حرب خطأ جديدة

عناصر من الشرطة الإسرائيلية يتفقدون موقع صاروخ للمقاومة سقط في أسدود. غيتي

في الشتاء، تكون أجواء النقب جميلة، وعلى الرغم من أن كمية المطر التي تهطل قليلة، فإنها تكفي حاجة الربيع ونباتاته التي تغطي الأرض ببساط أخضر. لكن منذ بداية الحرب الإسرائيلية على غزة، التي تبعد أقل من 20 كيلومتراً عن منزلي وكيلو مترين عن الكلية التي أعمل فيها، فإن كل مانراه الآن هو الظلام و اليأس و الخوف.

هذه الحرب خطأ تماماً، لأنها لايمكن أن تحقق الأهداف المعلنة لشنها، وهي تأمين حياة طبيعية لسكان منطقة النقب. كما إنها خطأ من الناحية الأخلاقية، لأن معظم الضحايا من الجانبين جريمتهم الوحيدة أنهم يعيشون في النقب وغزة، وهذه الحرب خطأ لأنها لا تتجه نحو حل مقبول للصراع، وإنما تشكل المزيد من الكراهية وتصميماً أكبر من جانب الطرفين لإلحاق الأذى بالآخر. وهذه الحرب خطأ أيضاً لأنها تقود إلى مشاعر أقوى مفادها أنه ليس لدينا ما نخسره عندما نضرب أكثر، وبقوة أكثر .وهذه الحرب خطأ لأنه حتى قبل أن تظهر أولى سحب الدخان من ركام المنازل وآخر سيارة إسعاف تحمل الموتى و الجرحى إلى المشافي، فإن قادتنا سيجدون أنفسهم يوقعون على اتفاق جديد لوقف إطلاق النار.

وبناء على ما تقدم، فإن هذه الحرب غير ضرورية وهي وحشية وقاسية، وكان من الممكن تجنبها لو أظهر قادتنا بعض الشجاعة خلال أشهر التهدئة للعمل الصادق باتجاه خلق حياة أفضل للناس الذين تتمثل جريمتهم الوحيدة أنهم يعيشون في الجنوب. ومنذ بدأت الطائرات الإسرائيلية بقصف غزة، بات من المستحيل الحديث بصراحة ضد هذه الحرب. ومن الصعوبة بمكان إيجاد منابر عامة يمكن أن ترحب بالدعوة إلى وقف لإطلاق النار، لإيجاد حلول بديلة للصراع، تلك الحلول التي لا تستند إلى القوة العسكرية أو حصار غزة. وعندما يكون الناس في وسط هذه الحرب، فإنهم يكونون منفصلين عن أصوات السلام، وإنما يتحدثون ويصرخون حول الخوف وطلب الثأر للأضرار التي عانوا منها. وعندما يكون الناس في وسط الحرب، فإنهم ينسون بأن عليهم أن يسخروا قدرات حقيقية أكبر، و المتمثلة بالعقل و المنطق. وإنما يكونون مدفوعين بالغضب الذي يقودهم إلى الرد بخوف وغضب بطرق تشكل الصراع من أجل البقاء. وعندما يكون الناس وسط الحرب فإن الاصوات التي تدعوا إلى ضبط النفس و الحوار والمفاوضات لا تلقى آذاناً مصغية.

وعشت في النقب وأنا أدرس في كلية سابير الأكاديمية، وهي الكلية التي تقع بعد سديروت، في قلب المنطقة التي يطلق عليها «أرض القسام» بعد أن سقطت الصواريخ علينا. وأنا أعرف الضربات السريعة للقلب والغثيان الذي يصيب المرء عندما تنطلق صفارات الإنذار التي تنذر بهجوم صاروخي. وأنا أدرك ما هي الحال عندما يتعين على أن أهدئ الطلبة وزملائي المدرسين، عندما تسقط الصواريخ قريباً منا، وأتمنى أن يكون هناك من يقوم بتهدئتي أيضاً. وأعرف كيف يكون المرء خائفاً عند الذهاب إلى العمل بالسيارة لأنه من الممكن أن يتعرض لضربات الصواريخ.

لكني أعرف أن الجواب على هذا الصراع لا يأتي بهذه الحرب. وسنعرف السلام فقط عندما نقبل الحقيقة التي مفادها أن الفلسطينيين في غزة لديهم الحق في العيش بكرامة. وسنعرف السلام فقط عندما سنعترف بأن علينا أن نتفاوض مع حركة حماس (عدونا)، حتى لو كنا شعرنا بالإحباط لأن الفلسطينيين لم ينتخبوا فصيلاً أكثر اعتدالاً من «حماس» لقيادتهم. وسنعرف السلام فقط عندما يتوقف قادتنا عن اعتبار حياتنا رخيصة ويمكن استهلاكها، مما يساعدنا على إيجاد نقب أخضر و جميل خال من الخوف واليأس.

❊ محاضرة في علم الاجتماع

ترجمة: حسن عبده حسن عن «واشنطن بوست»




طباعة