أطفال يواجهون الموت في «أنفاق غزة»

أحد الأطفال العاملين في الأنفاق.

يعمل أطفال فلسطينيون لا تتجاوز أعمارهم الـ 16 عاماً في «أنفاق غزة الأرضية» التي أصبحت وسيلة لإدخال جميع البضائع التي يفقدها المواطن بسبب إغلاق إسرائيل لمعابر القطاع الرئيسة. فقد دفعت الأوضاع الاقتصادية السيئة التي تمر بها العائلات الفلسطينية هؤلاء الأطفال للعمل في الأنفاق لتوفير لقمة العيش، فمنهم من ترك الدراسة كي يتفرغ للعمل داخل أحد الأنفاق، ومنهم من يعمل بعد الدوام الدراسي، وذلك من أجل إعالة أسرهم.

ويقوم هؤلاء الأطفال بنقل البضائع التي يتم جلبها من الجانب المصري إلى الجانب الفلسطيني عبر الأنفاق الأرضية المقامة على طرفي الحدود بين القطاع جنوبا في مدينة رفح والأراضي المصرية مقابل الحصول على القليل من المال، حيث تتعرض حياتهم للخطر بشكل دائم داخل أنفاق محفورة في عمق الأرض لا تتجاوز مساحة الواحد منها مترا مربعا، ويبلغ طوله 20 مترا، بينما يمتد عرضه حتى الجانب المصري إلى أكثر من 500متر.

تأمين لقمة العيش
وقد التقت «الإمارات اليوم» عددا من الاطفال العاملين في الأنفاق وبعض القائمين عليها، حيث قال الطفل المكنى بـ«أبو رعد» ويبلغ من العمر 13 عاما وهو أحد العاملين في أنفاق رفح «إن الدافع وراء عملي في داخل الأنفاق المحفورة في عمق الأرض، هو الوضع المادي السيّئ الذي تمر به أسرتي، فوالدي متوقف عن العمل منذ سنوات، بالإضافة إلى إصابته بجلطة في ساقه، فاضطررت للتوقف عن الدراسة والتفرغ للعمل في الأنفاق، كما أن والدي لم يكن قادرا على تغطية متطلبات دراستي، على الرغم من أنني كنت من المتفوقين».

وأضاف «لقد عرض علي أحد القائمين على الأنفاق العمل في الإجازة المدرسية الصيفية مقابل مبلغ معين من المال، وقد عملت، على الرغم من المخاطر التي نواجهها داخل النفق وتركت الدراسة للتفرغ لهذا العمل الشاق». وأوضح الطفل أبو رعد أن مدة عمله اليومية في النفق تمتد من 10 ساعات إلى 12 ساعة، مقابل مبلغ 300 دولار شهرياً، حيث إن طبيعة عمله هي النزول داخل النفق وسحب جميع أنواع البضائع التي يتم جلبها من الجانب المصري.

وأضاف أن حياة العاملين في الأنفاق معرضة للخطر في كل وقت، ويواجهون مخاطر عدة، حيث إنهم ينقلون اسطوانات غاز وغالونات وقود عبر الأنفاق، وقد تتسرب كميات منها داخل النفق الضيق والمحفور في عمق الأرض وتتسبب في حالات اختناق ووفاة بين العاملين، بالإضافة إلى انهيارات الأنفاق التي تحدث أكثر من مرة في الشهر الواحد وتسبب وقوع ضحايا.

وذكر «أبو رعد» أن أحد الأطفال العاملين في الأنفاق سقط ضحية جراء انهيار النفق الذي يعمل فيه مع أربعة شباب آخرين ، مشيرا إلى أن اسم الطفل هو مصطفى النجار 16 عاما من مدينة خان يونس جنوب القطاع.

من جهته، قال الطفل «حمدي»، ويبلغ من العمر15عاماً «إن العمل داخل النفق ليس بالمهمة السهلة، وانهياره على رؤوس العاملين بداخله أمر وارد في كل لحظة، لكن الأوضاع التي نمر بها سيئة، والحاجة تدفعنا إلى مواجهة المخاطر لتوفير لقمة العيش، على الرغم من صغر سننا، فوالدي توفّى منذ عامين، وأنا المعيل الوحيد للأسرة بعد وفاته».

وأضاف «أنا أعمل في أحد الأنفاق منذ أربعة أشهر، ويبدأ عملي بعد عودتي من المدرسة ظهرا، حيث أبقى حتى المساء، ومن ثم أعود إلى المنزل للراحة، وبعض الأيام أراجع فيها دروسي».

وأوضح الطفل «حمدي» أن البضائع التي يقوم بتهريبها من الجانب المصري يتم وضعها في أكياس كبيرة ومحكمة الإغلاق، ويتم رفعها إلى الجانب الفلسطيني من العمق إلى الجانب الفلسطيني عبر رافعة توضع على بوابة النفق، مشيرا إلى أن رافعة البضائع هي ذاتها التي ينزلون بواسطتها إلى داخل النفق ويصعدون منه. وتابع «أن الأنفاق التي نعمل بها يوجد فيها بعض التجهيزات لمواجهة المخاطر التي تعترض طريق عملنا، حيث يوجد مضخات هواء تمتد من خارج النفق إلى داخله، تساعدهم على التنفس في عمق الأرض، كما يوجد أجهزة اتصال بين العاملين داخل النفق وخارجه، للتواصل حول طبيعة العمل، والبضائع التي نحضرها».

إلى ذلك أشار «أبو عيسى» القائم على أحد الأنفاق إلى أن عمل الأطفال في الأنفاق يعود إلى حاجة الأطفال إلى العمل لتوفير لقمة العيش، بالإضافة إلى مئات العاطلين عن العمل من الرجال، كما أن ذلك يعود إلى رغبتهم في العمل والاستمرار فيه، على الرغم من صعوبته.

المتنفس الوحيد
وعلى الرغم من الطريقة التي تعمل بها الأنفاق التي يتم من خلالها إدخال الكثير من البضائع للقطاع، وأنها قد تكون ذريعة بعدم إعادة فتح المعابر بشكل طبيعي، إلا أنها باتت المتنفس الوحيد للمواطنين. فقد أسهمت في مواجهتهم لآثار الحصار الذي أضر بحياتهم وحرمهم من أدنى متطلبات الحياة، حيث إن هذه الأنفاق توفّر لهم غالبية احتياجاتهم.

وفي إحدى أسواق مدينة غزة كان أحد البائعين ينادي لبيع أواني طعام زجاجية ويقول «إلحق حالك.. عنده النفق أغلق وفاتك»، في إشارة إلى جلب هذه البضائع عن طريق النفق، وتوفيرها في السوق بعد أن ندر وجودها وارتفع ثمنها بسبب إغلاق المعابر.

وقال «أبو عيسى» إن عملية نقل البضائع من الجانب المصري إلى قطاع غزة المحاصر عبر الأنفاق باتت البديل الأكثر حيوية في توفير كل ما يحتاجه المواطن وحرم منه بسبب إغلاق المعابر، بل إنها أصبحت الطريقة الوحيدة التي توفر كل شيء من دون منع إسرائيل وفرض قيودها الظالمة على الفلسطينيين.

90 ألف دولار للنفق
وأضاف أبو عيسى «أن حفر الأنفاق وتشغيلها يكلفنا الكثير من الأموال، عوضا عن الضرائب التي ندفعها إلى الحكومة والبلدية، حيث يكلف تجهيز النفق بشكل كامل ما يقارب  90ألف دولار، وذلك حسب طوله وطبيعة عمله، كما أنه يستغرق مدة طويلة قد تصل إلى أربعة أشهر، كما قمنا بالإجراءات اللازمة من تدعيم النفق بالخشب والحجارة والإسمنت حتى لا ينهار، وتجهيزه بمضخات الهواء التي تساعد على توفير الأوكسجين للعاملين، وتوفير أجهزة اتصال بواسطة خط موصول بمن يعمل خارجه».

وتابع «أن العمل الذي نقوم به مقابل توفير البضائع للسوق والمواطنين مليء بالمخاطر، فنحن نعمل كل ما بوسعنا من إجراءات لعدم انهيار النفق وعدم سقوط ضحايا من العاملين، لكن الأمن المصري يستخدم وسائل عدة لمنعنا من هذا العمل، من خلال نشر غاز سام، ومياه ملوثة».

ضحايا الأنفاق
ورصدت مؤسسات حقوقية فلسطينية مصرع أكثر من 50 مواطناً منذ بداية العام الجاري، جراء انهيار الأنفاق التي تنتشر بكثافة على الحدود الفلسطينية المصرية. وكان آخرهم وفاة اثنين من العاملين فيها، وإصابة ثلاثة آخرين يوم الجمعة الماضي، جراء انهيار أحد أنفاق وانفجار أنبوبة غاز أثناء عملية سحبها من الجانب المصري إلى القطاع، حيث بلغ عدد الضحايا خلال سبتمبر الماضي 11 مواطناً.

وأشار أبو عيسى إلى أن النفق الذي يشرف عليه وجميع الأنفاق تقوم بإدخال جميع المواد الضرورية النافعة للمواطنين، من مواد غذائية وأجهزة كهربائية ووقود واسطوانات غاز، نافياً تهريب الأسلحة والمواد الضارة. بدوره، أوضح المتحدث باسم وزارة الداخلية المقالة في غزة إيهاب الغصين لـ«الإمارات اليوم»، «أن سبب زيادة سقوط ضحايا الأنفاق من العاملين بها يعود لسببين، الأول استهتار بعض أصحاب الأنفاق وعدم اتخاذ الإجراءات اللازمة والكاملة كافة في عملية حفر النفق وتجهيزه بكل الوسائل الضرورية ما يتسبب في انهياره، بالإضافة إلى عدم اتباع طرق سليمة في جلب الوقود واسطوانات الغاز التي تتسرب وتتسبب في اختناق العاملين». وأضاف «أما السبب الثاني فهو محاربة مصر للأنفاق والعاملين بها بفعل الضغوط الأميركية والإسرائيلية الكبيرة التي تتعرض لها، حيث يقوم الأمن المصري بتسريب غاز سام ورش المياه الملوثة داخلها». وأشار إلى أن وزارة الداخلية تقوم بمتابعة أمنية لعملية حفر الأنفاق والعمل بها، ومنع تهريب مواد ضارة وممنوعة كالمخدرات والأسلحة، وأخذ الإجراءات اللازمة في عمل الأنفاق وتجهيزها بأساليب تحافظ على سلامة العاملين وعدم انهيار المزيد من الأنفاق وسقوط عدد من الضحايا. وقال الناطق باسم وزارة الداخلية المقالة إن الأنفاق حالة استثنائية في ظل الحصار وإغلاق المعابر، ومنع إدخال الكثير من السلع الضرورية، وهي متنفس وحيد وحل مؤقت قام به عدد من التجار والمواطنين في محاولة لمواجهة الأوضاع الصعبة التي يمر بها القطاع، مشيرا إلى أنه بعد انتهاء الحصار وفتح المعابر بشكل طبيعي سوف تنتهي ظاهرة الأنفاق.

طباعة