"الحرب قادمة".. روسيا تدرب الأطفال والمدنيين على القتال ضمن "عسكرة المجتمع"

على مدى أيام، تنافس طلاب روس من جميع أنحاء البلاد في مسابقات تضمنت أنشطة عسكرية مثل قراءة الخرائط وإطلاق النار واختبارات في تاريخ البلاد.

الكرملين مول هذه المسابقات جزئيا، ومُنح الفائزون جوائز وهم يرتدون ملابس عسكرية في احتفال أقيم خارج موسكو.

ونقلت صحيفة نيويورك تايمز عن، سفياتوسلاف أوميلتشينكو، وهو عضو سابق في القوات الخاصة التابعة لجهاز الأمن والاستخبارات الروسي، KGB، ومؤسس مجموعة "فيمبل" التي تدير هذه المسابقات قوله: "يدرك الآباء والأطفال أن هذه القوقعة من العدوانية من حولنا تضيق، وتتصلب".

مضيفا "نحن نبذل كل ما في وسعنا للتأكد من أن الأطفال يدركون ذلك، ونجعلهم مستعدين للذهاب والخدمة".

وقالت الصحيفة إن هذه الجهود تأتي متسقة مع فكرة تروجها الحكومة الروسية منذ ثماني سنوات، وهي أن "الوطن الأم محاط بالأعداء"، وفكرة أن "البلاد يمكن أن تضطر مرة أخرى إلى الدفاع عن نفسها كما فعلت ضد النازيين في الحرب العالمية الثانية".

وفي الوقت الذي تقوم فيه روسيا بحشد القوات على الحدود الأوكرانية، وهو ما أثار المخاوف الغربية من غزو وشيك، فإن العسكرة المطردة للمجتمع الروسي في عهد الرئيس، فلاديمير بوتن، تبدو فجأة ذات معنى، ويبدو أنها أخضعت الكثيرين لفكرة أن القتال قد يكون قادما.

وقال ديمتري موراتوف، الصحفي الروسي الذي تقاسم جائزة نوبل للسلام هذا العام، في خطاب القبول الذي ألقاه في أوسلو هذا الشهر، "إن السلطات تبيع بنشاط فكرة الحرب. وأن "الناس يعتادون على التفكير في إنها منطقية."

والثلاثاء، قال بوتين لقادة عسكريين إن "روسيا لا تريد إراقة الدماء، ولكنها مستعدة للرد "بتدابير عسكرية تقنية" على ما وصفه بالسلوك العدواني للغرب في المنطقة.

ويهدف برنامج مدته أربع سنوات بقيمة 185 مليون دولار بدأه الكرملين هذا العام إلى زيادة "التعليم الوطني" للروس بشكل كبير، بما في ذلك خطة لجذب ما لا يقل عن 600 ألف طفل لا تتجاوز أعمارهم ثماني سنوات للانضمام إلى صفوف جيش الشباب النظامي.

وتقول الصحيفة إن هذا يشير بوضوح إلى أن روسيا تتوقع حصول حرب قادمة.

ويصف أليكسي ليفنسون، رئيس قسم البحوث الاجتماعية والثقافية في مركز ليفادا، وهو خبير مستقل في استطلاعات الرأي في موسكو، لنيويورك تايمز، هذا الاتجاه بأنه "عسكرة وعي" الروس.

وفي الاستطلاعات المنتظمة لمركز ليفادا، أصبح الجيش في عام 2018 المؤسسة الأكثر ثقة في البلاد، متجاوزا حتى الرئيس.

وفي هذا العام، بلغت نسبة الروس الذين قالوا إنهم يخشون حربا عالمية أعلى مستوى مسجل في الدراسات الاستقصائية التي يرجع تاريخها إلى عام 1994، بعد أن اجتاز عتبة 62 في المائة من المستطلعين.

وقال ليفنسون إن هذا لا يعني أن الروس سيرحبون بغزو دموي لأوكرانيا، ولكن هذا يعني، كما قال، إن كثيرين قبلوا فكرة أن روسيا تخوض منافسة وجودية مع قوى أخرى يكون فيها استخدام القوة احتمالا واردا.

وتقول الصحيفة إن موسكو تستخدم الحرب العالمية الثانية "بكثافة" في الإعلام لترسيخ فكرة إن روسيا مهددة من جديد.

وفي خطابه السنوي بمناسبة يوم النصر هذا العام بعد عرض عسكري ضخم، هاجم بوتن "أعداء روسيا الحاليين" الذين لم يكشف عن أسمائهم والذين كانوا يقومون -بحسب وصفه- بإعادة نشر "النظرية الوهمية النازية لتفردهم".

وفي التلفزيون الرسمي الأسبوع الماضي، سخر مقدم برنامج إخباري من تهديدات العقوبات ضد روسيا من أولئك "الذين ليس لديهم أي فكرة عن كيفية تخويف شعب فقد أكثر من 20 مليون من رجاله ونسائه وكبار السن وأطفاله في الحرب الأخيرة".

وقال ليفنسون إن الكرملين ينقل الانتصار في الحرب العالمية الثانية، "إلى المواجهة الحالية مع كتلة حلف شمال الأطلسي".

وفى موسكو تجمع مؤخرا أكثر من 600 شخص من جميع أنحاء روسيا لحضور منتدى ترعاه الحكومة يهدف الى تعزيز الوطنية بين الشباب.

 وأشاد، سيرغي كيريينكو، نائب رئيس هيئة الأركان في الجيش الروسي، بالحضور لقيامهم "بعمل مقدس".

وفي المؤتمر، تحدث اثنان من "متطوعي النصر" كما يسمى مدربو الطلاب، عن خططهما لتعليم طلاب المدارس الثانوية عن انتصار الحرب العالمية الثانية الروسية في حدث إقليمي في الأسبوع التالي.

عملت روسيا مؤخرا على بناء قواتها بالقرب من حدودها مع أوكرانيا، كما ازدادت حدة خطاب الكرملين تجاه جارته. وازداد القلق في أواخر أكتوبر، عندما استخدمت أوكرانيا طائرة بدون طيار مسلحة لمهاجمة مدرعة هاوتزر يقودها الانفصاليون المدعومون من روسيا.

ووصفت روسيا الضربة بأنها عمل مزعزع للاستقرار ينتهك اتفاق وقف إطلاق النار، مما يثير مخاوف من تدخل جديد في أوكرانيا يمكن أن يجذب الولايات المتحدة وأوروبا إلى مرحلة جديدة من الصراع.

وقال بوتين، الذي صور بشكل متزايد توسع الناتو شرقا على أنه تهديد وجودى لبلاده، إن الحشد العسكرى لموسكو جاء "ردا على شراكة أوكرانيا المعمقة مع الحلف".

وتسعى الولايات المتحدة، بحسب تصريحات للرئيس، جو بايدن، إلى إقامة علاقات مستقرة مع روسيا، فيما تركز الإدارة الأميركية على إدامة الحوار مع موسكو، والسعي إلى تطوير تدابير للردع بالتنسيق مع الدول الأوروبية.

وفى استطلاع للرأي أجراه مركز ليفادا ونشر الأسبوع الماضي قال 39 في المئة من الروس إن الحرب بين روسيا وأوكرانيا إما حتمية أو محتملة جدا.

وقال نصفهم إن الولايات المتحدة وحلف شمال الأطلسي هما المسؤولان عن الارتفاع الأخير في التوترات، فيما قال ما لا يزيد عن 4 في المئة - من جميع الفئات العمرية - إن روسيا كانت مخطئة.

وتقول الصحيفة إن القناعة في مختلف أنحاء المجتمع بأن روسيا ليست المعتدية تعكس أيديولوجية أساسية تعود إلى العهد السوفييتي، وهي أن البلاد تخوض حروبا دفاعية فقط.

وتشير إلى تخصيص الكرملين الأموال للتركيز على هذا الموضوع.

وقال، أنطون دولين، الناقد السينمائي الروسي "في الوقت الراهن، يتم دفع فكرة أن روسيا دولة محبة للسلام محاطة بشكل دائم بالأعداء"، مضيفا أن "هذا يتناقض مع بعض الحقائق، ولكن إذا كان هذا يظهر في الأفلام بشكل مستمر، فسيحصل النظام على أجيال تألف هذه الفكرة من الطفولة".

ويخشى بعض المحللين من أن الخطاب المتصاعد يرسي الأساس لما قد تحاول روسيا تصويره على أنه تدخل دفاعي لحماية أمنها والمتحدثين باللغة الروسية في أوكرانيا.

وقال يفغيني بوبوف، وهو عضو منتخب حديثا في البرلمان إن "التوتر يتصاعد"، مضيفا "أعتقد أن معظم الناس فى روسيا لن يؤيدوا ذلك (الحرب) الا إذا كنا ندافع عن الشعب الروسي الذى يعيش فى هذه الأراضي". مشيرا إلى الأراضي في المقاطعات الانفصالية في أوكرانيا حيث حصل مئات الالاف على الجنسية الروسية.

وتقول الصحيفة إن مدى فعالية الرسائل العسكرية للكرملين أمر لم يتضح بعد، خاصة أن استطلاعات الرأي تظهر أن الشباب لديهم نظرة أكثر إيجابية للغرب من الأكبر سنا، كما تقول إنه "يبدو أن المشاعر المؤيدة للكرملين الناجمة عن ضم شبه جزيرة القرم قد تبددت وسط الركود الاقتصادي".

لكن الحملات الإعلامية لا زالت تتضاعف كل فترة، بحسب الصحيفة.

 

طباعة