إسرائيل.. والقانون

تحدثت وسائل الإعلام في الأسبوع الماضي عن إلغاء ضباط إسرائيليين زياراتهم إلى بريطانيا، لخشيتهم من الاعتقال بتهمة ارتكاب جرائم حرب. وهذه ليست المرة الأولى التي يجري فيها مثل هذا الحدث، فقد سبقه قبل نحو شهر إلغاء وزيرة الخارجية الإسرائيلية السابقة ورئيسة حزب كاديما المعارض، تسيبي ليفني، زيارتها لبريطانيا، بعد صدور قرار من المحكمة البريطانية باعتقالها. وأثارت الحادثتان غضب إسرائيل من تصرفات بريطانيا، وهددت بأنها ستؤثر في العلاقات بين البلدين.

وقبل ذلك، حاول ناشطون قانونييون العمل على إصدار مذكرة اعتقال ضد وزير الحرب الإسرائيلي إيهود باراك، بينما كان في زيارة لبريطانيا، وفشلوا في ذلك، نظراً إلى أن الوزير يتمتع بالحصانة الدبلوماسية.

وهددت الحكومة الإسرائيلية أنه إذا لم تلغِ بريطانيا القانون الذي يسمح للمحاكم البريطانية باستصدار مذكرات اعتقال للمشتبه في ارتكابهم جرائم حرب في العالم، فذلك سيدمر العلاقات الجيدة بين البلدين. ووعد المسؤولون البريطانيون بالنظر في الطلب الإسرائيلي. وقالت المدعي العام الإسرائيلي، بارونس سكوتلاند، في محاضرة في الجامعة العبرية في القدس المحتلة، إن الحكومة البريطانية ستنظر على نحو السرعة في إيجاد الطرق الملائمة لتغيير القوانين التي تهدف إلى اعتقال مجرمي الحرب في جميع أنحاء العالم.

ولابد من القول إن المسألة الجديدة والمثيرة في هذه القضية هي تخوف إسرائيل من القوانين للمرة الأولى في تاريخها، بعد أن اعتادت أن تضرب عرض الحائط بالقوانين المحلية والدولية، وترتكب أبشع الجرائم بحق الفلسطينيين والعرب عامة. واعتادت على أن تظل فوق القانون، بدعم من الولايات المتحدة التي تساندها دائماً، بالضغط على الدول الأخرى وباستخدام حق النقض الـ«فيتو» في مجلس الأمن الدولي، لكي تجنب إسرائيل المساءلة عن الجرائم التي اقترفتها، حتى باتت إسرئيل طفل العالم المدلل الذي يفعل ما يشاء من دون حسيب أو رقيب. ولكن، يبدو أنه أسقط في يد إسرائيل أمام القضاء البريطاني المستقل في هذه المرة.

ولذلك، لم يكن أمام قادة إسرائيل المتورطين بجرائم الحرب، حسب تقرير اللجنة التي ترأسها القاضي ريتشارد غولدستون بشأن العدوان الإسرائيلي على قطاع غزة، وأمام تأكيد منظمات دولية أخرى مقتل 1400 إنسان في غزة كلهم من المدنيين، سوى المطالبة بإلغاء القانون الذي سبب لهم قلقاً كبيراً، ناهيك عن الفضيحة التي يواجهونها على الصعيد الدولي، حيث أصبح كبار قادة إسرائيل مطلوبين دولياً. ويبقى التساؤل المشروع والمهم : هل سيصمد هذا القانون، ومن خلفه القضاء البريطاني، أمام ضعط اللوبي الإسرائيلي القوي، إذا أخذنا في الاعتبار سابقة وقعت في بلجيكا التي اضطرت لإلغاء قانون محاسبة مجرمي الحرب عالمياً،عندما رفع ناجون من مذابح مخيمي صبرا وشاتيلا دعوى ضد رئيس الوزراء الإسرائيلي السابق أرييل شارون في المحاكم البلجيكية. ولم تصمد بلجيكا أمام نفوذ اللوبي اليهودي، فألغت القانون. وعاد الضحايا خائبين من القوانين التي تم تفصيلها على ما يبدو على مقاس دول العالم الثالث الضعيفة، لمحاكمتها واعتقال قادتها، وإصدار محكمة الجنايات الدولية قرار اعتقال الرئيس السوداني عمر البشير شاهد على ذلك.

هل سترضخ بريطانيا العظمى، العضو الدائم في مجلس الأمن للضغوط، مثل زميلتها بلجيكا في الاتحاد الأوروبي، طالما أن الدول سواسية أمام اللوبي الإسرائيلي؟

طباعة