تقاسم الأعباء قد يزيد الخلافات بين الحلفاء

الولايات المتحدة تتخفف من أحمال حلف «الناتو»

صورة

لم تتمكن الولايات المتحدة وحلفاؤها من تجاوز الخلافات التي تفجرت خلال قمة الدول السبع في مطلع يونيو 2018، حيث كشفت قمة حلف شمال الأطلسي التي عُقدت في بروكسل في 10 يوليو 2018، عن تفاقم الانقسامات بين الرئيس الأميركي دونالد ترامب وقادة الدول الأوروبية، خصوصاً في ما يتعلق بزيادة الإنفاق العسكري لدول الحلف، وتقاسم الأعباء المالية والعسكرية للتحالف، وتعزيز مشاركة الشركاء الأوروبيين في العمليات العسكرية في أفغانستان، في ظل تهديد ترامب علناً بانسحاب الولايات المتحدة من الناتو.

قضايا ضاغطة

حدد ترامب عدداً من المطالب الواضحة قبل قمة الناتو في تغريداته على موقع التواصل الاجتماعي «تويتر»، يأتي في مقدمتها تقاسم الأعباء المشتركة مع الولايات المتحدة، كما انتقد مشروع «نورث ستروم 2»، ومشروع «السيل الشمالي 2»، وهو مشروع مشترك بين كلٍّ من روسيا وألمانيا، ويقوم على مد أنبوبين من روسيا إلى ألمانيا عبر قاع بحر البلطيق، بسعة إجمالية تبلغ 55 مليار متر مكعب من الغاز سنوياً، وتبلغ كلفة المشروع 8 مليارات دولار، ويواجه هذا المشروع معارضة من الولايات المتحدة وعدد من الدول الأوروبية مثل بولندا وأوكرانيا. وفي هذا الإطار، يمكن الإشارة إلى أبرز القضايا التي أُثيرت في هذه القمة وذلك في ما يلي:

مخصصات الإسهام العسكري

لم يكن ترامب هو الرئيس الأميركي الأول الذي يدعو لزيادة نسبة مساهمة دول الناتو في الميزانية العسكرية للحلف، حيث أشارت بعض التسريبات إلى قيام ترامب بالتهديد بسحب قوات بلاده من الناتو في حال لم يقم الحلفاء برفع حجم الإنفاق الدفاعي المخصص للحلف إلى ما يصل إلى 2٪ من إجمالي الناتج المحلي، إذ ذكر في تغريدة على «تويتر»، أن «الولايات المتحدة تدفع ثمن الحماية الأوروبية، ثم تخسر المليارات في التجارة»، كما ذكر في تغريدة أخرى: «تنفق دول حلف شمال الأطلسي المليارات من الدولارات منذ زيارتي العام الماضي، بناء على طلبي، لكن هذا تقريباً لا يكفي لأن الولايات المتحدة تنفق مبالغ باهظة»، بيد أن موقفه قد تبدل بعد انتهاء اجتماع الحلف، حيث قال ترامب بعدها إن «يظل التزام الولايات المتحدة إزاء حلف شمال الأطلسي قوياً جداً»، لاسيما بعد أن صدر البيان الختامي للقمة ليؤكد على قيام ثلثي الدول الأعضاء بإقرار خطط قومية لصرف 2٪ من إجمالي الناتج المحلى حتى عام 2024.

أمن دول شرق أوروبا

ناقشت القمة عدداً من القضايا المتصلة بالصراع مع روسيا؛ إذ هاجمت في البيان الختامي ما وصفته بالأفعال العدوانية لروسيا والتهديد باستخدام القوة من أجل الوصول إلى تحقيق أهداف سياسية، تمثل تحدياً لأمن حلف الناتو، كذلك تطرقت القمة إلى عدد من الموضوعات التي تخص موسكو، منها توصيل الغاز الروسي لأوروبا عن طريق مشروع «السيل الشمالي 2»، حيث يعارض عدد من الدول هذا المشروع، منها الولايات المتحدة وبولندا والمجر، نظراً إلى أنهم يرون أن هذا المشروع سيزيد من هيمنة روسيا على سوق الغاز الأوروبية، ومن ثم يشكل هؤلاء جبهة في حلف الناتو ضد ألمانيا.

المشاركة في أفغانستان

في اليوم الثاني من القمة ناقش الزعماء الغربيون نهج ترامب العسكري في أفغانستان الذي يقوم على زيادة الضربات الجوية ضد «طالبان»، وفي هذا السياق أعلنت تيريزا ماي رئيسة الوزراء البريطانية عن مشاركة 440 جندياً بريطانياً في مهام دعم ينفذها الحلف، إذ صرحت «سننشر 440 فرداً إضافياً في إطار مهمة الدعم الحازم التي ينفذها حلف شمال الأطلسي في أفغانستان، وأعتقد أن هذا يظهر أنه عندما ينادي الحلف تكون المملكة المتحدة من أوائل من يلبون النداء»، كما أعلن الأمين العام للحلف، ينس ستولتنبرغ، ضرورة أن يتفق قادة الدول الأعضاء على تمويل قوات الأمن الأفغانية حتى عام 2024، وذلك على الرغم من تصاعد تذمر الدول الغربية من استمرار الصراع طوال هذه المدة دون تحقيق نتيجة حاسمة.

أزمات الشرق الأوسط

أكد البيان الختامي لقمة الناتو أن عدم الاستقرار والأزمات في الشرق الأوسط تساعد على نمو الإرهاب، وتشجع الهجرة غير الشرعية والاتجار في البشر، لاسيما الأزمة السورية التي لها تداعيات مباشرة على أمن الشرق الأوسط ودول حلف الناتو، مشيرين إلى ضرورة دعم العملية السياسية في سورية.

دلالات القمة

يمكن القول إن هناك عدداً من الدلالات التي كشفت عنها قمة حلف الناتو، وهو ما يمكن الإشارة إليه في ما يلي:

1- تصاعد الانقسام الغربي

على الرغم من حرص الدول الغربية على التقليل من أهمية تصرفات ترامب تجاه دول الناتو، معتبرين أنها تعبر عن توجهات فردية من الرئيس، بالإضافة إلى عمق الروابط بين الحلف والولايات المتحدة الأميركية؛ فإن بعض المحللين يؤكدون أن هذه التوجهات لترامب تعكس مواقف المؤسسات الأميركية منذ فترة طويلة، ربما تعود إلى عهد أوباما الذي قام بالتوجه نحو آسيا، واتبع سياسات مختلفة عن حلفائه الأوروبيين في العديد من المواقف، بيد أنه لم يقم بالتهديد بفك الارتباط بشكل صريح على غرار ما فعله ترامب.

2- الخلافات الأميركية - الألمانية

استمر ترامب على نهجه في مهاجمة ألمانيا خلال هذه القمة، حيث قام بالهجوم على ألمانيا أكثر من مرة منذ توليه الرئاسة، فعلى سبيل المثال ذكر في إحدى تغريداته المنشورة على موقع «تويتر» سابقاً: «لدينا عجز تجاري هائل مع ألمانيا. إضافة إلى ذلك، يدفعون أقل مما يجب لحلف شمال الأطلسي، إنه أمر سيئ جداً للولايات المتحدة. وهذا الأمر سيتغير»، وقد استمرت المناوشات الكلامية بين الطرفين خلال القمة، حيث هاجم ألمانيا بشكل حاد خلال القمة، وذكر أن «ألمانيا خاضعة بالكامل لسيطرة روسيا. إنها تدفع مليارات الدولارات لروسيا لتأمين إمداداتها بالطاقة، وعلينا الدفاع عنهم في مواجهة روسيا. كيف يمكن تفسير هذا الأمر؟ هذا ليس عادلاً»، وهو ما ردت عليه المستشارة الألمانية أنغيلا ميركل: «إن لألمانيا سياساتها الخاصة، وتتخذ قراراتها بشكل مستقل».

3 - تزايد الدور التركي

أسفرت قمة الناتو عن تفعيل المشروع الأميركي «30 × 4» الذي يطلق عليه اسم «مبادرة جاهزية الناتو»، وينص على أنه في حالة وقوع أزمة تقوم الدول الأعضاء خلال 30 يوماً بحد أقصى بنشر 30 كتيبة قوات برية، و30 سرب طائرات، و30 سفينة مقاتلة، وستتولى تركيا قيادة القوات عالية الجاهزية في عام 2021، وهو ما سيزيد من أهمية دورها، كما أكد البيان الختامي لقمة بروكسل أن أنقرة تحتل أهمية كبرى في إطار مشروع الدرع الصاروخي للناتو.

مستقبل الناتو

على الرغم من حدوث توافق معلن بين الدول الأعضاء في ما يتعلق بزيادة المساهمة في مخصصات الإنفاق الدفاعي للحلف، فإن الجدل لايزال مُثاراً حول مدى قدرة دول الناتو على الوفاء بنسبة 2٪، خصوصاً أنه من المتوقع أن يصل 8 أعضاء فقط إلى مستوى 2٪ بحلول عام 2018، فيما ستحتاج 15 دولة إلى 6 سنوات أخرى للوصول إلى هذه النسبة، وذلك بحسب بيان صادر عن البيت الأبيض في مايو 2018، بيد أن بعض المحللين يرون أن زيادة الإنفاق ليست في مصلحة الولايات المتحدة بشكل كامل، إذ ستؤدي إلى تقليل الاعتماد على الدور الأميركي، كما أن زيادة الإنفاق العسكري الألماني على الرغم من معارضة الاشتراكيين ستسمح بتوسع الدور الألماني في حلف الناتو، ومن ثم فإنه من المتوقع أن تزداد الخلافات بين دول الحلف.

وستؤدي هذه الخلافات إلى تعزيز مكانة روسيا التي تتواجد في معظم مناطق نفوذ دول حلف الناتو، وتقوم بتوظيف صادراتها من الغاز للضغط على دول أوروبا تارة، وتعزيز علاقاتها معهم تارة أخرى، لاسيما أن أوروبا لاتزال في حاجة للغاز الروسي. ويكشف المشروع المشترك بين ألمانيا وروسيا - في هذا الصدد - عدم وجود بديل قوي لروسيا، وذلك على الرغم من محاولات الولايات المتحدة السابقة تقديم بدائل للغاز الروسي، مثل قيامها على سبيل المثال بتوقيع اتفاق مع بولندا في أبريل 2017 لتلقي الغاز المسال من واشنطن للاستغناء عن الغاز القادم من موسكو.

ختاماً، يُتوقع حدوث مزيد من الصدام بين ترامب والحلفاء الأوروبيين، وهو ما سيعمق الانقسامات في العديد من المؤسسات المشتركة مثل حلف الناتو، إلا أن هذا لن يؤدي إلى قيام الولايات المتحدة بالانسحاب نهائياً من الحلف الذي له دور مهم في تحقيق أهداف السياسة الخارجية الأميركية.


على الرغم من حرص الدول الغربية على التقليل من أهمية تصرفات ترامب تجاه دول «الناتو»، معتبرين أنها تعبر عن توجهات فردية من الرئيس، بالإضافة إلى عمق الروابط بين الحلف والولايات المتحدة الأميركية، فإن بعض المحللين يؤكدون أن هذه التوجهات لترامب تعكس مواقف المؤسسات الأميركية منذ فترة طويلة.

يرى بعض المحللين أن زيادة الإنفاق ليست في مصلحة الولايات المتحدة بشكل كامل، إذ ستؤدي إلى تقليل الاعتماد على الدور الأميركي، كما أن زيادة الإنفاق العسكري الألماني على الرغم من معارضة الاشتراكيين ستسمح بتوسع الدور الألماني في حلف الناتو، ومن ثم فإنه من المتوقع أن تزداد الخلافات بين دول الحلف.