نظرية الحسابات المضادة قد لا تعود على طهران بالفوائد المرجوة

طهران وواشنطن على أعتاب أزمة جديدة حول حظر الأسلحة

صورة

مع اقتراب موعد الاستحقاق الخاص برفع حظر الأسلحة وفقاً لما جاء في قرار مجلس الأمن رقم 2231 الذي تلى الإعلان عن الوصول للاتفاق النووي بين إيران ومجموعة «5+1» في 14 يوليو 2015، بدأت الولايات المتحدة الأميركية في شن حملة دبلوماسية على الصعيد الدولي لوقف رفع هذا الحظر، في أكتوبر المقبل، مستندة إلى أن ذلك سيهدد الأمن والاستقرار في المنطقة، وهو ما ردت عليه الأخيرة بأن واشنطن ليست طرفاً في الاتفاق بعد انسحابها منه قبل عامين، مشيرة إلى إمكانية تبني خيارات أكثر تصعيداً في حالة ما إذا تمكنت إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب من استقطاب دعم دولي لموقفها في هذا السياق على نحو يوحي بأن ثمة أزمة جديدة تلوح في الأفق، ستتصاعد حدتها خلال المرحلة المقبلة.

خطوات متوازية

اتسع نطاق الخلافات بين إيران والولايات المتحدة الأميركية من جديد بسبب اقتراب موعد رفع حظر الأسلحة المفروض على إيران بمقتضى القرار 2231، وذلك في أكتوبر المقبل، حيث تسعى واشنطن إلى الحيلولة دون تنفيذ هذا الاستحقاق في موعده، وتمارس ضغوطاً في هذا السياق على كل من ألمانيا وفرنسا وبريطانيا تحديداً، وهي الدول الأوروبية التي كانت منخرطة من البداية في المفاوضات مع إيران، والتي انتهت بالوصول للاتفاق النووي الذي قارب على إنهاء عامه الخامس في يوليو المقبل.

كما يبدو أنها ستسعى إلى إجراء مباحثات مع الصين وروسيا من أجل إقناعهما بدعم التوجه الجديد الخاص بتمديد الحظر، وفي هذا السياق قال وزير الخارجية الأميركي مايك بومبيو، في 29 أبريل الفائت، إن «واشنطن تدرس كل الخيارات لتمديد حظر الأسلحة». ويبدو أنه يشير في هذا السياق إلى إعداد صياغة قانونية جديدة تؤكد أن الولايات المتحدة مازالت شريكة في الاتفاق، باعتبار أنها مازالت ملتزمة بالقرارات الدولية السابقة عليه؛ تمهيداً لاستخدام ذلك في المرحلة المقبلة لتعزيز احتمال تمديد الحظر أو ممارسة ضغوط على الدول التي يمكن أن تبرم مع إيران صفقات في هذا الصدد.

تداعيات محتملة

ووفقاً لرؤية واشنطن، فإن تنفيذ هذا الاستحقاق يمكن أن يؤثر سلباً على المقاربة الحالية التي تتبناها إزاء إيران، وتقوم على رفع مستوى الضغوط بشكل غير مسبوق لدفع الأخيرة إلى تغيير سياستها الحالية، والقبول بإجراء مفاوضات للوصول إلى اتفاق جديد لا يتضمن ما تطلق عليه «الثغرات» التي يعانيها الاتفاق الحالي. وبمعنى آخر، فإن واشنطن ترى أن حصول إيران على هذا العائد الاستراتيجي المهم من الاتفاق النووي يمكن أن يفرض التداعيات التالية:

1- استمرار التصعيد

ترى واشنطن أن رفع حظر الأسلحة سيوجه رسالة خاطئة لإيران بأن لديها القدرة على تحدي «الإرادة» الأميركية والالتفاف على الضغوط والعقوبات التي تفرضها واشنطن، بشكل سيدفعها إلى مواصلة السياسة التصعيدية الحالية التي لا تقتصر على رفع مستوى أنشطتها النووية، وإنما تمتد أيضاً إلى إطلاق قمر اصطناعي للأغراض العسكرية، والاقتراب من القطع البحرية الأميركية في مياه الخليج العربي، وإدارة التصعيد الذي تقوم به الميليشيات الموالية لها في العراق وتستهدف من خلاله مصالحها، في إطار سعيها إلى رفع كُلفة مقتل قاسم سليماني قائد فيلق القدس في الثالث من يناير الماضي.

2- تعزيز دور المنافسين

سيؤدي رفع هذا الحظر إلى توسيع نطاق العلاقات الثنائية بين إيران وكل من الصين وروسيا تحديداً، والتي ستمتد إلى المجال العسكري في هذه الحالة، حيث أشارت تقارير سابقة إلى أن طهران قد تسعى إلى إبرام صفقات عسكرية مع الدولتين للحصول على معدات عسكرية متطورة، وقد باتت مثل هذه الصفقات تثير استياء من جانب واشنطن، باعتبار أن ذلك يخصم من نفوذها في المنطقة.

3- مواصلة دعم الحلفاء

تُبدي دوائر عدة في واشنطن قلقاً خاصاً من أن إيران قد تستغل رفع الحظر من أجل مواصلة الدعم العسكري لحلفائها، بشكل لا يتوافق مع مصالحها وحساباتها إزاء بعض الملفات الإقليمية، لاسيما ما يتعلق بالملف السوري والتصعيد المستمر بين إيران وحلفائها من جهة وإسرائيل من جهة أخرى. ومن هنا يمكن تفسير أسباب حرص تل أبيب على دعم الجهود التي تبذلها الإدارة الأميركية من أجل تمديد الحظر الحالي.

تحذيرات مسبقة

إيران بدورها تبدو مهتمة بشكل ملحوظ برفع الحظر المفروض على الأسلحة، وقد حرصت حكومة الرئيس الإيراني حسن روحاني قبل نحو عام على الترويج للتداعيات الإيجابية التي سيفرضها رفع هذا الحظر، وحاولت استثمار ذلك للرد على الانتقادات القوية التي تعرضت لها، ومازالت، من جانب المؤسسات الرئيسة في الدولة وتيار المحافظين الأصوليين، بسبب تراجع العوائد الخاصة بالاتفاق النووي بعد انسحاب الولايات المتحدة منه وفرضها عقوبات جديدة على إيران.

ومن هنا، سارعت طهران إلى توجيه تحذيرات مسبقة من التداعيات التي يمكن أن يسفر عنها أى تمديد محتمل للحظر، بما يعني أنها لا تستبعد نجاح الجهود التي تبذلها الولايات المتحدة في الوقت الحالي، رغم المعارضة العلنية التي أبدتها بعض القوى تجاه ذلك مثل روسيا، إذ تضمنت الرسائل التي بعث بها روحاني إلى القوى المعنية بالاتفاق، التحذير من العواقب الوخيمة التي يمكن أن يسفر عنها تمديد الحظر، لكن التهديد كان أكثر وضوحاً على لسان الأمين العام للمجلس الأعلى للأمن القومي علي شمخاني، الذي قال في الثالث من مايو الجاري، إن «الجثة الهامدة للاتفاق النووي ستتجه للموت الأبدي عبر الالتفاف على القرار 2231 واستمرار حظر الأسلحة».

إصرار إيران على تنفيذ رفع الحظر في موعده والتحذير من عواقب المسار المضاد لذلك يعود إلى اعتبارات عدة، يتمثل أبرزها في:

1- الخيار الأخير

رغم أن طهران لوحت أكثر من مرة بالانسحاب من الاتفاق النووي على غرار الخطوة التي اتخذتها الولايات المتحدة قبل عامين، فإنها كانت حريصة على تجنب هذا الخيار بالفعل لما سيترتب عليه من معطيات جديدة ربما ترى أنها لا تتوافق مع مصالحها في الوقت الحالي، لاسيما ما يتعلق بتعزيز نشوب مواجهة أوسع نطاقاً مع الولايات المتحدة أو إسرائيل في المرحلة المقبلة. من هنا، ترى إيران أن نجاح واشنطن في تمديد الحظر قد يدفعها حتماً إلى هذا الخيار الذي لا تحبذه باعتبار أن تمديد الحظر قضى، في رؤية بعض المسؤولين الإيرانيين، على ما تبقى من الاتفاق، ولم يعد هناك ما يدفع إيران إلى التمسك به بعد ذلك.

2- تطوير القطاعات العسكرية

ترى طهران أن قدراتها النوعية تنحصر في مجالات محددة مثل الصواريخ والقوات البحرية، وهي قطاعات مهمة لا يمكن تجاهلها، لكن ذلك لا ينفي أن ثمة نقصاً كبيراً تعانيه قطاعات أخرى، مثل المدرعات، وهو ما يدفعها في الوقت الحالي إلى الإصرار على تطوير تلك القطاعات، وكانت ترى أن رفع الحظر المفروض على الأسلحة يمكن أن يساعدها في هذا الصدد.

3- إحكام الحصار

يشير أي نجاح محتمل لواشنطن في استقطاب دعم القوى الدولية المعنية بالاتفاق النووي لتمديد الحظر إلى ضعف النتائج التي أسفرت عنها الجهود الإيرانية في الفترة الماضية من أجل احتواء تداعيات العقوبات الأميركية والالتفاف عليها، وهو متغير لن يضاعف فقط من تأثير تلك العقوبات، وإنما سيوجه رسالة لواشنطن تدفعها إلى المضي قدماً في السياسة الحالية حتى تتراجع إيران عن مواقفها في الملفات المختلفة.

معركة جديدة

يبدو أن الساحة الدولية ستشهد معركة دبلوماسية جديدة بين طهران وواشنطن، ربما يتخللها تصعيد مباشر أو غير مباشر في المنطقة، مع تسابق الطرفين حول رفع حظر الأسلحة أو تمديده.


- سارعت طهران إلى توجيه تحذيرات مسبقة من التداعيات التي يمكن أن يسفر عنها أي تمديد محتمل للحظر على الأسلحة التقليدية، ما يعني أنها لا تستبعد نجاح جهود الولايات المتحدة في الوقت الحالي، رغم المعارضة العلنية التي أبدتها بعض القوى تجاه ذلك مثل روسيا.

طباعة