EMTC

المحافظون الجدد ينهزمون في آخر معركة

من المرجح أن تواصل الإدارة الأميركية الجديدة نهج إدارة بوش في المنطقة. غيتي ــ أرشيفية

يبدو أن هدف الحملة العسكرية التي شنتها القوات الاسرائيلية ضد قطاع غزة قبل أسبوعين، بمساعدة الإدارة الأميركية المنصرفة وبعض الحكومات الغربية، لم تكن من أجل وقف إطلاق الصواريخ التي تتنطلق من القطاع، بل إن أهداف الحملة أبعد من ذلك بكثير.

تم التخطيط لهذه الحرب بعناية قبل فترة، وكانت تلك الحرب آخر محاولة للمحافظين الجدد بقيادة الرئيس السابق جورج بوش، لايجاد حل للقضية الفلسطينية.

وتعتبر تلك الحملة العسكرية بمثابة خطوة أخرى تبنتها اسرائيل، ومن ورائها الولايات المتحدة ومجموعة ممن يسمونهم «العرب المعتدلين»، لبناء ما يسمى الشرق الأوسط الجديد، ولعل تسارع وتيرة الأحداث أثناء الحرب وقوة التدمير الهائلة، خير دليل على ذلك، إضافة إلى تصريحات قادة المعسكر الرافض لحركة المقاومة الاسلامية «حماس»، بداية الحرب على غزة، مثل تصريحات مبعوث الرباعية الدولية توني بلير.

معتدلون وإرهابيون

وقد بدأت خطة اسقاط حركة المقاومة الإسلامية «حماس» بحصار دام 18 شهرا، شاركت فيها أطراف اقليمية وأغلقت خلالها المعابر والمنافذ وبات مليون ونصف المليون فلسطيني يعيشون في سجن كبير، ومع تسلم المحافظين الجدد مقاليد الحكم في البيت الأبيض، قبل ثماني سنوات، انقسم أطراف الصراع في الشرق الأوسط إلى معسكرين، تقود أولهما الولايات المتحدة واسرائيل ويضم ما بات يعرف في الغرب بـ«تحالف المعتدلين»، ويهدف هذا التحالف إلى تطبيع العلاقات مع اسرائيل وادماجها في المنظومة شرق الأوسطية وضمان تفوق الدولة العبرية عسكريا.

ويعمل الأميركيون والاسرائيليون على تشجيع التنافر والخلاف السياسي في الدول العربية والاسلامية، واعتبار المتبنين للتوجه الأميركي «جبهة المعتدلين» وإلصاق تهمة «الإرهاب» بمن يعارض هذا التوجه، ولا يتردد هذا المعسكر في دفع الأطراف المتنازعة في الدول العربية والإسلامية إلى المواجهة، من أجل دعم حلفائهم للوصول إلى الحكم. ولتحقيق ذلك يتم اللعب على الوتر الطائفي، مثل ما يجري في العراق ولبنان، وعندما لا يكون هناك مجال لزرع فتنة مذهبية، تكون الخلافات السياسية وسيلة لزرع النزاعات مثل ما يحدث في فلسطين.

ويقف على الطرف الآخر معسكر المقاومة، والذي يتألف من حركات وحكومات مناهضة للمشروع الأميركي والاسرائيلي في المنطقة، ويلصق الأميركيون والإسرائيليون بهذا الائتلاف تهمة «الارهاب» في حين يفضل الأوروبيون وصفه بـ«التشدد»، وتمثل إيران وسورية العمود الفقري لهذا المعسكر، الذي يضم حكومة «حماس» المنتخبة وحلفاءها، وحركة الجهاد الإسلامي، وحزب الله اللبناني وتحالف «8 آذار» في لبنان، من دون أن ننسى التيار الصدري في العراق وحركة الإخوان المسلمين في مصر، ويستمد هذا التحالف قوته من الجماهير في الدول العربية والإسلامية، وساهمت الحرب على غزة في حشد المزيد من الدعم لمعسكر المقاومة وانضمام دول كانت في الماضي تعتقد أن الصراع في الشرق الأوسط ليس من أولوياتها السياسية، ولعل الجديد هذه المرة الدعم غير المسبوق للحكومة القطرية وتضامن ملايين الأتراك مع ضحايا قطاع غزة.

إلا أن معسكر المقاومة ليس مستعدا بعد لأخذ زمام المبادرة وفي الوقت الذي تتعالى فيه أصوات تدعو إلى وحدة الصف في مواجهة المخططات الاسرائيلية الأميركية، يؤكد آخرون الالتزام بالأدوات السياسية كوسيلة لتحقيق الأهداف بعيدا على استخدام القوة والسلاح، وبين هذا وذاك يلجأ سياسيون في المعسكرين إلى اللعب على وتر «مناهضة الامبريالية» للوصول إلى غايات سياسية والاستمرار في الواجهة.

جبهتان

ومن ثم يمكن أن نستخلص أن المحافظين الجدد فشلوا في تحقيق مشروع الشرق الأوسط الجديد، على الرغم من استخدامهم شتى الوسائل بما في ذلك العقوبات الاقتصادية والسماح والمساعدة في تدمير قطاع غزة، في حين لم تحقق تل أبيب أياً من أهدافها المعلنة، والمتمثلة في القضاء على المقاومة الفلسطينية في غزة ووقف إطلاق الصواريخ من القطاع، وانتهى الأمر بتدمير كبير للبنية التحتية والممتلكات ونصر سياسي لـ«حماس» ومعسكر المقاومة.

كل ما فعلته اسرائيل هو قتل وجرح آلاف المدنيين في غزة، وتدمير 20 ألف منزل وعدد من المباني الحكومية ومراكز الشرطة وعدد من المدارس والمحال، ويواجه مسؤولون سياسيون وعسكريون اسرائيلــيون احتمال ملاحقتهم قضائيا بتهم ارتكاب جرائم حرب، في المحاكم الدولية.

كما أعطت الحرب على غزة دعما كبيرا لمعسكر المقاومة وفتحت المجال أمامه، أكثر من أي وقت سبق، ليستقطب مزيدا من المؤيدين والناشطين، في الوقت الذي اتسعت الهوة بين معسكر المعتدلين والمقاومين، والواقع أن الشرق الأوسط منقسم الآن إلى معسكرين سياسيين باتجاهين مختلفين ومتعاكسين.

كما أن هناك جبهتين للصراع في المنطقة، واحدة بين العرب وإسرائيل، والأخرى العرب وإيران، وسيؤدي انتصار فريق من الفريقين إلى تغيير كبير في المعطيات الجيوسياسية وموازين القوى الاقليمية.

أمل وتفاؤل

من اللافت، ان القاسم المشترك بين الأطراف الموالية لأميركا وإسرائيل هو الفساد، كما أن ظاهرة الفساد كانت من أهم صفات الإدارة الأميركية المنصرفة، بقيادة بوش ونائبه ديك تشيني، وكذلك آخر حكومتين إسرائيليتين.

في المقابل، لايجب علينا أن نعول كثيراً على إدارة الرئيس الأميركي الجديد باراك أوباما، ونائبه جوزيف بايدن، في ما يخص الشرق الأوسط، حيث من المرجح أن تواصل الإدارة الجديدة نهج سابقتها في المنطقة.

إلا أن تعاضد الجبهة المناهضة لإسرائيل والولايات المتحدة وتعاظم قوتها، بعد الحرب الأخيرة، بعث الأمل والتفاؤل في نفوس الجماهير البسيطة في البلدان العربية والاسلامية، وقد يزيد ذلك من قوة الجماعات المسلحة وتأثير إيديولوجياتها على أفكار الأجيال الجديدة.

ومن أسباب هذا التفاؤل وتراجع الإحباط في الأوساط الشعبية في لبنان مثلا، تنامي التوجه المعادي للولايات المتحدة وإسرائيل، وشمل ذلك الأوساط الإسلامية والمسيحية على حد سواء.

ويسود اعتقاد، هذه الأيام، بأنه للمرة الأولى في تاريخ فلسطين بات هناك فهم شعبي حقيقي، في الغرب، واعتراف بحق الفلسطينيين في إقامة دولتهم المستقلة، عكس ما يروج له «المعتدلون» من الأميركيين والإسرائيليين ومسناديهم، وخلافا لشعوبها، فإن الحكومات الأوروبية التي لم تستمر في دعمها لتل أبيب، فحسب بل زادت من هذا الدعم.

يبقى أن نشير إلى أن القنوات الفضائية العربية لعبت دورا مهما في كشف الوجه الحقيقي للصهاينة، خلال الحرب على غزة، وبالنسبة لأغلبية العرب والمسلمين، فإن التدمير الهائل للممتلكات في غزة يدل على أن الإيديولوجية الصهيونية، اليوم، لا تختلف كثيرا عن الإيديولوجية النازية ابان الحرب العالمية الثانية.

واشنطن منحازة لإسرائيل دائماً

الرئيس الأميركي الجديد باراك أوباما مثل جميع رؤساء الولايات المتحدة منذ جورج بوش الأب، ملتزم بالحفاظ على سياسة الشرق الأوسط المتمركزة حول إسرائيل، والتي كانت حرب العراق أكثر فصولها مأساوية، وقد يكون أوباما عارض هذه الحرب، إلا أنه لن يفعل شيئاً لعكس عواقبها، والتي يبدو أكثرها مأساوية إطلاق العنان لآلة الحرب الإسرائيلية في المنطقة.

ففي البداية كانت لبنان، ثم أعقب ذلك انتهاك المجال الجوي السوري وقصف ما زعم أنها «منشأة نووية»، تبين لاحقًا أنها مستودع عادي للأسلحة، ونحن الآن في نهاية «فك ارتباط» في غزة وفتح جبهة جديدة في حرب التوسع الإسرائيلية المتعنتة.

إنها حرب تمولها دولارات دافعي الضرائب الأميركيين، ويتم القتال فيها بأسلحة أميركية، وبتعاون ودعم نشط من الحكومة الأميركية، وفي الواقع يتجه الرأي العام الإسرائيلي بصورة مطردة في اتجاه المتشددين، حيث إن فوز حزب الليكود اليميني المتطرف في الانتخابات المقبلة، يكاد يكون مؤكدًا، كما أن عناصر أكثر تطرفًا تنتظر على أهبة الاستعداد لموعدها.
 


منير شلبي كاتب وصحافي
طباعة