لأنه ليس من الحكمة مواجهة خصمين معاً

يجب على الولايات المتحدة الاختيار بين الصين وروسيا

صورة

خلال خطاب ألقاه الأسبوع الماضي، كشف وزير الخارجية الأميركي، أنتوني بلينكن، عن الخطوط العريضة التي طال انتظارها للموقف الرسمي لإدارة الرئيس جو بايدن إزاء الصين. وقال بلينكن إن الصين هي التي تمثل التهديد الأقوى للنظام العالمي الذي تدعمه الولايات المتحدة، وليس روسيا في عهد الرئيس فلاديمير بوتين. وواصل بلينكن حديثه بالقول: «الصين وحدها هي التي لديها النية لإعادة رسم النظام العالمي»، كما أنها تملك القوة للقيام بذلك. وستسعى الولايات المتحدة لحشد ائتلاف من الدول الأخرى في وجه تحديات الصين.

تعهّد

وقبل بضعة أيام، تعهد الرئيس بايدن الدفاع عن جزيرة تايوان إذا حاولت الصين الاستيلاء على هذه الجزيرة التي يحكمها النظام الديمقراطي. والتقى مع حلفاء إقليميين، واقترحت إدارته خطة جديدة من أجل مواجهة النفوذ الاقتصادي الصيني المتنامي في آسيا. ولكن التركيز المتزايد على قدرة الصين على تعطيل النظام العالمي يقلص مساحة التعاون مع بكين، ويصرف الانتباه عن التهديد الحقيقي في العالم، وهو روسيا.

حروب روسيا

وفي ظل حكم الرئيس بوتين قامت روسيا بتدمير غروزني عاصمة الشيشان عام 2000، وغزت جورجيا عام 2008، وضمت شبه جزيرة القرم عام 2014، واستخدمت قواتها الدولية عامي 2015، و2016 لتدمير قوات المعارضة السورية، واستخدمت روسيا الهجمات السيبرانية، وقامت باغتيال وتعذيب معارضين محليين، وأصدرت قوانين لفرض عقوبات رهيبة في السجون ضد أي شخص ينتقد الدولة. وقامت روسيا بغزو وحشي ضد أوكرانيا، ولمحت إلى إمكانية استخدام السلاح النووي. ولم يكتفِ بوتين بالإعلان عن نيته إعادة رسم الحدود الدولية فقط وإعادة إحياء شبح الاتحاد السوفييتي السابق، وإنما عمل على تحقيق ذلك.

ولابد من القول إن إحباط مزيد من السلوكيات الروسية السيئة من خلال فرض الحظر التجاري، ووقف إعادة إمداد جيش الدولة بالأسلحة، يتطلب تعاوناً دولياً ضد بوتين، وهذا يتضمن الصين أيضاً.

الصين خصم محتمل

وبالطبع علينا أن نكون واضحين بشأن الصين أيضاً. وبلا ريب فإنها خصم محتمل أكثر قوة من روسيا بكل المقاييس، العسكرية، والاقتصادية، والأيديولوجية. ويشرف الحزب الشيوعي الصيني تحت قيادة الرئيس تشي جين بينغ على شكل من الرأسمالية الذي تشرف عليه الدولة، والتي تلحق الضرر بالشركات الأجنبية في السوق الصينية. وتنفق الصين من المال على تطوير جيشها أكثر من أي دولة أخرى بعد الولايات المتحدة، حيث تنوي مواجهة التفوق العسكري الأميركي في شرق آسيا. ويتم التعبير عن تصاعد الروح القومية في الصين، عن طريق الاعتقاد بأنه لابد من إعادة توحيد تايوان مع الصين الأم، وأن بحر الصين الجنوبي هو بحيرة صينية.

الصين ليست بالضرورة تهديداً

ولكن كل هذه القضايا لا تجعل الصين بالضرورة تهديداً للازدهار والأمن الأميركيين، إلا إذا صدقنا كل كلمة معادية تأتي من المسؤولين الصينيين، وكل خطة عسكرية يضعها الجيش الصيني وحتمية «فخ ثيوسيديديس»، ومفاده أن القوى الصاعدة تميل نحو الصراع مع القوى العظمى الموجودة في الأصل. وهذا لا يعني أن أي دولة لا تلتزم بالمعايير الديمقراطية، تشكل خطراً على الولايات المتحدة. إذ إن الولايات المتحدة لم تستند سياساتها الخارجية برمتها الى قضايا حقوق الانسان، ولا ينبغي لها أن تكون كذلك، لأن ذلك يمثل وصفة من أجل التدخلات في شؤون الدول الأخرى، والصراعات العالمية التي لا نهاية لها.

عرض عضلات

وينظر الحزب الشيوعي إلى الولايات المتحدة باعتبارها خصماً، لكنه كان مستعداً للانخراط معها دبلوماسياً، وقام مراراً وتكراراً بالدفاع عن حرمة حدود الدولة الصينية. وكان خطابه بشأن تايوان مجرد عرض عضلات، ويبدو منضبطاً مقارنة بكيفية تعامل الولايات المتحدة مع دول أميركا الجنوبية تاريخياً.

ومن المؤكد أن المدافعين عن الحرب الباردة الجديدة مع الصين سيغمضون عينهم عن مثل هذه التأكيدات. وسيقولون إن الصين تراجعت عن الالتزامات التجارية، وقامت بانتهاك الاتفاقيات المتعلقة بالمناخ بصورة متكررة، ولجأت إلى التجسس من أجل سرقة الملكية الفكرية، وهي تقوم ببناء جيش قوي لإلحاق الضرر بالولايات المتحدة وحلفائها.

ولكن من المنطق بالنسبة لقوة عظمى صاعدة مثل الصين، أن ترسم الخطط من أجل الدفاع عن نفسها، بما فيها الصراع المحتمل مع الولايات المتحدة. ومن الجدير بالذكر أن الصين متشابكة بعمق مع الاقتصاد الأميركي والدولي. وتبلغ ديونها على الولايات المتحدة نحو ترليون دولار على شكل سندات الخزانة الأميركية. وهي تستفيد من الأثر التراكمي لاستثمارات الولايات المتحدة، كما أنها تحتاج إلى مدخل للأسواق الأجنبية. وتضبط كل هذه الحقائق سلوكيات الصين، وبالقدر ذاته احتمال وقوع مواجهة بينها وبين الولايات المتحدة. وعلى العكس فإن روسيا منضبطة فقط بأوامر بوتين ورغباته.

طرق جديدة للتعامل مع الصين

وبدلاً من جعل الصين عدوّنا الكبير المقبل، سيكون الأمن الأميركي أفضل عند الإدراك بأن سلوك روسيا يسلط الضوء على الطرق التي تظل من خلالها الولايات المتحدة والصين مرتبطتين مع بعضهما بعضاً، على الرغم من التوترات بينهما. وعلينا أن نعزز هذه الروابط بدلاً من تعريضها للخطر، والتي تعتبر مهمة جداً بالنسبة للدولتين كي تظلّا في حالة من الازدهار والاستقرار والأمان. ولا ينبغي علينا أن نسمح لبغضنا للنظام الداخلي الصيني، بأن يكون قاعدة لكيفية تعاملنا مع هذه الدولة التي تعتبر من الأقوى والأكثر ثراءً في العالم، بعد الولايات المتحدة.

ومن النادر أن يكون من الحكمة مواجهة خصمين في وقت واحد. ويتعين على الرئيس بايدن أن يجد طرقاً جديدة للعمل مع الصين، بدلاً من محاولة إجبارها كي تكون مختلفة. وعليه أن يقوم بخطوات جريئة لتخفيف حدة الخطابات المتبادلة، مثل رفع التعرفة الجمركية التي فرضها الرئيس الأميركي السابق، دونالد ترامب، على البضائع الصينية مقابل تخفيض الصين لدعمها لبوتين. وإلّا فإنه سيفقد الفرصة ليكون رئيساً استراتيجياً ذكياً، بدلاً من القتال مع الصين بصورة متواصلة.

زكريا كارابيل باحث وكاتب أميركي


التركيز المتزايد على قدرة الصين على تعطيل النظام العالمي يقلص مساحة التعاون الأميركي مع بكين، ويصرف الانتباه عن التهديد الحقيقي في العالم، وهو روسيا.

لم يكتفِ بوتين بالإعلان عن نيته إعادة رسم الحدود الدولية فقط، وإعادة إحياء شبح الاتحاد السوفييتي السابق، وإنما عمل على تحقيق ذلك. تنفق الصين من المال على تطوير جيشها أكثر من أي دولة أخرى بعد الولايات المتحدة، حيث تنوي مواجهة التفوّق العسكري الأميركي في شرق آسيا.

طبيعي لقوة عظمى صاعدة، مثل الصين، أن ترسم الخطط من أجل الدفاع عن نفسها، بما فيها الصراع المحتمل مع الولايات المتحدة.

طباعة