أعضاء منظمة التجارة العالمية يكافحون في سبيل خفض الحواجز التجارية وتعظيم المكاسب الاقتصادية

الأوروبيون يتعاملون بـ «حكمة» مع الرسوم الجمركية الأميركية

دول منظمة التجارة العالمية قادرة على توجيه تجارتها إلى أماكن أخرى غير الولايات المتحدة. رويترز

عندما هدّد الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، في مايو، برفع الرسوم الجمركية على السيارات الأوروبية من 15 إلى 25%، أرجأ تنفيذ ذلك، ومنح أوروبا مهلة حتى الرابع من يوليو 2026.

كان بإمكان الاتحاد الأوروبي الرد، إلا أن الأوروبيين، في بادرة من ضبط النفس، امتنعوا عن تصعيد الموقف. وبدلاً من ذلك، قرروا في يونيو 2026 تنفيذ اتفاقية تجارية مع الولايات المتحدة، من خلال مؤسساتهم التشاورية الخاصة.

وعلى الرغم من أن هذه الاتفاقية التجارية الجديدة بين الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي، أبعد ما تكون عن المثالية، فإنها كانت خطوة معقولة ومسؤولة من جانب الاتحاد الأوروبي في مواجهة «استفزاز لا مبرر له».

الحد من الأضرار

من أصعب الدروس المستفادة من تولي منصب عام، هو إدراك أنه لن يكون هناك أي تعبير عن الامتنان لمنع حدوث الأسوأ، إذ إن الناخبين يقدّرون النتائج الإيجابية التي يمكنهم رؤيتها ولمسها. أما الحد من الأضرار، فلا يولونه أهمية كبرى، وهذه هي الحال الآن مع الفوضى الحالية في التجارة العالمية، فمن خلال التزامهم بضبط النفس في تجارتهم مع الولايات المتحدة، ينخرط الأوروبيون في الحد من الأضرار.

وحتى الآن، لم ينسب الكثيرون الفضل في بُعد نظرهم، إلى قادة الدول الأخرى الذين امتنعوا، على الرغم من الضغوط الهائلة، عن الرد على الهجمات الجمركية المتكررة من جانب الولايات المتحدة، باتخاذ إجراءات حمائية مضادة من جانبهم.

وعلى الرغم من مواجهة سيل لا نهاية له على ما يبدو من الرسوم الجمركية الأُحادية الجانب وغير القانونية التي تفرضها الولايات المتحدة، فإن شركاء الولايات المتحدة التجاريين، باستثناءات قليلة جداً، لم يردوا برد فعل قصير النظر، من خلال فرض رسوم جمركية مماثلة أُحادية الجانب وغير قانونية على وارداتهم من السلع الأميركية، وبدلاً من ذلك، فقد تجاهل معظمهم هذه الإجراءات الأميركية المهددة تجارياً.

ومن المؤكد أن بعض الشركاء التجاريين للولايات المتحدة ربما امتنعوا عن الرد بالمثل، بسبب الترهيب الذي تمارسه إدارة البيت الأبيض. ومع ذلك، فإن الغياب العام للرد الانتقامي ينطوي على أسباب أكثر بكثير من مجرد الخوف من مزيد من الإكراه الاقتصادي الأميركي.

الحفاظ على المكاسب

الرسوم الجمركية التي فرضها ترامب هي أُحادية الجانب، وإجراءات فردية من جانب الولايات المتحدة. وفي عهد ترامب، تخلت الولايات المتحدة بوضوح عن التزامها الطويل الأمد الذي كان يحظى بتأييد الحزبين «الجمهوري» و«الديمقراطي» تجاه العمل الجماعي في إطار التعددية، بصفتها عضواً مؤسساً ورائداً في منظمة التجارة العالمية، إلا أن أعضاء آخرين في منظمة التجارة العالمية لم يفعلوا ذلك. وأحد الأسباب المهمة لعدم قيام معظمهم بالرد، هو إصرارهم على محاولة الحفاظ على المكاسب العالمية التي تحققت بشق الأنفس على مدى عقود، للنظام المتعدد الأطراف القائم على القواعد، والذي تشرف عليه منظمة التجارة العالمية، لذلك فإنهم يفضلون عدم اتخاذ إجراءات أُحادية الجانب خارج نطاق ذلك النظام. وينطبق هذا، على سبيل المثال، على الاتحاد الأوروبي.

وعلى عكس ترامب وفريقه التجاري، لايزال الأعضاء الآخرون في منظمة التجارة يدركون أن الطريق إلى مزيد من الرخاء لجميع البلدان الـ166 في النظام التجاري العالمي، يكمن في خفض الحواجز التجارية، لا في رفعها، وأن الرخاء العالمي المشترك لا يمكن تحقيقه إلا عندما يتم تعظيم المكاسب الاقتصادية الإجمالية من التجارة من خلال التعاون الدولي الجماعي في إطار نظام متعدد الأطراف، تدعمه جميع الدول التجارية، وتُعزّزه وتشارك فيه جميعها مشاركة كاملة.

وهناك سبب آخر لعدم قيام الدول الأخرى عموماً بالرد بفرض تعريفات جمركية انتقامية، وهو أن التعريفات التي فرضها ترامب غير قانونية بموجب القانون الدولي.

التمييز التجاري

في عهد الإدارة الحالية، تخلت الولايات المتحدة عن المبدأ الأساسي لمنظمة التجارة العالمية المتمثّل في عدم التمييز في التجارة - وهو الالتزام بمعاملة «الدولة الأكثر رعاية» بالنسبة لواردات جميع المنتجات التجارية المماثلة أينما كان منشؤها - لمصلحة سياسة تقوم على «التمييز التجاري»، بل إن إدارة البيت الأبيض تحاول حتى محو الالتزام العام بعدم التمييز في التجارة من اتفاقية منظمة التجارة العالمية.

ومع ذلك، وعلى الرغم من تخلي الولايات المتحدة عن مبدأ تجاري أساسي طالما أعلنه الأميركيون من كلا الحزبين السياسيين الرئيسين، فإن الأعضاء الآخرين في منظمة التجارة العالمية لايزالون يدركون أن التجارة العالمية تسهم بشكل أفضل بكثير في تعزيز الرخاء العالمي، عندما تستند إلى مبدأ عدم التمييز، والمبادئ الأخرى المتفق عليها والمنصوص عليها في اتفاقية منظمة التجارة، وعندما يتم الحفاظ عليها في إطار سيادة القانون الدولي، مقارنة بحالة خضوعها لتغريدات منتصف الليل التي يطلقها رئيس ما على وسائل التواصل الاجتماعي.

يمكن إرجاع مبدأ «عدم التمييز في التجارة» إلى 800 عام مضت، أي إلى التجارة عبر البلطيق ورابطة «هانز»، ولايزال منطقها الأساسي من دون تغيير، ولا يمكن التشكيك فيه اقتصادياً بصرف النظر عن المسار الجيوسياسي الحالي، وكذلك الحال بالنسبة لمنطق التمسّك بسيادة القانون في التجارة.

بجانب هذه الأسباب التي تجعل الدول الأخرى تمتنع إلى حد كبير عن الرد على الممارسات التجارية للرئيس الأميركي، دونالد ترامب، يجب أن يُضاف الواقع العملي المتمثّل في أن لديها خيارات تجارية أخرى غير الولايات المتحدة. ونظراً إلى أن حصة الولايات المتحدة لا تُمثّل سوى نحو 10% من الصادرات العالمية، ونحو 13 إلى 15% من التجارة العالمية، فإن هذه الدول الأخرى، بدلاً من عناء الرد على التعريفات الجمركية الأميركية بفرض تعريفات جمركية خاصة بها، يُمكنها ببساطة توجيه تجارتها إلى أماكن أخرى في العالم، وهو بالضبط ما تفعله العديد منها.  عن «ذا هيل»

تويتر