أنشأتها الدوحة لمواجهة خصومها.. وتبدلت أدوارها تبعاً لأهواء النظام القطري

«الجزيرة».. قناة إخبارية تحـولت إلى لاعب سياسي

صورة

منذ تأسيس محطة الجزيرة الإخبارية، من قبل الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني، أمير قطر السابق، عام 1996، حتى فترة ما يُعرف بـ«الربيع العربي» عام 2011، ظلت هذه المحطة تعتبر من قبل كثيرين في مجال الإعلام، وخبراء السياسة، عنصراً رئيساً في «الدبلوماسية على مستوى العالم العربي برمّته» وأنها أيضاً «دولة افتراضية»، وكان السبب الرئيس وراء نجاح «الجزيرة» كأداة دبلوماسية عامة فعالة، قبل أحداث عام 2011 يُعزى إلى الشعبية والصدقية اللتين كانت تحظى بهما، إضافة إلى التغطية الجيدة، والاستقلالية النسبية عن السياسة القطرية.

• محطة «الجزيرة» تحولت إلى ميدان للصراع بين لاعبين كثر في المنطقة، حيث كانت «الجزيرة» تعمل لخدمة مصالح نظام قطر في صراعه، وتصفية حساباته مع خصومه من الدول العربية، وبناءً عليه نسيت المحطة موضوع النزاهة والحيادية، وباتت تركز على تغطية دول بعينها وتتجاهل دولاً أخرى، على الرغم من أن الأحداث هي ذاتها التي نجمت إبان «الربيع العربي» في أكثر من دولة عربية.

• بعد 2011، انحدرت محطة الجزيرة، خصوصاً القناة العربية، في مستواها إلى درجة أنها أصبحت عبارة عن «شركة للدعاية» تخدم أهداف السياسة القطرية وأجندتها.

• «الجزيرة» نشرت وثائق سرية فلسطينية عام 2010 تتعلق بالمفاوضات مع إسرائيل، والتي تكشف مدى الفساد الذي يضرب السلطة الفلسطينية، في محاولة من الأمير حمد لتقوية حليفته (حماس)، وتشويه سمعة السلطة الفلسطينية وحليفتها مصر.

ولكن بعد 2011، انحدرت محطة الجزيرة، خصوصاً القناة العربية، في مستواها إلى درجة أنها أصبحت عبارة عن «شركة للدعاية» تخدم أهداف السياسة القطرية وأجندتها.

واستناداً إلى دراسة علمية والعديد من المقابلات التي أجريت في هذه الدراسة، فإن التغيير الكبير في السياسة الخارجية لقطر، من القيام بأعمال الوسيط الحيادي، إلى التدخل العسكري العدواني خلال «الربيع العربي»، هو الأمر الذي تلاه تغيير مشابه في سياسة «الجزيرة» التحريرية. وبصورة أدق تحول «الجزيرة» إلى العمل بالمعايير المزدوجة، من حيث تغطيتها لأحداث الثورة السورية والدول العربية الأخرى، كلٌ حسب أجندة الدوحة السياسية في هذا البلد.

وخلال أحداث «الربيع العربي» توجهت محطات الأخبار الغربية، مثل «سي إن إن»، وغيرها، إلى المحللين السياسيين للتعليق على تطورات الأحداث التي عصفت بالمنطقة العربية، في الوقت الذي كانت «الجزيرة» تجري مقابلات حية مع قادة الحراك الشعبي، في شوارع الدول العربية التي وقعت فيها الأحداث، إذ عمدت «الجزيرة» إلى تغطية الأحداث بصورة مباشرة على مدى 24 ساعة، في معظم الأماكن الخطرة.

وكان انتشار الاحتجاجات في مختلف أنحاء الدول العربية، التي وقعت فيها أحداث «الربيع العربي» قد جعل من الصعوبة بمكان تخيل تغطيتها بكل هذه المهارة، لولا الدور الذي لعبته «الجزيرة» في هذا المجال، والإمكانات التي تمتعت بها الشبكة.

لكن المحطة الإخبارية تحولت إلى ميدان للصراع بين لاعبين كثر في المنطقة، حيث كانت «الجزيرة» تعمل لخدمة مصالح نظام قطر في صراعه، وتصفية حساباته مع خصومه من الدول العربية، وبناءً عليه نسيت المحطة موضوع النزاهة والحيادية، وباتت تركز على تغطية دول بعينها وتتجاهل دولاً أخرى، على الرغم من أن الأحداث هي ذاتها التي نجمت إبان «الربيع العربي» في أكثر من دولة عربية.

واستناداً إلى تقارير صحافية، وأدبيات السياسة القطرية، ومقابلات استقصائية جرت من أجل هذا البحث، كشفت جميعها عن طبيعة علاقة قطر مع «الجزيرة» قبل وبعد أحداث «الربيع العربي». وبالنظر إلى أن قطر لديها سياسات مختلفة تماماً إزاء أحداث «الربيع العربي» حسب كل دولة، فإن هذه الدراسة تناقش ما اذا كانت تغطية «الجزيرة» لهذه الدول متأثرة بالسياسة القطرية، وبصورة أكثر تحديداً، تهدف هذه الدراسة الى استكشاف ما اذا كانت قطر تستخدم «الجزيرة» كنوع من الدعاية، أو أداة للدبلوماسية العامة.

ويقول الكاتب الأميركي جارول مانهايم: «إن جهود حكومة أي دولة للتأثير في الرأي العام أو رأي النخبة في دولة ثانية، يكون من أجل تحويل السياسة الخارجية للدولة المستهدفة إلى مكسب لها»، والنقاد الذين يعتبرون أن «الدبلوماسية العامة» هي مرادف «للدعاية» يكونون غير متفهمين لهذا التعريف، إذ إن الدبلوماسية العامة الجيدة ينبغي أن تكون أكثر من مجرد الدعاية، واذا لم تفعل ذلك فإنها ستفشل في إقناع المتلقي.

وتقول الباحثة اللبنانية الدكتورة لينا الخطيب إنه حتى تكون وسيلة الإعلام مقنعة بصورة فعالة في الترويج لسياسة خارجية معينة لدولة ما، أي أن تعمل كأداة للدبلوماسية العامة، يتعين عليها أن تكون مستقلة عن هذه السياسة الخارجية، أو على الأقل أن تبدو كذلك. والمثال على ذلك، أن قناة «الحرة» الناطقة باللغة العربية، التي مولتها الولايات المتحدة الأميركية، لم تتمكن من منافسة المحطات الأخرى المحلية، لأنه كان يُنظر اليها ببساطة على أنها أداة أميركية للدعاية. ويرى آخرون أن الولايات المتحدة كان يمكن أن تحصل على نتائج أفضل من استثمارها في محطة «الحرة» لو أنها تحولت الى محطة دولية تبث مناقشات الكونغرس الأميركي والاجتماعات الأخرى السياسية في المدن الأميركية.

وفي واقع الأمر فإن بث مواد يُنظر اليها باعتبارها دعائية لن تكون محط سخرية الجمهور المستهدف فحسب، وإنما ستكون لها نتائج عكسية كأداة للدبلوماسية العامة.

لاعب سياسي

ولكن «الجزيرة» تجاوزت دورها كوسيلة إعلامية يعمل أمير قطر في حينه الشيخ حمد آل ثاني إلى تحقيق مكاسب سياسية من خلالها، وتحولت إلى لاعب سياسي في المنطقة والعالم يدير خيوطه الأمير حمد. وهذه السياسة لم تكن دائماً منسجمة مع الدول العربية الأخرى، بل إنها كانت في بعض الأحيان تثير الحزازات مع الدول الأخرى وبصورة متعمدة.

وبناءً عليه فقد أثارت «الجزيرة» غضب غالبية الدول العربية على قطر، وعمدت بعض تلك الدول إلى سحب سفيرها من الدوحة، حتى ان السفراء العرب في الدوحة أمضوا كثيراً من الوقت في التظلم من «الجزيرة»، حتى أنهم شعروا بأنهم سفراء عند «الجزيرة» وليس في قطر. وعمدت الأردن الى إغلاق مكتب «الجزيرة»، بعد أن بثت المحطة برنامجاً سياسياً للقاء مع أكاديمي أميركي سخر فيه من الأردن، وقامت المغرب بالأمر ذاته عندما ناقشت «الجزيرة» موضوع الصحراء الغربية. واضافة إلى ذلك فقد شكلت محطة الجزيرة توتراً بين قطر ودول كبيرة مثل الولايات المتحدة، حتى أن وزارتي الخارجية والدفاع الأميركيتين انشأتا قسماً خاصاً في الوزارة لمراقبة برامج «الجزيرة» على مدى 24 ساعة، ولمدة 7 أيام أسبوعياً.

ولطالما استخدم الأمير حمد «الجزيرة» كأداة لمحاربة خصومه من الأطراف الأخرى، ودعم حلفائه. وكانت قطر قد استضافت العديد من قادة تنظيم الإخوان المسلمين، وأهمهم يوسف القرضاوي الذي بات يتمتع بأهمية كبيرة في قطر، والذي كان يظهر على محطة الجزيرة بصورة متكررة، ويقدم الدعم والدعاية لـ«الإخوان المسلمين»، بل الأكثر من ذلك أن «الجزيرة» نشرت وثائق سرية فلسطينية عام 2010 تتعلق بالمفاوضات مع إسرائيل، والتي تكشف مدى الفساد الذي يضرب السلطة الفلسطينية، في محاولة من الأمير حمد لتقوية حليفته حركة (حماس)، وتشويه سمعة السلطة الفلسطينية وحليفتها مصر.

وكانت هذه طريقة مألوفة بالنسبة للشيخ حمد في تصفية حساباته مع خصومه. وليس من المهم بالنسبة له حدوث أي تناقض في ما يقوم به، طالما أن ذلك يخدم السياسة الخارجية لدولته الصغيرة قطر. ومن المعروف أن حمد دعم قيام الديمقراطية في دولة مثل ليبيا عندما أيد إسقاط العقيد القذافي بالقوة العسكرية، في حين أنه لا يرى أي غضاضة في تحالفاته مع دول ديكتاتورية.

طباعة