رئيسة وزراء اليابان تؤسس «مجلس الاستخبارات الوطني» لمواجهة الصين وكوريا الشمالية وروسيا
«الصقر الأمني» تُدخل اليابان مرحلة «الاستخبارات الحديثة»
رئيسة الوزراء اليابانية ساناي تاكايشي ألغت المادة التاسعة من الدستور. رويترز
لم يكن لليابان على الإطلاق أي جهاز استخبارات فعّال. وحتى قبل اندلاع الحرب العالمية الثانية، كان نشاط الشرطة السرية (كيمبيتاي) في الإمبراطورية اليابانية التي كان يُخشى جانبها، موجهاً أساساً نحو قمع المعارضة الداخلية، وليس صوب جمع معلومات استخباراتية. وعانت الوكالات العسكرية التي كان نشاطها موجهاً للخارج مشكلات عدم التنسيق، والمنافسات الشديدة بين الأجهزة، ما قلل بشكل كبير من كفاءتها وفاعليتها، وذلك بحسب الكاتب والصحافي الأميركي، بيتر سوشيو، المتخصص في الشؤون العسكرية والتكنولوجيا والسياسة.
وقال سوشيو في تقرير نشره «مجلس ناشيونال إنتريست» الأميركي، إن الوضع تحسّن قليلاً بعد الحرب العالمية الثانية، حيث واصلت اليابان الاعتماد بشكل كبير على هيكل استخبارات لا مركزي، تم تقسيمه إلى قطاعات إدارية بدلاً من العمل تحت قيادة موحدة واحدة.
وعلى مدار سنوات الحرب الباردة وحتى حلول القرن الـ21، وفي الوقت الذي حافظت طوكيو على موقف سلمي منصوص عليه في دستور اليابان في فترة ما بعد الحرب، اعتمدت على دعم استخباراتي أميركي. والآن، بعد مرور أكثر من 80 عاماً على انتهاء الحرب العالمية الثانية، تقوم اليابان أخيراً بإنشاء جهاز استخبارات محلي، بمساعدة الولايات المتحدة.
ونقل سوشيو عن صحيفة «نيويورك تايمز» ذكرها للمرة الأولى، أن اليابان تمضي الآن قدماً صوب تأسيس أول وكالة استخبارات مركزية حقيقية، ما يُعدّ أول جهد مهم منذ الحرب العالمية الثانية.
ويرجع الدافع وراء هذا التطور الجديد إلى تهديدات من الصين وكوريا الشمالية، وبصفة خاصة من روسيا، التي تدهورت علاقاتها مع اليابان بشكل كبير عقب غزو موسكو لأوكرانيا عام 2022.
وكانت رئيسة الوزراء اليابانية، ساناي تاكايشي، التي تُوصف على نطاق واسع بأنها محافظة متشددة، و«صقر أمني» تعطي أولوية للدفاع، وراء الدفع صوب تأسيس مركز استخبارات جديد على غرار النموذج المطبق في الولايات المتحدة، سيجمع أذرع الاستخبارات اليابانية المبعثرة، في الوقت الذي تسعى فيه البلاد إلى تعزيز دفاعاتها ضد التجسس، والهجمات السيبرانية، والنفوذ الخارجي. وتم تمرير التشريع في الغرفة السفلى (مجلس النواب) بالبرلمان الوطني (الدايت) في أبريل 2026، وفي الغرفة العليا (مجلس الشيوخ) في مايو الذي تلاه.
وأدى هذه «الإصلاح» إلى تأسيس «مجلس الاستخبارات الوطني»، الذي يترأسه رئيس الوزراء، وسيكون بمنزلة مركز قيادة مركزية للتنسيق الاستخباراتي عالي المستوى وصنع السياسة الاستراتيجية، وسيحظى المجلس بدعم «مكتب الاستخبارات الوطني»، الذي يعمل كذراع عملياتية لأجهزة الاستخبارات اليابانية.
وسيوظف ذلك الفرع الذي من المتوقع أن يمارس مهامه العملياتية بحلول ديسمبر 2026، نحو 700 شخص، بمن في ذلك مهندسو برمجيات، ومحللو أمن سيبراني، ومسؤولو اتصالات بالخارج، لتوحيد جهود نحو 33 ألف موظف حكومي ليس لديهم حتى الآن أي جانب قانوني لمشاركة المعلومات الاستخباراتية عبر الإدارات.
وسيقوم «مكتب الاستخبارات الوطني» بجمع ودمج وتحليل المعلومات الاستخباراتية من كل أفرع الحكومة اليابانية، وقد تم تقديم المساعدة على تأسيس هذه البنية التحتية الحديثة من خلال مشاورات وثيقة مع خبراء أجهزة الاستخبارات من أستراليا وألمانيا، وبصفة خاصة من الولايات المتحدة.
ورغم أن واشنطن ساعدت طوكيو في هذا المسعى، فإنه يجب أن يرجع بعض الفضل في هذا إلى الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، إذ يأتي تأسيس «مجلس الاستخبارات الوطني»، على الأقل جزئياً، بسبب النشاط المتزايد للاستخبارات العسكرية الروسية في اليابان، ما أثار قلق محللي الأمن اليابانيين والأميركيين.
وتضمن ذلك النشاط تأسيس شركات واجهة في اليابان، التي يطلق عليها «أرض الشمس المشرقة»، والتي تعمل لحساب موسكو، للحصول على التكنولوجيا الخاضعة للعقوبات، لدعم القاعدة الصناعية الدفاعية لروسيا، وتجنّب العقوبات الغربية التي تم فرضها على روسيا، عقب غزوها لأوكرانيا في فبراير 2022.
ونقل سوشيو عن تقارير مفادها أن الدائرة الـ20 في الكرملين، وهي وحدة استخبارات روسية «سرية»، تطالب مسؤوليها بتقمص شخصيات رجال أعمال، ثم العمل على شراء أو سرقة التكنولوجيا العسكرية اليابانية.
وأشار سوشيو إلى أن صحيفة «نيويورك تايمز» أوردت تقييماً حكومياً أوكرانياً حذّر من أن نحو 90% من الصواريخ والطائرات المسيّرة التي تم الاستيلاء عليها وتحلليها كانت تحتوى على مكونات مصدرها شركات يابانية. غير أن التهديد ليس قاصراً على العملاء الروس، فقد نفذت الصين وكوريا الشمالية أيضاً حملات تضليل إعلامي ضد اليابان، وتضمنت تلك الحملات قنوات إخبارية زائفة تبثّ باللغة اليابانية تم تأسيسها في بكين، وبيونغ يانغ.
وتنبذ المادة التاسعة من دستور اليابان السلمي في حقبة ما بعد الحرب العالمية الثانية، الحرب كحق سيادي للأمة، وتحظر الاحتفاظ بقوات عسكرية. غير أن اليابان التي تواجه تهديدات أمنية إقليمية حادة، أعادت تحديد موقفها، من خلال الاحتفاظ بجيش فعلي وقوات الدفاع الذاتي اليابانية، وتوسيع قدراتها الدفاعية. ودفعت تاكايشي بنشاط أيضاً باتجاه إلغاء المادة التاسعة، سيراً على خطى رئيس الوزراء الذي تم اغتياله، شينزو آبي، سلفها ومعلمها.
وقامت قوة الدفاع الذاتي البحرية اليابانية بتعديل مدمرتيها من فئة «ايزومو» متعددة المهام التي تحمل مروحيات لكي تخدم كحاملات طائرة فعلية، وتسعى رئيسة الوزراء إلى جعل اليابان دولة مصدرة للأسلحة للمرة الأولى منذ الحرب العالمية الثانية.
واختتم سوشيو تقريره بالقول، إن تحديث أجهزة الاستخبارات لن يكون بمثابة عودة إلى شرطة «كيمبيتاي» سيئة السمعة. وبدلاً من ذلك، فإن هيئة جهاز الاستخبارات الخارجية المركزية الجديدة، ستكون مماثلة لوكالة الاستخبارات الأميركية (سي آي إيه)، حيث تركز على الأمن السيبراني، والاستخبارات الخارجية، ومكافحة التجسس.
• النشاط المتزايد للاستخبارات الروسية في اليابان، أثار قلق طوكيو وواشنطن.
تابعوا آخر أخبارنا المحلية والرياضية وآخر المستجدات السياسية والإقتصادية عبر Google news