بعد أن صادقت 180 دولة على تسجيله في لائحة التراث العالمي

التطريز الفلسطيني.. من أنامل المهجرات إلى لائحة «اليونيسكو»

صورة

زهير دوله À الأراضي الفلسطينيةبأناملها التي خطت عليها أوجاع التهجير واللجوء، تحيك الحاجة الفلسطينية ابتهاج دوله (أم مصطفى)، البالغة من العمر 89 عاماً، الثوب الفلسطيني التراثي لجميع حفيداتها وبناتهن، لربطهن بتاريخ وطنهن فلسطين وتراثه الحضاري.

وتداوم الحاجة الفلسطينية على ارتداء الثوب الفلاحي الفلسطيني في جميع المناسبات، لارتباطها الوثيق بفن التطريز الذي ورثته عن والدتها قبل التهجير من مدينة يافا عام 1948، حيث نقلت تراث يافا إلى قطاع غزة بعد النكبة الفلسطينية، ورغم مرور عشرات السنين، تداوم السيدات في المدن الفلسطينية قاطبة، على مزاولة فن التطريز، ونقله إلى الأجيال، لربط الأحفاد بشكل مباشر بأرض الآباء والأجداد.

الحفاظ على هذا الفن الحضاري جعله يتصدر قوائم اهتمام المؤسسات الدولية، فقد أعلنت منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (اليونيسكو) تسجيل فن التطريز الفلسطيني وتراثه على لائحة التراث العالمي غير الملموس، وجاء الإعلان عن هذا الحدث، بعنوان «من حملة التراث الفلسطيني إلى قائمة (اليونيسكو) التمثيلية للتراث الثقافي غير المادي للبشرية».

وقالت «اليونيسكو» في بيان الإعلان، في 15 ديسمبر عام 2021، وخلال الدورة السادسة عشرة للجنة الحكومية الدولية لصون التراث الثقافي غير المادي، المنعقدة في مقر «اليونيسكو» في باريس، تمت إضافة فن التطريز في فلسطين والممارسات والمهارات والمعرفة والطقوس إلى القائمة التمثيلية للتراث الثقافي غير المادي للبشرية، بمصادقة 180 دولة على هذه الاتفاقية.

إنجاز تاريخي

السيدة الفلسطينية غادة عبدالهادي، من مدينة نابلس شمال الضفة الغربية، مديرة مركز حواء للثقافة والفنون، احتفلت بتسجيل فن التطريز الفلسطيني على لائحة «اليونيسكو»، على طريقتها الخاصة، فتزامناً مع هذا الحدث، أطلقت مبادرة بعنوان «البس زيك مين زَيك»، لدعم فن التطريز الفلسطيني وتشجيعه، وخاصة الثوب التراثي التقليدي، الذي كانت ترتديه الفلسطينيات منذ مئات السنين.

وتقول عبدالهادي لـ«الإمارات اليوم»، في حوار خاص، «إن إدراج فن تطريز الثوب الفلسطيني على لائحة التراث العالمي، يعد إنجازاً مهماً وتاريخياً، يجب البناء عليه في الحاضر والمستقبل، ليجوب التراث الفلسطيني دول العالم قاطبة».

وتؤكد أهمية اعتراف «اليونيسكو» بفن التطريز في هذا الوقت بالذات، الذي يواجه فيه التراث الحضاري، والإرث التاريخي، والثقافة والحقوق الفلسطينية، التزوير، والسرقة، والتدمير، مشددة على ضرورة العمل الجاد والدؤوب لحماية التراث الفلسطيني، والحفاظ على الممارسات والطقوس الاجتماعية، التي ترثها الأجيال من الآباء والأجداد.

وتقول عبدالهادي، «إن الاحتلال الإسرائيلي يمتلك سياسة استيطانية، تصادر الأرض وتشرد السكان، وتطمس الهوية الثقافية والحضارية لشعبنا الفلسطيني، وينسبها لنفسه، ويحاول إقناع العالم بمزاعم واهية، بأنه ذو تاريخ ضارب في القدم، وما الحفريات التي تهدد المسجد الأقصى المبارك إلا إحدى هذه المحاولات، والتي من خلالها يعبث لإيجاد أي أثر يؤيد روايته الصهيونية».

وتشير إلى أن الاحتلال عمد سرقة التراث الفلسطيني، عن طريق تشويه الأزياء الشعبية، بإدخال وحدات زخرفية، وإنشاء مشاغل للتطريز، والمشاركة في عروض أزياء عالمية، وادعاء أن هذه الأزياء من تراثه، وشراء المطرزات الفلسطينية القديمة، والتخلص منها، وضمان عدم بقاء أي أثر لها.

وتوضح عبدالهادي أن الاحتلال حرف الشكل العام للثوب الفلسطيني، من خلال تحويل أماكن الزخارف، وتغيير أسماء الوحدات الزخرفية وأشكالها»، مضيفة، «على الرغم من ذلك، بقي تراث الديار المقدسة صامداً عصياً على الانكسار والاندثار».

مناضلة أخرى

مها السقا، مديرة مركز التراث الفلسطيني في مدينة بيت لحم بالضفة الغربية، تزاول فن التطريز التراثي الفلسطيني منذ 31 عاماً، حيث تنتح وتحيك الأثواب التقليدية بكل أشكالها، وفقاً لعادات وتقاليد مختلف القرى والبلدات الفلسطينية، وخاصة المهجرة خلال نكبة عام 1948.

وتقول السقا لـ«الإمارات اليوم» في لقاء خاص، «بدأت ممارسة فن التطريز الفلسطيني عندما شعرت بأننا نمتلك نضالاً من نوع آخر، من أجل توثيق حضارة الشعب الفلسطيني الممتدة منذ آلاف السنين، والحفاظ على إرثه التاريخي، حيث يعد تطريز وحياكة الثوب التراثي التقليدي، أحد أركانه».

وتضيف أن «ثوبنا الفلسطيني حكاية تاريخ متجذر، وإرث حضاري، وهو سلاحنا وأحد جوانب نضالنا للدفاع عن تاريخ شعبنا الفلسطيني العريق، وحماية هذا التراث من السرقة والاندثار، فنحن لو لم نحافظ عليه، لم تعترف به (اليونيسكو)، وقد سجل تراثنا على لائحة التراث العالمي لأننا أثبتنا للعالم أجمع أن تراث التطريز اكتسبناه بالفطرة، عبر الأجيال المتلاحقة».

وتشير السقا إلى أن المرأة الفلسطينية سطرت تاريخها من خلال ثوبها، الذي يسرد حكاية كل قرية فلسطينية، مبينة أن كل مدينة تشتهر بالزي الخاص بها، وبعادات سكانها وتقاليدهم، فثوب مدينة يافا يطرز بأشكال أشجار البرتقال، ويحاط بأشجار السرو، لاشتهار تلك المدينة بزراعة هذه الأنواع من الأشجار.

وتقول «فيما تشتهر أريحا أقدم مدن الأرض، والتي يمتد تاريخها منذ عشرة آلاف عام، بثوبها الكنعاني المطرز طولياً بالأشكال الهندسية، أما مدينة بئر السبع المحتلة، فاشتهرت سيداتها بارتداء الثوب المطرز باللون الأحمر، وفي طلاقها ترتدي الثوب باللون الأزرق، وعندما تتزوج مرة ثانية يطرز ثوبها بألوان عديدة».

وكانت السقا قد أجرت خلال السنوات الماضية العديد من الأبحاث الميدانية في القرى والمخيمات الفلسطينية في قطاع غزة، والضفة الغربية، ومدينة القدس الشريف، وبلدات الداخل الفلسطيني المحتل، لتكتشف أن أكثر ما تهتم فيه المرأة هو ثوبها، الذي بدأت ترتديه وهي طفلة، وهو ذاته الذي كانت تتزين به والدتها وجدتها.

• أعلنت «اليونيسكو» تسجيل فن التطريز الفلسطيني وتراثه على لائحة التراث العالمي غير الملموس، وجاء الإعلان بعنوان «من حملة التراث الفلسطيني إلى قائمة (اليونيسكو) التمثيلية للتراث الثقافي غير المادي للبشرية».


غادة عبدالهادي:

• «إدراج فن تطريز الثوب الفلسطيني على لائحة التراث العالمي، يعد إنجازاً مهماً وتاريخياً».

طباعة