الغموض والعنف المفرط يعطلان «الرصاص المسكوب»

يبدو أن الخطأ الاستراتيجي في التخطيط لعملية«الرصاص المسكوب» كان القرار بالبدء بمرحلة جديدة هي الاجتياح البري كان يصعب فيها على قوات الجيش الإسرائيلي إضافة شيء جديد للدمار الذي لحق بقطاع غزة نتيجة للمرحلة السابقة وهي الغارات الجوية.

فقد استهدفت اعداد كبيرة من الطائرات أكثرمن 100 هدف في الموجة الأولى من الهجوم الجوي. وحيث إنها لم تضع حداً لتحركات المقاومة الفلسطينية ولم تجبر حركة المقاومة الإسلامية (حماس) فإن جميع الهجمات الاسرائيلية التالية أضحت محدودة في تأثيرها، كذلك وبعد أن قضى سلاح الطيران على جميع الأهداف المعروفة بقيت المشكلة في تحديد أخرى جديدة.

وحينما أدرك المخططون ما كان يجب ان يكون واضحاً من البداية وهو ان حكومة حماس لن ترفع الراية البيضاء بعد تدمير الأهداف الـ100 الأولى اصبح التحرك العسكري البري امراً حتمياً، وكان من المستحيل زيادة القوة التدميرية للهجمات الجوية بعد الموجة الأولى وكان على سلاح الجو البحث عن اهداف جديدة ليست «نوعية» كالتي تم تدميرها فعلاً في وقت يزداد فيه ضغطنا على الفلسطينيين.

ثمة مشكلة أخرى في التخطيط الاسرائيلي وهو حدود المطلوب من الحرب.

فقد حددت الحكومة هدفاً غامضاً لها وهو تغيير الوضع الأمني على حدود قطاع غزة. وكان على الجيش ترجمة هذا الهدف على الأرض على شكل تحركات وانجازات عسكرية، ويبدو أن القيادة العليا قررت تعريض الفلسطينيين لصدمة عنيفة بقتل أكبر عدد ممكن ممن لهم علاقة بحماس وكان افتراضها أن ذلك سيدفع قادة حماس الى الاستسلام وطلب اتفاق لوقف إطلاق النار، وهذا كان أحد اسباب عنف الموجة الأولى من الهجمات الجوية التي تم بدؤها بشكل مباغت وكذلك قصف عدد كبير من المباني المكتظة بالسكان دون تحذيرهم.

كان هناك إفراط في استخدام القوة العسكرية لأنه كان واضحاً منذ البداية ان الحرب ستنتهي بالتوصل الى ترتيبات مع الفلسطينيين وكان هناك في المطبخ الاسرائيلي من يعنيه ارسال رسالة تقول إن لإسرائيل القوة لضرب أي هدف في قطاع غزة وانه من الأفضل لحماس الإسراع في مناقشة وقف لإطلاق النار.

وبالطبع لم تكن هناك حاجة لقتل مئات من الأشخاص وفي نهاية المطاف لابد لنا من التحدث مع فلسطينيي غزة، كما أنه ليس هناك جدوى من إضافة الآلاف الى دائرة الكراهية والانتقام.

وعلى سبيل المثال ليس واضحاً ما الفائدة او المكسب العسكري من القتل المتعمد لـ100 أو أكثر من رجال الشرطة الفلسطينية الذين كانوا يصطفون للمشاركة في عرض لهم، في النهاية فإن قتلهم لن يضيف شيئاً الى محاربة الإرهاب في الوقت الذي يوسع فيه دائرة البغض والعداء.

كذلك فإن هدف القوات البرية التي تم استقدامها وسط نقص في الأهداف وقلة فرص بلورة وقف لإطلاق النار - كان غامضاً ايضاً، فهل كان من الضروري قتل المئات بحجة انهم على صلة بحركة حماس، والتوغل في شوارع مدينة غزة والمخيمات وخوض قتال منازل - من منزل الى آخر - بحثاً عن قادة الحركة ؟
علاوة على هذا فإن حادث مقتل ثلاثة جنود إسرائيليين بالنيران الصديقة وبطريق الخطأ هو أمر طبيعي يحدث في كل الحروب، ولكن تكراره بشكل كبير يجعل منه أحد اسباب الهزيمة كما حدث للأميركيين في فيتنام حينما ظهرت منظمة إحصاء الجثث «بادي كاونتس» التي كانت تقوم بتعداد جثث كل من يقتل في تلك الحرب وتحديد سبب ذلك.

ولابد لنا من أن نأمل بأن استمرار القتال في قطاع غزة لن يقود الجيش الإسرائيلي لتكرار مثل هذا الحادث ولن يؤدي الى ظهور منظمة مماثلة لـ«بادي كاونتس»، كما ان قتل مئات الفلسطينيين وقصف الأهداف المدنية لن يفضي بالضرورة الى اتفاقية أفضل.
روفن بيداتزور ــ صحيفة «هاآرتس»

طباعة