بسبب عمليات الإجلاء المرتجلة من مطار كابول

أطفال أفغان يصابون بالاكتئاب والخوف بعد وصولهم إلى أميركا دون ذويهم

صورة

تم إجلاء 1450 طفلاً أفغانياً إلى الولايات المتحدة من دون والديهم منذ أغسطس الماضي، بعد دخول «طالبان» العاصمة كابول. البعض لم يلتئم شمله مع عائلته حتى الآن. من بين هذه المآسي طفلة تبلغ من العمر ثماني سنوات تبكي كل ليلة، بعد أن تضعها عمتها في الفراش. مئات الأطفال الذين يقيمون تحت رعاية الحكومة الأميركية يطرحون أسئلة لا يستطيع أحد أن يجيب عنها. بعد أشهر من وصولهم إلى هناك، لم يتضح حتى الآن ما اذا كان سيتمكن بعض أفراد أسرهم من رؤيتهم.

العدد الكبير، الذي كشفت عنه وسائل الإعلام أول مرة، وتم تحديثه أخيراً، وحصلت عليه «سي إن إن» من مكتب إعادة توطين اللاجئين، يكشف عن حقيقة مأساوية لعمليات الإجلاء وما بعدها.

وتقول طبيبة الأطفال الأفغانية المولد الأميركية الجنسية في كاليفورنيا، الدكتورة سابرينا بيرينو، التي تأمل في تبني بعض هؤلاء الأطفال، إن العديد من الأطفال حاولوا الفرار من أفغانستان مع عائلاتهم، لكنهم تفرّقوا وسط الفوضى، وفقد البعض الاتصال بوالديهم أثناء القصف بمطار حامد كرزاي الدولي في كابول، وبعض أهاليهم لم ينجوا من الهجوم الإرهابي في ما بعد.

ويقول المسؤولون إن الغالبية العظمى من الأطفال، البالغ عددهم 1450 طفلاً، الذين تم إحضارهم إلى الولايات المتحدة من دون والديهم، تم تسليمهم بسرعة ليعيشوا مع كفلاء، من بينهم أفراد الأسرة الآخرين الذين فروا معهم أو أقاربهم الذين كانوا يعيشون بالفعل في الولايات المتحدة. والتأم شمل بعضهم مع أسرهم عبر عملية سريعة نظمتها إدارة الرئيس الأميركي، جو بايدن، للأطفال الأفغان.

لكن نحو 250 من هؤلاء الأطفال مازالوا تحت رعاية الحكومة الأميركية، وفقاً للإحصاءات التي قدمها مكتب إعادة توطين اللاجئين، أخيراً، لشبكة «سي إن إن». ويقول مسؤولون إن معظم هؤلاء الأطفال ليس لديهم أفراد أسرة في الولايات المتحدة يمكن إلحاقهم بهم.

ويقول أفراد بعض العائلات، الذين تحدثوا إلى «سي إن إن»، إن الأطفال، الذين أصيبوا بالفعل بصدمات نفسية بسبب ما مروا به في أفغانستان، يعيشون الآن في طي النسيان، ويحتاجون بشدة إلى شيء من التواصل مع أقربائهم في أفغانستان.

مكالمات فيديو مع والديهم

صبيّان مراهقان يجلسان على أريكة في غرفة المعيشة في شمال فيرجينيا، يبدو عليهما الضياع. لم يكن من المفترض أن يأتي رامين (17 عاماً)، وإيمال (16 عاماً)، إلى الولايات المتحدة من دون والديهما. كان الصبيّان في المطار برفقة أفراد عائلتيهما الذين كانوا على وشك المغادرة، في أغسطس، لكنهما انفصلا عن أفراد الأسرة خلال الهجوم على المطار. واستطاع الولدان وعمّ أحدهما فقط المغادرة، وتخلفت بقية الأسرتين.

عندما وصل رامين إلى الولايات المتحدة في سبتمبر، كان فَزِعاً بشكل يقارب الجنون، كما تقول ويدا أمير، عضو مجلس إدارة المؤسسة الأفغانية الأميركية التي التقت به عندما كانت تساعد في الترجمة للأشخاص الذين تم إجلاؤهم ووصلوا أخيراً إلى الولايات المتحدة.

وتتذكر أمير: «كان يقول، أعيدوني - أعيدوني». تملّكه الخوف على سلامة والديه وإخوته. كان في كابول تربطه علاقة حميمية مع أخيه الصغير البالغ من العمر 18 شهراً، حيث كانا يقضيان معظم ساعات اليوم معاً، ولم يكن يتخيل أن يعيش منفصلاً عن أخيه. في إحدى الليالي، في ملجأ فيرجينيا، حيث تم نقله هو وإيمال بعد وصولهما إلى هناك، استيقظ رامين وصار يصرخ مثل طفل وينادي باسم أخيه.

بعد قضاء أكثر من شهر في الملجأ، ذهب الولدان ليعيشا مع عم إيمال وعائلته، الذين قدموا إلى الولايات المتحدة منذ ما يقرب من خمس سنوات بتأشيرة هجرة خاصة بعد العمل مع الوكالة الأميركية للتنمية الدولية في أفغانستان. التحق هذان المراهقان بالمدرسة الثانوية، ويقولان إنهما يحاولان التركيز على بناء حياة جديدة في الولايات المتحدة، وهما ممتنان للحصول على فرصة للعيش في أمان، لكن تكيفهما مع الحياة الجديدة يبدو صعباً، لأنهما يدركان أن عائلتيهما في أفغانستان لاتزالان في خطر.

عواطف جيّاشة

يتحدث المراهقان مع والديهما كل يوم تقريباً. مكالمات الفيديو الأولى تخللتها مشاعر جياشة. يقول إيمال من خلال مترجم، واصفاً مقابلاته مع عائلته «كان جميعنا يبكي عندما ننظر إلى صور بعضنا بعضاً، كان من الصعب في البداية إتمام المحادثة». الآن، كما يقول، تجعله هذه المكالمات يتعايش مع وضعه الجديد، ويضيف «إذا لم أتحدث إليهم أو أرى وجوههم، لا أستطيع النوم». ويقول المراهقان أيضاً إنهما يريدان لمّ الشمل مع آبائهم وإخوتهم في الولايات المتحدة. لكن أسرتيهما ليستا متأكدتين متى يتحقق ذلك. يقول إيمال: «إنه شيء أتمناه دائماً».

يقول مسؤولون أميركيون تحدثوا مع شبكة «سي إن إن» إن إجراءات لمّ الشمل مع الآباء الذين بقوا في أفغانستان أو في دول أخرى لاتزال غير واضحة.

سؤال يبحث عن إجابة

وتتساءل نائبة رئيس مجلس السياسة والدفاع عن الأطفال المحتاجين، وهي منظمة تساعد الأطفال المهاجرين واللاجئين غير المصحوبين بأسرهم، جينيفر بودكول «على أي جهة تقع مسؤولية لم شمل هؤلاء الأطفال مع أسرهم؟ وهذا سؤال كبير نريد أن نرى إجابة عنه».

وتقول وزارة الصحة والخدمات الإنسانية إن الحكومة تبذل كل ما في وسعها للمساعدة في لمّ شمل القصّر الأفغان غير المصحوبين بآبائهم وعوائلهم المباشرة، الذين بقوا في أفغانستان. وتضيف الوزارة أن مغادرة أفغانستان لاتزال تمثل تحدياً كبيراً لأسر هؤلاء القصّر، ووصفت عملية لمّ الشمل بأنها صعبة، وأشارت إلى أنها قد تستغرق وقتاً طويلاً.

والتقى وزير الخارجية الأميركي، أنتوني بلينكن، بمجموعة من الأطفال الأفغان غير المصحوبين بذويهم في سبتمبر عندما قام بجولة في قاعدة رامشتاين الجوية في ألمانيا. وقال إن الأميركيين يتطلعون إلى الترحيب بهم، وإن الولايات المتحدة ستحاول مساعدة عائلاتهم وأصدقائهم الذين بقوا في أفغانستان.

ويعاني بعض الأطفال صعوبة في الأكل، لأنهم يعرفون أن عائلاتهم جائعة، ويقول متحدث باسم وزارة الصحة والخدمات الإنسانية إن مكتب إعادة توطين اللاجئين يأخذ سلامة ورفاهية الأطفال «على محمل الجد».

ويضيف المتحدث: «مهمة مكتب إعادة توطين اللاجئين هي أن يضمن أن الأطفال في رعايته آمنون ويتمتعون بصحة جيدة، والعمل على لمّ شملهم مع أفراد الأسرة أو غيرهم من أولياء الأمر بأسرع ما يمكن وبشكل آمن».

ويقول مسؤولون تحدثوا مع الأطفال الذين مازالوا في رعاية الحكومة إن العديد منهم يكافحون للتعامل مع ابتعادهم عن والديهم، ويجاهدون للتعامل مع الصدمة التي تعرضوا لها قبل الفرار من أفغانستان. ففي كل مرة تزور فيها رئيسة مركز موارد المرأة المسلمة، سيما قريشي، ملجأ يؤوي أطفالاً أفغاناً في شيكاغو، يخبرها الأطفال كم يفتقدون عائلاتهم، وتروي قريشي «يقول لي بعضهم إنك تبدين مثل أمي، ويعانقونني ويتحدثون عن والديهم». وعندما تنظر قريشي إلى الأطفال، تقول إنها ترى نفسها. وقريشي ولدت في أفغانستان وجاءت إلى الولايات المتحدة يتيمة منذ أكثر من 30 عاماً. وهي تحاول تشجيع الأطفال ومنحهم الأمل. لكنها تقول إن الأمر بالغ الصعوبة.

وتضيف قريشي «تقدم الحكومة الكثير من الدعم إذا تأكدت أن عائلاتهم لاتزال موجودة وترغب في رعاية أطفالها. لكن ما هو الوقت الذي سيستغرقه ذلك؟ لا أحد منا يعرف»، وتسترسل «نحن لا نعرف حتى ما الذي سيحدث لهؤلاء الأطفال».

وضع نفسي متفاقم

يوجه الأطفال الذين يعيشون مع أقاربهم في أميركا أيضاً أوقاتاً عصيبة. ظلت العمّة فيريشتا ترى الألم على وجهَي ابنة وابن أخيها كل يوم. إنهم يعيشان معها في فرجينيا الآن، لكن عقليهما يسافران آلاف الأميال في كل لحظة. حاولت مينا (ثمانية أعوام)، وأحمد (13 عاماً)، الفرار من أفغانستان مع والديهما وأخيهما الأكبر، لكن قصف المطار فرق بينهم.

وصل الطفلان إلى أميركا في سبتمبر بمساعدة جارهما الذي قادهما إلى بر الأمان. وتقول فيريشتا إن والدتهما ماتت في الانفجار، وبقي أفراد الأسرة وراءهما. أصيب الطفلان في الهجوم الذي أسفر عن مقتل أكثر من 170 شخصاً، وإصابة ما لا يقل عن 200 آخرين.

وطوال أشهر عدة، كان أفراد الأسرة يخشون إخبار الطفلين بوفاة والدتهما. تقول فيريشتا إن الطفلة علمت بذلك أخيراً، وتفاقم الوضع النفسي الذي أصابها. وتستمر مينا في طرح الأسئلة التي لا تعرف عمتها كيف تجيب عنها، مثلاً: لماذا تم نقلها هي وشقيقها إلى ألمانيا بعد الهجوم وعولجوا هناك؟ لماذا لم تستطع والدتها أن تأتي أيضاً؟ متى سيصل والدها؟ تقول فيريشتا: «تبدأ في البكاء كل ليلة حتى تنام، وفي بعض الأحيان يكون من الصعب عليها التوقف».

حقائق صادمة

داخل ملجأ كومونولث ستار للاستقبال الطارئ للاجئين في ألبيون بولاية ميتشيغان الأميركية، كان الأطفال الأفغان يتحدثون للمحامين عن مدى قلقهم وخوفهم، كما تقول المسؤولة بمركز ميشيغان لحقوق المهاجرين، جينيفر فانيغاس، والتي تحدث فريقها مع الأطفال المحتجزين في الملجأ. وتقول: «إنه منظر يؤلم القلب، العديد من أفراد عائلاتهم مختبئون في أفغانستان خوفاً على حياتهم، وليس لديهم ما يكفي من الطعام، وليس لديهم وسيلة للخروج.. لدينا أطفال يقولون لنا إنهم يواجهون صعوبة في تناول الطعام، لأنهم يعرفون أن أسرهم جائعة».

ويقول النائب الأول لرئيس منظمة الشؤون العامة والحكومية، ناثان بولت، إن ما يقرب من 20 قاصراً أفغانياً في مرافق بيثاني كريستيان سيرفيسز في ميتشيغان وبنسلفانيا يسألون باستمرار عما يمكن فعله لمساعدة أسرهم في أفغانستان، «يعرف بعض هؤلاء الأطفال أن والديهم لم يعودوا على قيد الحياة، أعتقد أن عدداً أكبر منهم لا يعرفون ذلك حقاً، ولا أعتقد أن حكومة الولايات المتحدة تعرف، وهذا أصعب شيء يمكن قوله لطفل في بعض الأحيان، إنها حقيقة صادمة».

وتمكن أطفال آخرون من التواصل مع الأصدقاء أو العائلة على تطبيق «واتس أب»، ويقول بولت: «إنهم يعرفون مكان والديهم، ويقول آباؤهم لسنا بأمان، ويحاولون الهروب من (طالبان)»، ويضيف بولت: «أدعو الله أن يلتئم شمل كل هؤلاء الأطفال بأسرهم الممتدة أو عائلاتهم المباشرة، ولكن هناك بعض الأطفال الذين لن يلتئم شملهم أبداً مع عائلاتهم استناداً إلى المعلومات المتوافرة لدينا».

يقول مسؤولون تحدّثوا مع الأطفال الذين مازالوا في رعاية الحكومة إن العديد منهم يكافحون للتعامل مع ابتعادهم عن والديهم، ويجاهدون للتعامل مع الصدمة التي تعرّضوا لها قبل الفرار من أفغانستان.

طباعة