القارة العجوز تصف مشروع «مضيق بيرينغ» بـ «حصان طروادة جيوسياسي» يعرّض كييف للخطر
أميركا تسعى للتعاون الاقتصادي مع روسيا كبديل للحرب الأوكرانية.. وأوروبا تتمسك بالعقوبات
تسعى إدارة الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، إلى إقامة علاقات اقتصادية جديدة مع روسيا، في الوقت الذي يصعّد الأوروبيون موقفهم المعادي لموسكو، ويقرعون طبول الحرب في كييف.
وأعلن المبعوث الخاص للكرملين، كيريل ديميترييف، في منتدى بطرسبورغ الاقتصادي الدولي، في مطلع يونيو الجاري، توقيع مذكرة تفاهم رسمية للمضي قدماً في حفر نفق تحت «مضيق بيرينغ»، بين ألاسكا والشرق الأقصى الروسي، وقد ردت المملكة المتحدة وألمانيا، إلى جانب بولندا ودول البلطيق، بحزم على هذا الطرح، منددة بالفكرة، ووصفتها بأنها «حصان طروادة جيوسياسي» سيعرض أوكرانيا للخطر، ولن يقدم الكثير من الفائدة للمنطقة.
وهو ما يوضح الانقسام الاستراتيجي الكبير بين واشنطن وأوروبا، إذ إن إدارة ترامب ترى على نحو متسارع، أن التعاون الاقتصادي مع القوى المنافسة أداة للاستقرار، في حين أن العديد من الحكومات الأوروبية تواصل تحقيق أولوياتها في فرض مزيد من الضغوط العسكرية على روسيا، لدفعها نحو وقف الحرب في أوكرانيا وانسحابها منها.
وقد يكون من الصعب إيجاد استراتيجية متماسكة وراء تصرفات دونالد ترامب، إذ إنه بعد أن وعد بتجنب حروب جديدة، انضم إلى رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، في محاولة لتغيير النظام في إيران كان لابد من إنهائها، على حد تعبير ترامب نفسه، لأن إغلاق مضيق هرمز هدد بـ«كساد عالمي» أو انهيار سوقي مماثل لما حدث عام 1929.
وعلى الرغم من ذلك، ظل الرئيس الأميركي ثابتاً في موقفه تجاه روسيا، ولم ينهِ الحرب في غضون 24 ساعة، كما وعد خلال حملته الانتخابية، لكنه سعى مراراً وتكراراً إلى التعاون الاقتصادي كبديل للتصعيد المستمر.
ويبقى المنطق الكامن خلف ذلك بسيطاً، وهو جمع المال وليس الحرب، ما يعكس أيضاً اتجاهاً أوسع قد يساعد على تجنب صدام خطر بين القوى العظمى المتنافسة، وقام ترامب بالتخفيف من لهجته العدائية مع الصين، ووافق على إنشاء آليات لتنظيم التجارة والاستثمار المتبادل بين الطرفين.
أما في ما يتعلق بروسيا، فإن الفكرة التي طرحها خلال ولايته الأولى، وهي عدم دفع موسكو وبكين إلى تبعية معادية للغرب، لاتزال قائمة بين الواقعيين في إدارته. وهذا يعني مقترحات لشراكات في مجال المعادن الاستراتيجية، ومشاريع تعاونية في استكشاف الغاز الطبيعي والنفط، إضافة إلى تنسيق أكبر في مجال التقنيات الرقمية واستكشاف الفضاء.
ويعد مشروع نفق «مضيق بيرينغ» الأبرز، وهو فكرة طرحها المهندس الفرنسي جوزيف شتراوس عام 1892، ودعمها لاحقاً القيصر الروسي، نيكولاس الثاني. وقد تم إحياء هذا المشروع في هذا القرن من قِبل قادة روس وبعض المؤسسات الأميركية، كجزء من رؤية شبكة نقل عالمية مترابطة، يمكن أن تسهم في تسهيل التجارة ونقل البضائع بين البلدين بسهولة أكبر.
ويتضمن المشروع إنشاء ممر للسكك الحديدية والشحن بطول 112 كيلومتراً تحت المضيق، على أن يتم إنشائه خلال ثماني سنوات بتكلفة قد تصل، وفقاً للكرملين، إلى 8 مليارات دولار، بفضل التقنية التي تستخدمها شركة «ذا بورينغ كومباني» التابعة لرجل الأعمال الأميركي، إيلون ماسك.
ويرى فريق ترامب، أن إنشاء هذا المشروع يمثل علاقة جديدة تتجاوز الصدام الاستراتيجي في أوكرانيا، والذي يمكن حله من خلال اتفاق يعترف بسيطرة روسيا على جزء كبير من منطقة دونباس، مع زيادة الانخراط الاقتصادي الأميركي في بقية أوكرانيا. ويرى المؤيدون أن هذا سيوفر قدراً من الطمأنينة لكييف من خلال زيادة الانخراط الاقتصادي الأميركي في البلاد بعد الحرب.
لكن الأوروبيين لا يرغبون في ذلك، فإلى جانب انتقادهم اتفاقيات الموارد الطبيعية، باعتبارها استغلالاً «على النمط الاستعماري»، وتقويضاً لما يُسمى «التحول الأخضر»، سخر المنتقدون من الخطة، ووصفوها بأنها مجرد وهم جيوسياسي فارغ، بحجة أن ضمانات أمنية قوية من حلف شمال الأطلسي (الناتو) هي وحدها الكفيلة بضمان مستقبل أوكرانيا.
ويبدو الانقسام واضحاً، إما نهج واقعي يسعى إلى حل وسط بين الجانبين يتبعه تعاون اقتصادي، أو موقف أيديولوجي رافض لأي اتفاق مع الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، مع البحث عن سبل لفرض «هزيمة استراتيجية» على روسيا، كما صرح بذلك قادة مثل الرئيس الفرنسي، إيمانويل ماكرون، أو الرئيس البولندي السابق، أندريه دودا، والأمين العام السابق لـ«الناتو»، ينس ستولتنبرغ.
ويرى المتشددون أنه على الغرب الاستعداد للحرب مع موسكو، ويقول رئيس الوزراء البريطاني المنتهية ولايته، كير ستارمر، والأمين العام لـ«الناتو»، مارك روته، إن روسيا قد تهاجم إحدى دول «الناتو» خلال السنوات الخمس المقبلة، وهو ادعاء يردده مسؤولون دفاعيون من ألمانيا والدنمارك ودول أخرى.
ويكمن الخطر في الوقوع في حلقة مفرغة، فمع زيادة أوروبا مساعداتها لأوكرانيا لتعزيز قواها العسكرية وقواها النارية في هذه الحرب التي تجاوزت عامها الخامس، وانخراطها بشكل أكبر في الحرب، يشير الروس إلى أن الغرب قد انضم فعلياً إلى الصراع، ويحذرون من أن ذلك قد يؤدي إلى تصعيد لاحقاً.
ويأتي تقديم هذا الدور المعزز لأوروبا كواجب أخلاقي، يبرر الزيادة الكبيرة في المساعدات العسكرية في الأشهر الأخيرة. وقد لعبت المملكة المتحدة، على وجه الخصوص، دوراً محورياً، حيث زودت أوكرانيا بصواريخ «ستورم شادو» بعيدة المدى التي تمكن الأوكرانيين من ضرب أهداف في عمق الأراضي الروسية.
ويعتقد المتشددون أن مساعدة كييف على نقل الحرب إلى موسكو، فكرة صائبة. لكن من الأفضل لهم متابعة النقاش الداخلي في روسيا عن كثب، إذ إنهم سيكتشفون لاحقاً أن مثل هذه الهجمات تعزز في الغالب أصوات المتشددين داخل الكرملين أيضاً، الذين لا يدعون إلى مزيد من المفاوضات، بل إلى مزيد من القصف على أوكرانيا، حتى تعلن قبولها خطط موسكو، بما في ذلك استخدام موسكو أسلحة أكثر فتكاً مما يستخدمه الجيش الروسي في الوقت الحالي.
لكن الصواريخ البريطانية ستجعل الأمر يبدو مسألة وجودية بالنسبة للروس، ويغيّر آراء أولئك الذين يسعون إلى تغيير النظام في موسكو، وسيفضلون الدفاع عن بلادهم في هذه الحرب، وسيكون ذلك مخاطرة قد تؤدي أيضاً إلى التصعيد الذي يخشاه الجميع.
وهكذا يستمر التسرع نحو إعادة التسلح، باستثمارات ضخمة في الإنتاج العسكري بغض النظر عن مجموعة من العوامل المقلقة، من مخاطر النبوءة التي تتحقق ذاتياً، إلى الاختلالات داخل أوروبا، بالنظر إلى إعادة تسليح ألمانيا، إلى الاختلافات الإقليمية في ظل غياب الدعم الشعبي في دول جنوب ووسط أوروبا، مثل إيطاليا والنمسا.
وبناء عليه يبقى السؤال المحوري، إلى متى ستظل بروكسل ولندن مستعدتان إلى المضي في استراتيجية تركز على المواجهة مع روسيا؟ ثمة مسار بديل، سواء اتفقنا مع دونالد ترامب أم لا، فإن الانخراط الاقتصادي يجري طرحه بصورة متزايدة في واشنطن كبديل للصراع الدائم. عن «بروكسل سيغنال»
• ثمة مسار بديل، سواء تم الاتفاق مع دونالد ترامب أم لا، فإن الانخراط الاقتصادي يجري طرحه بصورة متزايدة في واشنطن كبديل للصراع الدائم.
• فريق ترامب يرى أن إنشاء مشروع «مضيق بيرينغ» يمثل علاقة جديدة تتجاوز الصدام الاستراتيجي في أوكرانيا، الذي يمكن حله باتفاق يعترف بسيطرة روسيا على جزء كبير من دونباس، مع زيادة الانخراط الاقتصادي الأميركي في بقية أوكرانيا.
• الانقسام يبدو واضحاً، إما نهج واقعي يسعى إلى حل وسط بين الجانبين، يتبعه تعاون اقتصادي، أو موقف أيديولوجي رافض لأي اتفاق مع الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، مع البحث عن سبل لفرض «هزيمة استراتيجية» على روسيا.
تابعوا آخر أخبارنا المحلية والرياضية وآخر المستجدات السياسية والإقتصادية عبر Google news