بدايـــات أوبــاما لا ترضي الإسرائيليـــــين

باراك خطط لعدوان غزة وهو يعرف مسبقاً أنها ستؤدي إلى مقتل عدد كبير من المدنيين. أرشيفية-رويترز

من بين جميع العبارات الجميلة التي تضمنها خطاب القسم الذي ألقاه الرئيس الأميركي باراك أوباما، بقيت في ذهني الجملة التي تقول «أنتم في الجهة الخطأ من التاريخ»، حيث كان اوباما يتحدث من خلالها عن الانظمة الاستبدادية في العالم.

ولكن علينا نحن الإسرائيليين ايضا ان نمعن النظر في هذه الكلمات، وفي كل مرة كانت تخطر على بالي تلك الكلمات «انتم في الجهة الخطأ من التاريخ»، حيث كان اوباما يتحدث كرجل من القرن الـ،21 في حين ان قادة اسرائيل يتحدثون بلغة القرن الـ،19 وهم يتناولون الديناصورات التي ارعبت جيرانها وكانت غير واعية تماماً لحقيقة ان زمانها قد انتهى.

وكان الرؤساء الأميركيون الـ43 السابقون من البيض البروتستانت باستثناء جون كيندي الذي كان من البيض الكاثوليك، وكان 38 منهم من اصول مهاجرين جاؤوا من الجزر البريطانية، في حين أن الخمسة الباقين كانوا ثلاثة من اصول هولندية، والاثنين الباقيين من اصول ألمانية. لكن امتداد عائلة أوباما مختلف تماماً، إذ إنه يحتوي على بيض ومنحدرين من العبيد السود الافارقة من كينيا.

وتُعتبر الكلمتان الأوليان من اسم اوباما «باراك حسين» عربيتين. وهذا هو وجه الدولة الأميركية الجديدة. انها مزيج من الأعراق والأديان والألوان والقوميات والانفتاح على المجتمع المتنوع. وجميع اعضائه من المفترض ان يكونوا متساوين وأن يتبعوا خطى «الأباء المؤسسين».

ويستطيع الاميركي باراك حسين اوباما ان يتحدث بفخر عن «جورج واشنطن، مؤسس الأمة الأميركية»، وعن «الثورة الأميركية»، ويتمثل بمثل الأجداد، الذين يتضمنون الرواد البيض والعبيد السود، الذين «تحملوا ضرب السياط».

وأما بالنسبة لاسرائيل فهي نتاج قومية ضيقة في القرن الـ،19 وهذه القومية التي كانت مغلقة وانتقائية، مستندة إلى الأصل العرقي والعنصري، والدم، والأرض.

وكانت اسرائيل «دولة يهودية» واليهودي هو الشخص المولود من يهودية او تحول الى اليهودية طبقاً لشريعة الدين اليهودي.

وعندما يتحدث وزير الدفاع الاسرائيلي ايهود باراك عن المستقبل، فإنه يتحدث بلغة القرون الماضية، وبمصطلحات القوة والتهديدات الوحشية، حيث الجيوش تؤمن الحل لكل التمشكلا. وهذه كانت ايضاً لغة الرئيس الاميركي السابق جورج بوش، وهي اللغة التي تبدو للأذن الغربية كصدى من الماضي السحيق.

وتبدو كلمات الرئيس الاميركي الجديد رنانة في الهواء، حيث يقول «قوتنا لوحدها لن تحمينا، كما انها لن تخولنا فعل ما يحلو لنا». وتظل الكلمات الاساسية هي «الانسانية وضبط النفس»، ولايزال قادة اسرائيل الآن يتفاخرون بشأن ما فعلوه في حرب غزة، حيث اطلق الجيش الاسرائيلي من عقاله ضد المدنيين، من النساء و الاطفال وبهدف معلن هو « تشكيل ردع».

وثمة فجوة انفتحت أخيراً بين اسرائيل والولايات المتحدة، قد تكون صغيرة لكنها ربما تتسع وتتحول الى ما لا نهاية. ففي اليوم التالي لوجوده في البيت الأبيض اتصل اوباما بعدد من قادة الشرق الأوسط. وأراد ان يرسل اشارة في غاية الدلالة عندما اتصل اولا برئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس، ومن ثم رئيس الوزراء أيهود أولمرت، وهو الأمر الذي لم تستوعبه الصحافة الاسرائيلية حتى ان صحيفة مثل هآرتس قامت بالتزييف عن عمد، عندما كتبت أوباما اتصل بـ«أولمرت، عباس، مبارك والملك عبدالله» (بهذا الترتيب)، وبدلاً من توظيف يهود اميركيين مسؤولين عن قضايا الصراع العربي الاسرائيلي في إدارتي الرئيسين الأميركيين السابقيين بيل كلينتون وجورج بوش، قرر اوباما تعيين شخص من اصل عربي مبعوثاً للشرق الأوسط هو جورج ميتشل، من ام لبنانية واب ايرلندي، وتربى في عائلة مارونية مسيحية.

وبالطبع فإن ذلك ليس بالتغيرات التي ترضي القادة الاسرائيليين، فخلال الـ42 عاماً الماضية انتهج هؤلاء سياسة التوسع والاحتلال وبناء المستوطنات، بتعاون وثيق مع واشنطن. واعتمدوا على دعم أميركي غير محدود بدءاً من المبالغ المالية الكبيرة الى صفقات الأسلحة، الى استخدام حق النقض (الفيتو) لمصلحة اسرائيل في مجلس الامن الدولي.

ولابد من القول إن حرب غزة التي شاهدها عشرات الملايين من الأميركيين، بما حملته من مذابح ومجازر، على الرغم من الرقابة الصارمة التي كانت مطبقة عليها، قد ساعدت على تسريع تغيير النظرة الى اسرائيل هذه الشقيقة الصغرى لأميركا في «الحرب على الإرهاب»، حيث تحولت الى اسرائيل العنيفة، والوحش المسعور الذي لا يحمل اي شفقة على نساء او اطفال أو جرحى أو مرضى. وعندما تهب مثل هذه الرياح يفقد اللوبي الاسرائيلي الكثير من قوته.

ولم يتنبه قادة اسرائيل لذلك، ولم يشعروا به، كما قاله اوباما «اهتزت الأرض من تحت اقدامهم»، ولايزال هؤلاء القادة ثملين بخمرة العنف

والحروب، حيث يتنافسون مع بعضهم بعضاً للفوز بمكاسب سياسية.

فوزيرة الخارجية الاسرائيلية تسيبي ليفني التي لا تستطيع منافسة الرجال على تاج امراء الحروب، تحاول ان تبزهم في القسوة والولع في القتال وقسوة القلب.

وأشد هؤلاء وحشية هو ايهود باراك، الذي قلت عنه ذات مرة انه «مجرم السلام» لأنه سبب فشل مؤتمر السلام في كامب ديفيد وبدد حلم معسكر السلام الاسرائيلي. والآن عليّ ان ادعوه «مجرم الحرب» لأنه هو الذي خطط لحرب غزة وهو يعرف مسبقا انها ستؤدي الى مقتل عدد كبير من المدنيين.

ومن وجهة نظره وعدد كبير من العامة فإن هذه الحرب تستحق الكثير من الاطراء والمديح، في حين ان مستشاريه يقولون انها ستمنحه نجاحاً كبيراً في الانتخابات المقبلة. وكان حزب العمل هو الاكبر في الكنيست على مدى عقود عدة، الا أنه تقلص وأصبحت مقاعده ما بين 9 الى 12 حسب استطلاعات الرأي، ويمكن ان تصبح بعد حرب غزة 16 مقعدا.

لكن ما الذي حدث لباراك؟ امر بسيط فالحرب تساعد اليمينيين، اذ إن الحرب تثير المشاعر الاكثر بدائية لدى العامة وهي الخوف والكره، وهي العواطف التي يستغلها اليمينيون منذ قرون عدة.

وحتى عندما يبدأ الحرب اليساريون، فإن اليمينيين هم المستفيدون منها. وحدث ذلك مع باراك عندما ادعى انه قدم عرضاً للسلام غير مسبوق للفلسطينيين عام ،2000 لكنهم رفضوه، وقال إنه ليس هناك من نتحدث معه، وكان بفعلته هذه يعبد الطريق لمجيء بنيامين نتنياهو.

ولطالما كان المستفيد من الحرب شخصاً ليس له اي علاقة بها، كما حدث مع افيغدور ليبرمان، والذي يمكن ان يعتبر حزبه فاشيا في اي دولة طبيعية، والذي ارتفعت اسهمه في استطلاعات الراي. وهو رجل اتصف بكرهه الشديد للعرب ويعتبر نتنياهو شخصاً معتدلاً مقارنة بليبرمان.

وفي الوقت الذي حققت فيه الولايات المتحدة قفزة كبيرة نحو اليسار، قامت اسرائيل بقفزة نحو اليمين.

وعندما كان اوباما يتحدث امام الملايين من ابناء شعبه الذين احتشدوا كان يعبر عن طموحات شعبه.

وفي الواقع ليس هناك جسر بين العالم الذهني لأوباما وليبرمان ونتنياهو، وكذلك بين اوباما وباراك وليفني ايضاً.

وأوروبا ايضاً ليست بمنأى عن رياح التغير الاميركية، حيث إنه في نهاية الحرب شهدنا قادة عدد من الدول الأوروبية، يجلسون مثل التلاميذ على مقاعدهم في غرفة الصف يستمعون باحترام شديد للموقف الاكثر غطرسة وبشاعة لايهود اولمرت الذي كان يقرأ خطابه امامهم. وبدوا أنهم يوافقون على الاعمال الوحشية في تلك الحرب، حيث كانوا يتحدثون عن صواريخ القسام متناسين الاحتلال والحصار والمستوطنات.

لكن اثناء هذه الحرب اندفعت الجموع الأوروبية الى الشوارع للتظاهر ضد تلك الأحداث المرعبة، وكانت تلك الجموع تحيي اوباما في يوم تسلمه السلطة.

إنه العالم الجديد وربما يكون قادة اسرائيل يحلمون باطلاق شعار «اوقفوا العالم، أريد ان انجو»، لكن ليس هناك عالم آخر.

يوري افنيري،ناشط سلام إسرائيلي

طباعة