأ واللانسانية فرض اليهود على العرب، وما يدور الآن في فلسطين لا يبرره أي قانون».

وقام الصهاينة بأربع محاولات لإقناع غاندي بوجهة نظرهم، أولها قام بها الصهيوني هيرمان كالنباح، زميل غاندي في جنوب افريقيا، وكانت عام 1937 ،وآخرها محاولة قام بها لويس فيشر، ورد عليها غاندي عبر مقال نشره في مجلة «هاريغان» في أغسطس من عام 1947 جاء فيه «لقد أخطأ اليهود في محاولتهم فرض أنفسهم على فلسطين بمساعدة أميركية وبريطانية أولاً وبالاعتماد على الإرهاب المفضوح ثانياً. لماذا يعتمدون (أي الصهاينة) على أموال أميركية لفرض أنفسهم في أرض غير مرغوب بهم فيها».

الكاتب في سطور

معين أحمد محمود، صحافي وباحث ومؤرخ، عمل في حقلي الأدب والصحافة منذ عام 1965 ،ومن الصحف التي عمل فيها على سبيل المثال لا الحصر: جريدة «اليوم» اللبنانية، جريدة «المحرر» اللبنانية، مجلة «فلسطين الثورة»، مجلة «فلسطين المحتلة»، مجلة «القدس»، صحيفة «الاتحاد» الظبيانية. وله مؤلفات عدة كان آخرها «أمير الجهاد» وهو سيرة ذاتية عن حياة الشهيد خليل الوزير «أبوجهاد». ‏

تحوّل الموقف

بعد سرد سلسلة مواقف أظهرت صعوبة قيام علاقات طبيعية بين الهند واسرائيل، تحدث معين محمود عن العوامل التي أفرزتها المتغيرات الدولية خلال الفترة ما بين عامي 1991 و،1992 التي شهدت تحولاً دراماتيكياً للموقف الهندي من الدولة العبرية. أول هذه المتغيرات الأزمة الاقتصادية الحادة التي اجتاحت الهند فدفعتها الى طرق أبواب واشنطن، والسعي للعمل بالخرافة القائلة بأن الطريق الى بورصة نيويورك يمر عبر تل أبيب. وثانيها الوقوف في وجه مساعي باكستان لصناعة القنبلة النووية، وانه من مصلحة الهند وإسرائيل مواجهة هذا الخطر (الإسلامي) النووي. وثالثها الوضع العربي العام، وبدء العملية السلمية في المنطقة. وآخرها سقوط الاتحاد السوفييتي الذي كان يشكل السند الأساسي للهند، ما أحدث تغييراً في سياستها الخارجية بوجه عام.

وقد لعب يهود الهند وعددهم نحو 50 ألفاً دوراً مهماً في توثيق العلاقات بين نيودلهي وتل ابيب. وتنقسم هذه الجالية الى ثلاث طوائف:

  • طائفة بني إسرائيل وهم يسكنون مدينة بومباي العاصمة التجارية للهند، ويتمتعون بنفوذ تجاري واقتصادي كبير، ويمتلكون شركات ومؤسسات مهمة.
  • يهود كوستين ويقيمون في المنطقة الجبلية الخضراء في ولاية تاميل نادو، التي تعد مركزاً رئيساً لزراعة وصناعة الشاي الهندي.
  • اليهود البغداديون وهم الذين قدموا من بغداد واستوطنوا مدينة كالكنتا الهندية، وسورات في ولاية مهار اشتر.

ويجمل الكاتب الاهداف الاسرائيلية من التقارب مع الهند في ثلاثة: الأول: إقامة تحالف هندي - إسرائيلي في مواجهة باكستان التي تعتبرها تل أبيب دولة مواجهة مثل إيران، وتعتقد أن مجالها الحيوي يمتد حتى الحدود الباكستانية، وهي تخشى ما تسميه «القنبلة النووية الاسلامية». الثاني: الحصول على دعم الهند للموقف التفاوضي الاسرائيلي مع العرب، والسعي إلى الحد من تأثير العلاقات العربية - الهندية. أما الثالث والأخير فهو الحصول على دعم الهند للدور الاسرائيلي في آسيا وتقوية علاقات تل أبيب بعدد من الدول الآسيوية.

أما أهداف الهند فتتلخص في التالي: الاستفادة من التقدم الذي حققته الدولة العبرية في المجالات والميادين العلمية والعسكرية المختلفة. الاستفادة من التسهيلات التي تمنحها الدول الاوروبية وأميركا لإسرائيل، إذ يمكن تمرير المنتجات الهندية المصنعة في إسرائيل الى أسواق تلك الدول دون قيود تذكر. تحقيق استفادة متبادلة نتيجة التعاون في مجالات الامن بما يتيح للهند واسرائيل معاً التعرف إلى الانشطة النووية والتسليحية الباكستانية، ويوفر للهند وسائل التعامل مع مشكلة كشمير.

ما تمثله إسرائيل في المنظور القريب كسوق مهمة لجذب العمالة فيما لو فقدت الهند بعضاً من اسواقها في منطقة الخليج.

العلاقات مع الصين

يعرض معين محمود في الفصل الثالث من الكتاب مراحل تطور العلاقات بين الصين والدولة العبرية، وانعكاسات ذلك على الوضع العربي الراهن، فيقول «الصين صديقة العرب، بقيت آخر الدول ابتعاداً عن الدولة اليهودية، وإصراراً على عدم الاعتراف بها. الصين التي تعرضت لضغوط كبيرة إثر ابتعادها عن الاتحاد السوفييتي وتقربها من اميركا لكي تتحاور مع اسرائيل وتعترف بها، لم تخضع طويلاً للضغط والاغراء الغربيين، وأصرت على أن يكون الانسحاب الاسرائيلي من الاراضي المحتلة شرطاً لأي علاقات، على ان يسبق ذلك اعتراف بالحقوق الفلسطينية المشروعة.

ولكن كيف تغيرت الصين، ومتى؟ وما أبعاد التعاون الصيني - الاسرائيلي ؟

يقول الكاتب انه في يوم 28 يونيو من عام 1950 اتخذت الحكومة الاسرائيلية قراراً سرياً بخصوص إقامة علاقات دبلوماسية مع الصين الشعبية، لكن اندلاع الحرب الكورية عام 1950وضع إسرائيل على محك الاختبار، اذ اضطرت للالتزام بالموقف الأميركي، والتصويت الى جانب قرار أممي لإدانة الصين.

اتسمت السياسة الصينية تجاه الدولة اليهودية خلال الخمسينات بتوافقها مع الموقف السوفييتي. واتهمت الصين الشعبية إسرائيل بأنها قاعدة متقدمة لأميركا، رغم تصويت الاخيرة عام 1952 على قرار بقبول عضوية الصين في الامم المتحدة.

وما لبثت العلاقات بين الجانبين أن شهدت تطوراً جديداً بمبادرة صينية، اذ عقدت في العام 1954 لقاءات متعددة في رانغون وبورما بين سفراء الجانبين.

التقارب الصيني ــ الإسرائيلي

شهد عقد السبعينات من القرن الماضي متغيرات عدة في سياسة الصين تجاه الشرق الاوسط، وذلك في أعقاب التحول الكبير الذي شهدته الصين عام ،1972 وبعد حرب اكتوبر 1973 وزيارات الرئيس الاميركي ريتشارد نيكسون ووزير خارجيته هنري كيسينجر الى بكين، ما أسهم في توطيد التفاهم بين الصين وأميركا. وبعد زيارة قام بها للصين عام ،1974 ذكر الرئيس الجزائري الراحل هواري بومدين أن صانعي القرار في بكين ينصحون العرب بالاعتراف بإسرائيل. كما أعرب قادة الصين في يناير 1975 عن تأييدهم لسياسة الحل المرحلي التي شرع في تنفيذها كيسنجر، بين مصر وإسرائيل.

وعندما أدركت الدولة العبرية مغزى هذا التحول الذي طرأ على موقف الصين، أجرت العديد من الاتصالات السرية مع بكين. وظهرت في الثالث من يونيو عام 1975 أولى ثمار هذه الاتصالات، إذ قامت سبع شخصيات صينية بزيارة الجناح الإسرائيلي في معرض الصناعات الجوية في باريس.

وعندما قام الرئيس المصري الراحل أنور السادات بزيارة تل أبيب والتوقيع على «معاهدة» سلام معها، أعربت الصين عن تأييدها للمعاهدة، وأكدت عام 1987 استعدادها للاعتراف بإسرائيل، شرط تخليها عن الأراضي التي احتلتها عام .1967

ومنذ ديسمبر 1991 تسارعت خطوات التقارب بين الطرفين، إذ توجه ديفيد ليفي وزير خارجية اسرائيل آنذاك في 22 يناير من العام نفسه الى بكين بناء على دعوة رسمية، ليتم الاعلان في 24 يناير من العام نفسه الاعلان رسمياً عن قيام العلاقات الدبلوماسية بين الجانبين.

ومن بين الاهداف الحقيقية للدولة العبرية من وراء إعادة العلاقات مع الصين، الخروج من العزلة الدولية، وجاء ذلك على لسان رئيس وزراء إسرائيل السابق إسحق شامير الذي قال إن «عزلة اسرائيل الدولية قد انتهت الآن». على اعتبار أن تل أبيب لديها علاقات مع الدول الخمس دائمة العضوية في مجلس الامن، فضلاً عن هدفها من الاستفادة من سوق الصين الضخمة، والضغط عليها من أجل عدم الاستمرار في بيع أسلحة متطورة، ونقل التقنية النووية إلى دول الشرق الأوسط.

أما الصين فيبدو أنها اختارت الدخول الى النظام العالمي الجديد، بعد هيمنة الولايات المتحدة على هذا النظام، عبر البوابة الإسرائيلية، بعد ان أدركت أن هذا الوقت هو وقت التكنولوجيا وليس الأيديولوجيا، ووقت الانفتاح على العالم والمشاركة في المتغيرات الدولية راعياً للسلم والأمن الدوليين.

ويتعرض الفصل الرابع من الكتاب لأبعاد التعاون العسكري بين تل ابيب وبكين، اذ يشير الكاتب معين محمود الى أن التعاون العسكري بين الجانبين من اكثر المجالات تنامياً وإحاطة بالسرية، حتى مع وجود علاقة دبلوماسية بين الطرفين. وقدرت مصادر مجلة «جينز ديفنس ويكلي» حجم صادرات إسرائيل التقنية والعسكرية للصين خلال العقد الماضي بنحو خمسة مليارات دولار.

وإن شهد عام 1980 البداية الحقيقية للتعاون العسكري بين الجانبين، إلا ان جذوره تعود الى أواخر الستينات وبداية السبعينات من القرن الماضي، حينما اكتشف الصينيون أن العديد من الأسلحة التي يستعملها الفيتناميون الشماليون، كانت أقل في مستواها التقني مما يماثلها من الأسلحة الاميركية الحديثة التي كانت بحوزة الجنوبيين. فتوجهوا الى تل أبيب لتعويض النقص في المستوى التقني العسكري، وبدورها نقلت تل أبيب التكنولوجيا الأميركية الى الصين.

يهود تركيا

إثر اغتصاب فلسطين في مايو 1948 وقيام دولة إسرائيل، بدأ يهود تركيا موجة من الهجرة لم يسبق لها مثيل، وكان عدد اليهود الأتراك في تلك السنة 78 ألفاً و730 فرداً من بين إجمالي سكان بلغ 18 مليوناً، ولم تضع الحكومة التركية أية عراقيل تحول دون تلك الهجرة، التي بلغت ذروتها في ابريل 1949 ،إذ انخفض عدد اليهود في تركيا بمقدار 30 ألف نسمة.

 أهمية كازاخستان

 تحتل جمهورية كازاخستان الاسلامية موقعا خاصاً في استراتيجية إسرائيل كونها تمتلك قدرات نووية. ومبعث ذلك الاهتمام هو تخوف تل أبيب من احتمالات تسرب رؤوس أو معدات نووية الى إحدى الدول العربية.‏

 زوال جدار السرية

 جسدت زيارة الرئيس الصيني السابق جيانغ زيمين لإسرائيل عام 2000 ،وهي الاولى لزعيم صيني منذ عام 1948 ،التحسن الكبير الذي طرأ على العلاقات بين الطرفين، إذ أزالت تماما جدار السرية القائم بينهما منذ السبعينات من القرن الماضي، وسبق ذلك قيام رئيس الوزراء الاسرائيلي الراحل اسحق رابين بأول زيارة رسمية لبكين عام .1994‏

العلاقات مع تركيا

لم تبرز العلاقات العسكرية الاسرائيلية ـ التركية فجأة ودون أهداف ومبررات لها، بل كانت نتيجة للاوضاع السياسية والاقتصادية والعسكرية لكل من تركيا وإسرائيل، وعلاقاتهما مع دول جواريهما، إضافة الى أنها جاءت تماشياً مع السياسة الخارجية الاميركية في منطقة الشرق الاوسط وآسيا. وكان من أهدافها بالنسبة لأنقرة، ممارسة الضغوط على النشاطات الاسلامية المختلفة في تركيا، التصدي لنشاطات حزب العمال الكردستاني، ممارسة الضغوط على الدول المجاورة، تحديث وتطوير الجيش التركي، استعادة مكانة تركيا في السياسة الأميركية. أما تل أبيب فقد سعت الى فتح سوق جديدة لمنتجاتها العسكرية، الضغط على كل من سورية وايران، الاستفادة من المميزات العسكرية والاستراتيجية لتركيا، إضافة الى جوانب أخرى لا يتسع المجال لذكرها.

تعززت العلاقات الصهيونية - التركية بعد تأسيس الدولة العبرية، وكانت سنة 1949 حاسمة في تاريخ العلاقات بين الجانبين، إذ بدات أنقرة في هذا العام بحث موضوع الاعتراف بالدولة العبرية تحت ضغط أميركي، وأدلى وزير خارجية تركيا آنذاك نجم الدين صادق بتصريح لوكالة أنباء الاناضول في 8 فبراير 1949 قال فيه «ان دولة إسرائيل حقيقة واقعة».

كما ظل الساسة الاتراك يعربون عن اعتقادهم، في جميع التصريحات الصادرة عنهم، بضرورة انسحاب اسرائيل من الاراضي المحتلة عام 1967 ،كأن قضية فلسطين بدأت في تلك السنة. ولم يذكر أحد منهم شيئاً عن الأراضي المحتلة سنة 1956 ،ولا عن تلك التي احتلت سنة 1948 .

وتتابع تطور العلاقات بين أنقرة وتل ابيب، وشهدت تحولاً نوعياً عند توقيع اتفاقية 1995 التي اتخذت طابع التعاون العسكري في مجالات التسليح والتدريب، وتبادل المعلومات. وتكرس هذا التحول في المباحثات التي أجراها وزير خارجية الكيان شمعون بيريس مع رئيس هيئة الاركان التركية الجنرال اشيفيك بيير إبان زيارته لإسرائيل في فبراير .1996

وأسفرت تلك الزيارة عن رسم الخطوط الرئيسة للشراكة الاستراتيجية، وتوقيع اتفاقية الدفاع المشترك، ثم جاءت زيارة الرئيس التركي سليمان ديميريل الى الدولة العبرية في مارس من العام نفسه، لتضع قطار التحالف على سكة العمل العسكري المشترك ضد كل من سورية والعراق وايران، ولتعطي هذا التحالف بعداً اقتصادياً توج بتوقيع اتفاقات للتبادل التجاري بين البلدين بعد ذلك.

ويتعرض الفصل السادس من الكتاب لتفاصيل التحالف العسكري بين تركيا واسرائيل، ويسلط الضوء على طبيعته ومضمونه، والمحاور التي استند إليها، والتي شملت تبادل المعلومات الاستخباراتية حول كل ما يتعلق بأمن الدولتين. وقيام تل ابيب بتزويد القيادة التركية بصور القمر الاصطناعي الاسرائيلي، ولاسيما الصور الخاصة بالمناطق السورية والعراقية والايرانية. وربط شبكة الرصد والانذار المبكر التركية بنظيرتها الاسرائيلية، وإجراء مناورات بحرية - جوية مشتركة شرقي المتوسط (لم تجر العام الماضي بسبب الغضب التركي من العدوان الاسرائيلي على غزة)، ووضع أحدث التقنيات العسكرية التركية تحت تصرف أنقرة لمساعدتها على تحسين قدراتها في مجال الحرب الالكترونية وتحديث صناعتها الحربية. وتعهد إسرائيل بتدريب الجيش التركي على أساليب حرب العصابات، وتدريب الطيارين الاتراك.

آسيا الوسطى

ويخصص الكاتب معين محمود الفصل السابع للحديث حول علاقات إسرائيل بدول آسيا الوسطى الاسلامية حيث خلقت التحولات الكبرى التي أدت الى تفتت الاتحاد السوفييتي وتحويله الى جمهوريات ومقاطعات منفصلة الارضية الخصبة للتغلغل الصهيوني في جسم العديد من هذه الدول. وقد وجدت الدولة العبرية أبواب هذه الدول مفتوحة على مصاريعها لممارسة نشاطها الاقتصادي والسياسي، وحتى العسكري والاستخباراتي.

وقد أسهمت بعض الشخصيات اليهودية المعروفة في تمهيد الدخول الى سائر الجمهوريات السوفييتية السابقة، وأكد ذلك مسؤول الوكالة اليهودية السابق في الاتحاد السوفييتي المنحل مناحيم آبشتاين، عندما صرح علناً بأن اليهود هم أول من نظموا أنفسهم وشرعوا بالعمل في جميع الجمهوريات السوفييتية قبل تفكك الدولة الكبرى، إذ قررت الدولة العبرية، على حد قوله، الاتصال مباشرة مع دول الرابطة المستقلة التي خلفت الدولة المنهارة. وهذا يفسر اعتراف اسرائيل السريع والمباشر باستقلال جمهوريات آسيا الوسطى الست.

وقد قررت حكومة أوزبكستان إقامة علاقات دبلوماسية كاملة مع الدولة العبرية في فبراير 1992 ،وذلك انطلاقاً من اتفاقيات تعاون عقدتها مع تل أبيب على مستويات الاقتصاد والتبادل التكنولوجي وفي المجال العسكري. ونجحت الدولة العبرية في إقامة علاقات دبلوماسية كاملة مع اذربيجان وفتحت سفارة لها في باكو مطلع عام 1993 .وشهد منتصف عام 1992 إقامة علاقات دبلوماسية بين اسرائيل وقيرغيزستان، على خلفية مشروعات زراعية تنفذها الاولى لدى الأخيرة.

ولابد من التأكيد في هذا السياق على أن المجالات العلمية قد حظيت باهتمام شديد من جانب اسرائيل، ولا يحتاج المرء لكبير عناء في تفسير تلك السرية المفروضة حول علاقات إسرائيل بجمهوريات آسيا الوسطى في المجال العلمي. وقام اليهود بافتتاح عشرات المراكز، وإصدار عشرات الصحف والمجلات في تلك الجمهوريات، وكلها تروج للصداقة والتعاون مع الدولة العبرية والاستفادة من خبراتها وتقنياتها المتطورة.

وتدعم واشنطن التقارب بين إسرائيل وجمهوريات آسيا الوسطى الاسلامية، اذ يتم تغلغل تل أبيب في المنطقة وفق برنامج اميركي - اسرائيلي مشترك لتنفيذ اصلاحات اقتصادية بناء على اجتماع عقد خصيصاً لهذا الغرض بين وزير الخارجية الاسرائيلي حينها شمعون بيريز ومساعد وزير الخارجية الاميركي السابق ريتشارد ارميتاج. وشكلت فرق خاصة من الخبراء من كلا الطرفين لتنفيذ الإصلاحات بالتعاون المباشر مع حكومات كل من كازاخستان وأوزبكستان وقيرغيزستان وطاجيكستان وتركمانستان.

ويتعرض الفصل الثامن من الكتاب لخطورة الغياب العربي عن منطقة آسيا الوسطى الاسلامية، ما ترك المجال مفتوحا لإسرائيل لبسط نفوذها على دول المنطقة.

ويأتي الفصل التاسع والأخير من الكتاب عن تغلغل نفوذ الدولة العبرية في دول جنوب شرق آسيا: سنغافورة، كوريا الجنوبية، تايوان، تايلاند، سيريلانكا، الفلبين، من نافذتي الاقتصاد والتعاون العسكري.‏

لمشاهدة الموضوع كاملاً يرجى الضغط على هذا الرابط

طباعة