أقصت روسيا فعلياً من موقعها مورّداً رئيساً لأسلحة جيوش «آسيان»
الحرب في أوكرانيا تعيد تشكيل ترسانة أسلحة دول جنوب شرق آسيا
لنحو عقدين من الزمن، اهتمت حكومات دول جنوب شرق آسيا (آسيان) بتنويع ترسانة أسلحتها بصورة خاصة، فكانت المقاتلات الأميركية توازن مع الغواصات الروسية، والفرقاطات الفرنسية مع طائرات التدريب الكورية الجنوبية.
ومن خلال تنويع مصادر التوريد الدفاعي بين القوى الكبرى، تمكّنت دول آسيان من تحديث قدراتها الدفاعية من دون الانحياز إلى أي طرف، محافظةً بذلك على استقلالها الاستراتيجي الذي لطالما ميّز موقف التكتل تجاه التنافس بين القوى العظمى.
كانت روسيا ركيزة أساسية في هذه الترتيبات، إذ قدمت موسكو طائرات وغواصات وأنظمة دفاع جوي متطورة بأسعار لم يستطع الموردون الغربيون مجاراتها، وقبلت بترتيبات دفع غير تقليدية، بما في ذلك المقايضة بزيت النخيل والبّن، ولم تطرح في المقابل سوى القليل من التساؤلات السياسية.
ولكن هذا الترتيب انهار الآن، وتتجاوز عواقبه بكثير مجرد الحسابات في وزارات الدفاع، فقد حققت الحرب الروسية الأوكرانية ما عجزت عنه سنوات من الضغوط الغربية، إذ أقصت روسيا فعلياً من موقعها مورّداً رئيساً للأسلحة إلى جنوب شرق آسيا، ودفعت جيوش المنطقة نحو منظومة دفاعية قائمة على معايير حلف شمال الأطلسي (الناتو).
ولم يكن هذا التغيّر مخططاً له أو منسقاً، بل هو ببساطة نتيجة تراكمية لعشرات القرارات العملية المتعلقة بالمشتريات، التي اتُخذت في ظل مخاطر العقوبات، وعدم استقرار الإمدادات، وارتفاع كُلفة تشغيل المعدات التي لا يمكن ربطها بالأنظمة التي توفرها جهات شريكة أخرى.
وانخفضت حصة روسيا من عقود الدفاع الجديدة في رابطة دول جنوب شرق آسيا (آسيان) من نحو 20%، خلال الفترة من 2017 إلى 2021، إلى أقل من 3% خلال الفترة من 2022 إلى 2024، أما الشحنات التي لاتزال تصل، وأبرزها مقاتلات «سو-30 إس إم إي» إلى ميانمار، فهي تستكمل تنفيذ عقود وُقعت قبل سنوات، وقد اختفت تقريباً طلبات شراء الأسلحة الروسية الجديدة.
وعلى الرغم من توسع النفوذ الاقتصادي للصين وسعيها الحثيث لكسب ود الجيوش الإقليمية، فإنها لم تسد الفراغ الذي خلّفته روسيا في جنوب شرق آسيا، ومقارنة مع القوى الغربية، تُعدّ حصتها من العقود خلال الفترة نفسها ضئيلة للغاية، وبدلاً من ذلك، بات الموردون من خارج القوى الثلاث التقليدية، وهي: الصين وروسيا والولايات المتحدة، بما في ذلك فرنسا وكوريا الجنوبية وتركيا والهند، يُمثّلون الآن نحو 85% من قيمة عقود المنطقة.
وتُعدّ الفلبين مثالاً واضحاً على ذلك، ففي نوفمبر 2021، وقّعت مانيلا عقداً لشراء 16 مروحية روسية من طراز «مي-17» في عهد الرئيس رودريغو دوتيرتي، الذي روّج علناً لهذه الصفقة، باعتبارها جزءاً من سياسة إعادة التوازن بعيداً عن واشنطن.
وبعد أسابيع من الدفعة الأولى في يناير 2022، دخلت الدبابات الروسية الأراضي الأوكرانية، فتحولت الصفقة من مشروع واعد إلى فخ للعقوبات.
وأقر السفير الفلبيني، خوسيه مانويل روموالديز، لاحقاً بأن المخاوف تجاوزت برنامج المروحيات نفسه، لتشمل احتمال تعرض البنوك الفلبينية والتحويلات المالية الخارجية للعقوبات الثانوية.
وألغت إدارة الرئيس، فرديناند ماركوس الابن، التي تولت السلطة في منتصف عام 2022، العقد، واتجهت إلى شراء مروحيات «بلاك هوك» من طراز «S-70i»، المُصنعة في بولندا بواسطة شركة «PZL Mielec»، التابعة لشركة «لوكهيد مارتن»، كما عرضت واشنطن 100 مليون دولار في إطار التمويل العسكري الأجنبي لتعويض إلغاء الصفقة، وبدلاً من «إعادة التوازن» في مشتريات الفلبين العسكرية، ازداد اندماج سلاح الجو الفلبيني في شبكات الدعم اللوجستي الأميركية، ولطالما اعتمدت الفلبين، حليفة الولايات المتحدة، اعتماداً كبيراً على الأسلحة الأميركية.
وفي المقابل، بُني الجيش الفيتنامي حول منصات روسية، بدءاً من مقاتلات «سو-30» وصولاً إلى غواصات «كيلو» وأنظمة الدفاع الجوي «إس-300»، وفي الواقع، خفّضت هانوي مشترياتها من الأسلحة الروسية قبل عام 2022 بوقت طويل، ويعود ذلك جزئياً لسببن، أولهما خطر العقوبات بموجب قانون «مكافحة خصوم أميركا» من خلال العقوبات لعام 2017، وثانيهما حملة محلية لمكافحة الفساد دققت في عقود الدفاع الكبيرة.
وعجلت الحرب الروسية الأوكرانية بعملية الانسحاب التدريجي، وأصبح الحصول على قطع الغيار الروسية، وتحديثات البرمجيات، وعمليات الصيانة الشاملة غير مضمون، ما هدد جاهزية أهم المنصات العسكرية الفيتنامية، واستجابة لذلك، تبنت هانوي قدرات الصيانة المحلية، وعزّزت التعاون مع الهند في مجال صيانة الغواصات.
واتجهت فيتنام إلى موردين بديلين، فأبرمت صفقة تاريخية بقيمة 245 مليون دولار لشراء مدافع «هاوتزر كي-9» من كوريا الجنوبية، كما وقّعت اتفاقية جديدة لتعزيز التعاون في مجال الصناعات الدفاعية مع تركيا.
ومن المتوقع أن توقع فيتنام رسمياً صفقة لشراء طائرات النقل «سي-130»، في وقت تدرك هانوي أنها لم تعد قادرة على الاعتماد على روسيا لتلبية احتياجاتها الدفاعية.
أما ماليزيا فتقع في مكان بين الفلبين وفيتنام، فهي تستورد أسلحتها من شركاء متنوعين، ومن الأمثلة على ذلك ترسانة سلاح الجو الملكي الماليزي التي تضم سبع طائرات «إف-18» أميركية الصنع، و12 طائرة من طراز «بي إيه إي هوك 200» بريطانية الصنع، و18 مقاتلة روسية من طراز «سو-30 إم كيه إم»، وأصبح من شبه المستحيل الحفاظ على المقاتلات الروسية بكامل جاهزيتها التشغيلية.
وأقرّ أحد طياري سلاح الجو الملكي الماليزي الذي يقود مقاتلات «سو-30»، خلال معرض سنغافورة الجوي 2024، بأن العقوبات كانت سبباً رئيساً في بحث الحكومة عن بدائل لشراء مقاتلاتها المقبلة.
ولم تُخرج ماليزيا طائراتها الروسية من الخدمة، لكنها توجه إنفاقها الجديد نحو موردين مختلفين، ففي عام 2023، وقّعت ماليزيا اتفاقات لشراء 18 مقاتلة من طراز «إف إيه-50» من كوريا الجنوبية، وثلاث طائرات مُسيّرة من طراز «أنكا» من تركيا.
وتتخذ الفلبين وفيتنام وماليزيا خيارات فردية تتماشى مع مصالحها الوطنية، لكن النتيجة النهائية هي أن جنوب شرق آسيا يتقارب تدريجياً مع المعايير التقنية الغربية، وحتى إذا كانت هذه الصفقات مدفوعة باعتبارات قصيرة الأجل، فإن آثارها ستستمر سنوات طويلة.
وقد تكون التداعيات الجيوسياسية على رابطة دول جنوب شرق آسيا (آسيان) مقلقة، فقد استندت الهوية الدبلوماسية للتكتل إلى قدرته على التعامل مع جميع القوى العظمى من دون الانحياز الكامل لأي منها، وهو موقف كان يعتمد على الحفاظ على بدائل حقيقية.
وأدى انهيار الخيار الروسي، إلى جانب التوترات البحرية التي تجعل المعدات العسكرية الصينية مكلفة سياسياً للعديد من أعضاء آسيان، إلى تضييق الخيارات المتاحة، فإلى جانب عروض الأسلحة الأميركية، فإن العديد من موردي الدفاع البديلين، مثل فرنسا وألمانيا وكوريا الجنوبية وتركيا، هم حلفاء للولايات المتحدة.
وتندمج دول جنوب شرق آسيا البحرية، بما فيها الفلبين وإندونيسيا وسنغافورة، بصورة أعمق في الهياكل العسكرية الغربية، أما دول البر الرئيس، مثل كمبوديا ولاوس وميانمار، فتميل أكثر نحو الصين لأسباب سبقت الصراع الأوكراني، لكنها تعزّزت بسببه.
ويعكس هذا التباين التكنولوجي الفجوة السياسية نفسها التي تتجلى في إخفاقات «آسيان» المتكررة في التوصل إلى توافق في الآراء بشأن بيانات بحر الصين الجنوبي، وردود الفعل المتباينة تجاه اتفاقية «أوكوس».
وانتهى عهد قدرة دول جنوب شرق آسيا على لعب دور الوسيط بين موسكو وواشنطن وبكين، إذ لايزال من غير الواضح تماماً ما سيحدث لاحقاً، لكن من المرجح أن تشهد المنطقة انقسامات داخلية أكثر حدة، ومساحة أقل للحياد المدروس، وقدرة أضعف على احتواء التنافس بين القوى العظمى. عن «ذا دبلومات».
• دول «آسيان» تمكنت من تحديث قدراتها الدفاعية من دون الانحياز إلى أي طرف، محافظةً بذلك على استقلالها الاستراتيجي الذي لطالما ميّز موقف التكتل تجاه التنافس بين القوى العظمى.
• انتهى عهد قدرة دول جنوب شرق آسيا على لعب دور الوسيط بين موسكو وواشنطن وبكين، ولايزال من غير الواضح تماماً ما سيحدث لاحقاً، لكن من المرجح أن تشهد المنطقة انقسامات داخلية أكثر حدة، ومساحة أقل للحياد المدروس، وقدرة أضعف على احتواء التنافس بين القوى العظمى.
تابعوا آخر أخبارنا المحلية والرياضية وآخر المستجدات السياسية والإقتصادية عبر Google news