عناصر ملثمون يعتقلون الناس في شوارع أميركا

سلوك جديد في أميركا ينبغي أن يسبب فزعاً وقلقاً لكل من يهتم بدستور البلاد، أحد مظاهر هذا السلوك يتجلى في مشهد من السيارات الصغيرة لا تحمل أي علامات، مليئة بالعملاء الفيدراليين الملثمين تقف الى جانب المتظاهرين في زوايا الشوارع، ثم تختطفهم وتعتقلهم دون أي تفسير. لو حدث مثل ذلك في فنزويلا أو إيران، لهددت الحكومة الأميركية بفرض عقوبات دولية على تلك الحكومات، ولكن طالما أنه يحدث في الولايات المتحدة، فإن وزير الأمن الداخلي بالإنابة في حكومة ترامب، تشاد وولف، يظل يدافع عن هذه الانتهاكات، بل يعد بالمزيد منها.

القصص التي يرويها شهود عيان عن أولئك الذين تلتقطهم الشاحنات التي لا تحمل علامات - والتي تعمل على ما يبدو من قبل قوات الجمارك وحماية الحدود، التي تخضع لسيطرة وزارة الأمن الداخلي - مرعبة للغاية. يقول أحد الضحايا لصحيفة نيويورك تايمز: "قال لي أحد الضباط تعال هنا، ثم أمسك بي وألقاني في الشاحنة، وسحب ضابط آخر قبعته الصغيرة إلى أسفل وجهه كيلا أتمكن من رؤيته".

ويقول آخر لصحيفة واشنطن بوست: "كنت خائفاً، كان الأمر مرعباً ويبدو مثل قصص الخيال العلمي، أو مثلما يحدث في روايات فيلب كي ديك، مثل الفرائس والطرائد". ويقول آخر لإذاعة ولاية أوريغون في بورتلاند: "رأيت رجالاً ملثمين أربعة أو خمسة يخرجون من السيارات، لينقضوا على المتظاهرين".

الأحداث التي يصفها هؤلاء تذكرنا ببرنامج وكالة المخابرات المركزية (سي آي إيه) المعروف بترحيل المطلوبين بعد أحداث 11 سبتمبر في عهد الرئيس جورج دبليو بوش، حيث يظهر عملاء الـ(سي آي إيه) في سيارات لا تحمل ارقاماً في دول أجنبية، ويهجمون على المشتبه فيهم بالإرهاب ويعصبون أعينهم ويختطفونهم دون أي تفسير (اتضح أن العديد منهم في ما بعد أبرياء). ولكن في هذا الوقت تغير المكان، فبدلاً من الظهور في شوارع إيطاليا أو الشرق الأوسط، يظهرون في وسط مدينة بورتلاند الأميركية.

أدان جميع زعماء بورتلاند المحليين تقريباً، وكذلك كبار ممثلي ولاية أوريغون في الكونغرس، هذا السلوك الغريب، ودعوا إلى إجراء تحقيق. لكن حتى الآن، لم يرتدع أي من وزارة الأمن الداخلي أو إدارة ترامب.

وأصدر وزير الأمن الداخلي بالإنابة، بياناً بالفيديو يوم الجمعة أبان فيه أن بورتلاند رفضت عرض الوزارة "للدعم". لذا مضت وزارة الامن الداخلي قدماً وأرسلت رجالها على أي حال. وتتمثل مبررات وزارة الأمن الداخلي في "غزو" بورتلاند وتنفيذ عمليتها "الإرهابية"، فيما تسميه بـ“العنف المتفشي طويل الأمد"، الذي لا يرقى في الحقيقة الى أكثر من عمليات الكتابة على الجدران والأضرار الطفيفة في الممتلكات.

وتبعد بورتلاند 400 ميل تقريباً عن الحدود الكندية، و80 ميلاً عن المحيط الهادئ. ومن غير الواضح ما هي السلطة القانونية، إن وجدت، التي تسمح لقوات الجمارك وحماية الحدود بإرهاب الناس في الشوارع ومطاردة من يقومون بالكتابة على الجدران والذين يمارسون نشاطهم في مكان قريب من الحدود ولا يؤثر في المدن الكبرى.

والأسوأ من ذلك، استناداً إلى الشهود، لا تقوم قوات الجمارك وحماية الحدود فقط "بالدفاع" عن المباني الفيدرالية، كما تدعي. وكما أفادت إذاعة ولاية أوريغون في بورتلاند فإن "المقابلات تظهر أن الضباط يحتجزون أيضاً أشخاصاً في شوارع بورتلاند لم يكونوا بالقرب من ممتلكات اتحادية، وليس من الواضح أن جميع الأشخاص الذين يتم القبض عليهم قد تورطوا في أنشطة إجرامية". وقال المتظاهرون للإذاعة إنهم "يعتقدون أنهم استهدفوا من قبل الضباط الفيدراليين لأنهم ببساطة ارتدوا ملابس سوداء في منطقة التظاهرة".

وبحسب ما ورد أطلقت قوات الجمارك وحماية الحدود، بشكل عشوائي، الغاز المسيل للدموع على المتظاهرين على الرغم من أن قاضياً منع شرطة بورتلاند من القيام بذلك، وأصيب شخص بعاهة مستديمة بسبب رصاصة في الرأس من ما يسمى ببندقية "أقل خطورة"، وأطلقوا رصاصهم أيضاً على صحافي واحد على الأقل.

ظلت وزارة الأمن الداخلي في عصر ما قبل ترامب، تحرص على عدم إهدار موارد هائلة من أموال دافعي الضرائب، وسوء استخدام الموارد الحكومية، وتكترث بالحريات المدنية. في عام 2015، دعوت إلى إلغاء هذه القوات على صفحات «الغارديان». وفي عهد ترامب، وصلت انتهاكاتها إلى مستويات جديدة، وقد أظهرت إجراءاتها المقلقة المناهضة للهجرة أن عناصرها يتجاوزون حدودهم وينكّلون بقسوة بأولئك الذين يقبضون عليهم.

طباعة