أفضل للغرب إعادة صياغة سياسته تجاه إيران

ينبغي أن تتخلى أميركا وحلفاؤها عن شروطهم بأن تتوقف إيران عن تخصيب اليورانيوم في محطة نتانز. أرشيفية - أي.بي. إيه

في إحدى السفارات الغربية في العاصمة الإيرانية طهران يقول أحد الدبلوماسيين إنه «يمكننا القول إن سياستنا» في إشارة إلى سياسة الولايات المتحدة والدول المتحالفة معها حيال إيران «لم تفشل بعد».

ويبدو أن ذلك أكثر الآراء تفاؤلاً، لكن الحقيقة الماثلة هي أن سياستنا برهنت على فشلها، فقد كان لإيران حفنة من أجهزة الطرد المركزي لتخصيب اليورانيوم قبل أربع سنوات، أما اليوم فلديها 5000 جهاز على الأقل، وفي الوقت نفسه أزالت القوة العسكرية الأميركية أعداء إيران في العراق وأفغانستان، مما ساعدها على تمديد نفوذها الإقليمي.

هذه المدينة (طهران) والتي تنافس مانهاتن في السنوات الأخيرة في طفرتها العقارية، لا تزال تغتسل في أموال موسم النفط. والثورة الإيرانية في عيدها الثلاثين استطاعت أن تغذي «بطارياتها» من موجة العنف العالمية التي أجّجها (الرئيس الاميركي السابق جورج بوش) وحصار غزة والشعور المعادي للغرب.

لقد حان الوقت لكي نعيد التفكيرـ والتفكير هنا ليس مجرد إعادة صياغة الوصفات القديمة ـ من أجل إيجاد منفذ للطريق المسدود في العلاقات الأميركية الإيرانية منذ ثلاثة عقود، وهو ما يعني إزالة تلك التكلفة العالية والرعب الكبير. وصارت حالة انعدام العلاقات بين الجانبين تدور في حلقة نمطية تتمثل في التهديدات الأميركية (الاحتفاظ بالخيار العسكري على الطاولة) والمطالبة (بإيقاف أجهزة الطرد المركزي) والتي يرتفع أمامها حائط من الغرور الإيراني.

ويصلح مكان واحد لاجترار هذه الذكرى يقع في جنوب طهران، حيث كنت هناك في اليوم التالي لذكرى عودة الإمام الخميني الظافرة من فرنسا. وكنت في احتفال في المطار يستعرض على عجالة طائرة الجامبو من «إيرفرانس» والتي أعادته للوطن، ووجدت نفسي محاطا بالقبور الواقعة بالقرب من ضريح الخميني.

وتمتد مئات الألوف من تلك القبورـ المزين معظمها بصور فوتوغرافية عمرها 16 عاما ـ على مساحة كبيرة ويضم معظمها رفات ضحايا الحرب العراقية الإيرانية 80 ـ .1988

لا يزال الأثر النفسي ملموساً، ولا يريد الإيرانيون أن ينزفوا مرة أخرى بل يريدون أن يمضوا قدماً . ويشبهون في ذلك الصينيين في فترة ما بعد الثورة الثقافية، وعلى الرغم من الخطب الرسمية النارية والبراغماتية فإن المال والتعليم يدفعان الشعب إلى لأمام. سنوات من الأذى المتعمد في العراق وأفغانستان جعلت عقول الإيرانيين تتساءل: من الذي يريد كل ذلك؟

ويعتقد الصحافي محمد اتريانفار المحرر السابق لمجلة إصلاحية أغلقتها الحكومة أن «الإطاحة بالنظام لم تعد ضمن الأجندة، ونقول نعم للإصلاح ولا للانقلاب السياسي».

يطالب الشباب الإيراني ـ ونقول هنا إن أكثر من نصف السكان تحت سن الثلاثين ـ بحرية أكبر في الصحافة والملبس، بيد أن الهواتف النقالة والدخول السهل للإنترنت والقنوات التلفزيونية الفضائية (يستطيع الشعب الإيراني الالتفاف على القيود التي تفرضها الحكومة على هذه الوسائل مثلما تلتف الحكومة نفسها على العقوبات الدولية) تشعل نيران المواجهة مع الحكومة. وبرهنت الثورة الإسلامية أنها تتمتع بالمرونة خلال عهدها الطويل.

في هذه الأرض ذات التيارات المتنافسة ركزت الولايات المتحدة على أمر واحد وهو إيران التوسعية وإيران القوة النووية المستقبلية. وتشتمل النخبة السياسية الإيرانية على نفر قدموا في الماضي دعماً للمنظمات الإرهابية، إلا أن قصر النظر الأميركي الناجم عن حمّى محور الشر، جعل صانعي السياسة الأميركية يسيئون تقدير القوى الاجتماعية والنفسية والسياسية، ونؤكد هنا أن ايران لم تشن حرباً عدائية لفترة طويلة من الزمن.

وتجمع بين طهران وواشنطن العديد من المصالح بما فيها العراق «الديمقراطي»، عراق موحّد ومستقر يسمح للشيعة بزيارة المدن المقدسة مثل النجف.

أيضاً تعارض طهران حركة طالبان في أفغانستان ورجال تنظيم القاعدة، وعلى الرغم من أخطائها الديمقراطية فإن ممارساتها الديمقراطية بمقاييس الشرق الأوسط نابضة بالحياة، واسم الدولة نفسه شارح لذاته إذا ما تمعنا فيه: «الجمهورية الإسلامية».

هذه المصالح المشتركة والقراءة الخطأ لمتطلبات الأولويات الإيرانية تدعو الرئيس الأميركي باراك أوباما إلى إعادة النظر في ذلك، حيث إن رئاسة بوش الراديكالية ولدت استجابة إيرانية راديكالية. وإذا كان العراق قد اتخذ موقعه على خارطة العالم في القرن العشرين، فإن فارس قديمة العهد، وإن كبريائها يستحق معاملتها على قدم المساواة.

التقرير الصادر حديثاً عن مركز سياسة الحزبين في واشنطن والذي يقترح بأن «يبدأ أوباما بزيادة الضغط العسكري» إذا أراد استكمال الضغوط الدبلوماسية، إنما هو تنقيب عميق في الفشل.

ينبغي أن تتخلى أميركا وحلفاؤها عن شروطهم بأن تتوقف إيران عن تخصيب اليورانيوم في محطة نتانز قبل بدء أي محادثات معها في هذا الشأن (إيران يمكنها استئناف التخصيب متى ما شاءت)، وينبغي أن يؤكد أوباما لإيران أن الخيار العسكري قد تم وضعه تحت الطاولة لمصلحة الحوار بين الطرفين، ومثل هذه الخطوات ستضع المسؤولية على عاتق إيران.

والسؤال الذي يفرض نفسه هو: هل يمكن لإيران أن تعيش من دون الهتاف بعبارة «الموت لأميركا»؟ تعتقد الفصائل الإيرانية المتشددة القوية أن ذلك غير ممكن، لكنني أجد نفسي مع الغالبية الإيرانية التي تعتقد بأن جمهوريتهم الإسلامية يمكنها أن تتعايش مع علاقات فاعلة مع الولايات المتحدة.

وعلى أوباما أن يفعل خمسة أمور أخرى: أن يوجه خطابه إلى الزعيم الديني الأعلى، علي خامئني لأنه الشخص الذي يقرر. وأن يؤكد أن الولايات المتحدة لا تسعى إلى تغيير النظام الإيراني. والعمل سريعاً دون انتظار الانتخابات الرئاسية الإيرانية في يونيو المقبل. والبدء بخطوات صغيرة لبناء الثقة. والتعامل مع الموضوع النووي ضمن نطاق العلاقات الأميركية الإيرانية بدلا عن التشويش الذي يحدث الآن.



❊ كاتب ومحلل سياسي أميركي

ترجمة عوض خيري عن «نيويورك تايمز»

طباعة